النّاس

nas جذر · ن-و-س 12 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
الكائِنُ الظّاهِرُ المُتَحَرِّكُ المُنبَعِثُ بَين أَمثالِه في وَصلٍ دائِم. جَماعةٌ تَنتَشِرُ وتَتَحَرَّكُ وتُولِّدُ فيها الأَدوارُ من داخِلِها.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف (الجَذرُ الأَصليُّ ن-و-س، والاستِعمالُ القرآنيُّ يَتَداخَلُ مَعَ ن-أ-س / أ-ن-س):

  • ن — رَنينٌ أَنفيٌّ يَخرُجُ من الجَوف. شِحنَتُه: رَنينٌ داخِليٌّ يَنبَعِثُ، انطِلاقٌ من الباطِن.
  • و — وَصلٌ ورَبط، الشَّفَتانِ مُستَديرَتانِ. شِحنَتُه: ارتِباطٌ مُستَدام، جِسرٌ يَمتَدُّ بَين طَرَفَين.
  • س — سَيَلانٌ نَفَسيٌّ سَلِس. شِحنَتُه: امتِدادٌ وسَيَلانٌ مُنبَسِط.

النَّواةُ نو (ن + و) = رَنينٌ داخِليٌّ مَوصولٌ، انبِعاثٌ مُرتَبِطٌ بما حَولَه. الإكمالُ بـس يُطيلُ هذا الانبِعاثَ المُرتَبِطَ في مَسافةٍ وزَمَن، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: انبِعاثٌ مُتَّصِلٌ يَسيلُ بَين أَمثالِه، كائِنٌ يَتَحَرَّكُ في وَصلٍ دائِمٍ مَعَ من يُشبِهُه.

الجَذرُ الثّاني: أ-ن-س

النَّاسُ في استِعمالِ العَربِ يَرتَبِطُ كذلك بـأ-ن-س:

  • أ (تَأكيدٌ ابتِدائيٌّ من الجَوف) + ن (رَنينٌ داخِليٌّ يَنبَعِث) = نَواةُ أن = تَأكيدُ الانبِعاثِ من الداخِل. ثُمَّ س يَمتَدُّ هذا الانبِعاثَ في سُهولة.
  • الجَذرُ أ-ن-س يُعطي «الأُنس» و«المُؤانَسة»: البَشَرُ يَأنَسُ بَعضُه بِبَعض، يَنبَعِثُ من داخِلِه حَنينٌ إلى شَبيهِه.

الشِّحنةُ الجامعةُ: كائِنٌ يَنبَعِثُ من الداخِلِ ويَسيلُ مُرتَبِطاً بأَمثالِه، وفيه فِطرةُ الأُنسِ والتَّجَمُّع. النّاسُ ليسوا تَجميعاً عَشوائِيّاً، هُم جِنسٌ تَربِطُه شِحنةُ الانبِعاثِ والوَصلِ والمُؤانَسة.

المِفتاحُ البِنيَويُّ — النَّاسُ كَمَفعولٍ جَماعيٍّ لِلأَفعالِ الإلَهيَّة: النَّاسُ في تَيبولوجيا §IX من [مَنهَجِ المَلَفّات](../../../methodology/13-dossier-method.md) ليسوا قانوناً بِنيَويّاً بَل المُتَلَقّي الجَماعيُّ الذي تَنزِلُ عَلَيه كُلُّ القَوانين. الحَجَّةُ القُرآنيَّةُ الحاسِمَة: خاتِمَةُ المُصحَفِ في سورةِ النَّاسِ تَختِمُ بِثَلاثَةِ أَسماءٍ إلَهيَّةٍ كُلُّها مُضافةٌ إلى النَّاس:

  • ﴿رَبِّ النَّاسِ﴾ (١١٤:١) — مَوقِعُ التَّربيَة، وَمُربَّاهُ النَّاس.
  • ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ (١١٤:٢) — مَوقِعُ الحُكم، وَمَحكومُه النَّاس.
  • ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ (١١٤:٣) — مَوقِعُ المَعبوديَّة، وَعابِدُوه النَّاس.

الثَّلاثيَّةُ تَكشِفُ بِنيَةً جامِعة: النَّاسُ هُم المَوضوعُ الذي يَستَدعي هذه الأَسماءَ مُجتَمِعَةً. لا تَنعَقِدُ صورةُ الرَّبِّ بِلا مُربَّى، ولا المَلِكِ بِلا رَعِيَّة، ولا الإلَهِ بِلا عابِد. النَّاسُ الإطارُ الذي تَنفَتِحُ فيه هذه المَواقِعُ الثَّلاث.

التَّمييزُ مَع abd: النَّاسُ صِفةٌ أَنثروبولوجيَّةٌ عامَّة، وَالعَبدُ صِفةٌ تَوجيهيَّةٌ خاصَّةٌ. كُلُّ عَبدٍ ناسٌ، ولَيسَ كُلُّ ناسٍ عَبد. النَّاسُ مَجموعَةُ الكائِناتِ المُمكِنِ تَوجيهِها؛ العَبدُ مَن وَجَّهَ نَفسَه (انظُر العِبادة §١). انظُر العَبد والإِنسان.

الصِّيَغ — كيف يَردُ «النّاس» في القرآن

  • النّاس (مُعَرَّفٌ بالـ، جَمعٌ لا مُفرَد له من الجَذرِ نَفسِه) — الجِنسُ البَشَريُّ كلُّه أو جَماعةٌ مَعهودة.
  • ناسٌ، أُناسٌ (نَكِرات) — طائِفةٌ غَيرُ مُعَيَّنة.
  • إنسان (مُفرَد الإنس) — الكائِنُ البَشَريُّ المُفرَد من حَيثُ جِنسِه.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: في كلِّ الصِّيَغ الانبِعاثُ الباطِنيُّ والوَصلُ

بالأَمثالِ حاضِران. الوَزنُ يُحَدِّدُ التَّعريفَ والعَدَد.

الفُروق المَعنويّة — الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى

  • uns (الأُنس والمُؤانَسة) — الجَذرُ أ-ن-س في شِحنةِ «الانبِعاثِ الباطِنيِّ نَحوَ الآخَر»: الحَنينُ إلى الشَّبيهِ والسُّرورُ به. «النّاس» يَنطَوي على هذا الجَذر، لأنَّ ما يَجمَعُ البَشَرَ هو هذا الحَنينُ المُتَبادَل. سَيُنشأُ uns حين نَلتَقي «أَنِسَ» أو «أُنس» في آيةٍ مَكتوبة.

المَواضع — مَواقعُ النّاسِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:٨ ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِاليَومِ الآخِرِ وَما هُم بِمُؤمِنين﴾ — مَوضِعُ الافتِتاحفي هذه السُّورة. «النّاس» يَفتَتِحُ وَصفَ الصِّنفِ الثّالِث: لا كافِرٌ صَريح، ولا مُؤمِنٌ خالِص، بل ذو وَجهَين. وقوله ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ لا «مِن هذا الفَريق» ولا «مِن طائفةٍ مَخصوصة»: النِّفاقُ احتِمالٌ مَفتوحٌ في داخِلِ حَرَكةِ النّاسِ ذاتِها، تَخرُجُ من شِحنةِ الانبِعاثِ والوَصلِ حين تَنشَقُّ الذَّاتُ بَين ما تَقولُه وما تَفعَلُه. مَواضِعُ مُتَوَقَّعةٌ كَثيرة: ٢:٢١ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ وما بَعدَها.
  • ٢:١٣ ﴿آمِنوا كَما آمَنَ النّاسُ﴾ — «النّاس» يَرِدُ هنا في مَقامِ المَرجَعِ المَطلوبِ للإيمانِ: «آمِنوا كَما آمَنَ النّاس». «النّاس» هنا عامَّةُ المُؤمِنين في المَدينةِ أو الجَماعةُ الإيمانيَّةُ التي صَنَعَت الأَمانَ فِعلاً. والكافُ «كَما» تَجعَلُ الإيمانَ المَطلوبَ مُطابِقاً لإيمانِ هذه الجَماعة: ليسَ إيماناً خاصّاً مُصطَنَعاً بل ضَمٌّ للذَّاتِ إلى مَركَزٍ جَماعيٍّ حَقيقيّ. والمُنافِقونَ يَرفُضون هذه المُطابَقةَ ويَسُمُّونَ الجَماعةَ «سُفَهاء»: يَرفُضون ضَمَّ أنفُسِهِم إلى النّاسِ الذي يَمثِّلُ الكَثافةَ الإيمانيَّةَ الجَمعيَّة. انظُر السَّفاهة والإيمان.
  • ٢:٢١ ﴿يا أَيُّها النّاسُ اعبُدوا رَبَّكُم﴾ — النِّداءُ الكَونيُّ الأوَّلُ في البَقَرة. «يا أَيُّها النّاسُ» مُنادىً بِلا تَصنيف: لا مُؤمِنون فَحَسب ولا كافِرون فَحَسب، بَل جِنسُ النّاسِ كلُّه بِشِحنةِ انبِعاثِه وحَرَكتِه. النِّداءُ يُخاطِبُ الكائنَ المُتَحَرِّكَ قَبلَ أن تُعَيِّنَه الهُوِيَّات. انظُر العِبادة والرَّبّ والخَلق.
  • ٢:٢٤ ﴿التي وَقودُها النّاسُ والحِجارة﴾ — «النّاس» يَرِدُ هنا في مَوضِعٍ مُعاكِسٍ تَماماً لِمَوضِعِ ٢:٢١: هناكَ كانوا مُنادَين للعِبادة، وهنا صاروا وَقوداً حينَ رَفَضوا. ليسَ جِنسُ النّاسِ كلُّه وَقوداً، بَل مَن أَنتَجَ وَقودَه من داخِلِه بِتَراكُمِ التَّغطية. انظُر الوَقود.
  • ٢:٤٤ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ — «النّاس» في مَقامِ العِتاب: الجَماعةُ الواسِعةُ التي تَتَلَقَّى الأَمرَ ممَّن يَنسى نَفسَه. «النّاس» هُنا لَيسَ المُخاطَبَ بَل مَوضوعُ الأَمر. التَّمييزُ بَينَ المُخاطَبِ («تَأمُرون») ومَوضوعِ الأَمرِ («النّاس») هو قَلبُ الآيةِ الكاشِف.
  • ١٠٧:٦ ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ — «النَّاس» لا يَردُ صَريحاً في الآيَة، بَل مَفهومُه مَطويٌّ في «يُراؤون»: الرِّياءُ فِعلٌ يَتَوَجَّهُ إلى النَّاسِ بِالضَّرورة. الجَديدُ: النَّاسُ هُنا جُمهورُ الرِّياء — العَينُ الجَماعيَّةُ التي يَحرِصُ المُرائي على ثَنائها. حَركةُ الرِّياءِ تَفتَرِضُ جَماعَةً تَنظُرُ، والنَّاسُ هُم تِلكَ الجَماعَةُ في صورَتِها الكُبرى.
  • ١١٠:٢ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ — النَّاسُ في لَحظَةِ تَدَفُّقِهِم كَجَماعَة. «أَفواجاً» جَمعُ فَوج: مَوجاتٌ مُتَتالِيَةٌ من جِنسِ النَّاسِ تَتَّجِهُ نَحوَ دينِ الله. الجَديدُ: النَّاسُ هُنا في حَركَتِهِم الجَماعيَّةِ الإيجابيَّةِ — لا فُرادى بَل أَفواجاً. شِحنَةُ الجَذرِ (انبِعاثٌ يَسيلُ مَوصولاً) تَتَجَلَّى في تَدَفُّقِ الأَفواج. انظُر الدِّين.
  • ١١٤:١ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ — النَّاسُ في مَوقِعِ الإضافَة إلى الرَّبّ. الرُّبوبيَّةُ مَنسوبَةٌ إلى النَّاسِ بِالخُصوصيَّة. الجَديدُ: النَّاسُ هُنا مَوضوعُ التَّربية — الذينَ يَربُّهُم رَبٌّ. أَوَّلُ الثُّلاثيَّةِ الخاتِمَةِ (رَبّ / مَلِك / إلَه) التي يُضافُ كُلٌّ منها إلى النَّاس. انظُر الرَّبّ.
  • ١١٤:٢ ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ — الثَّاني من الثُّلاثيَّةِ الخاتِمَةِ في خاتِمَةِ المُصحَف. النَّاسُ مَوضوعُ المَلِكيَّة: الذينَ يَسوسُهُم مَلِكٌ. الجَديدُ: النَّاسُ يَنتَقِلونَ من كَونِهِم تَحتَ التَّربيَة (الرَّبّ) إلى كَونِهِم تَحتَ السُّلطان (المَلِك). كلا الجِهَتَين يَتَسَلسَلانِ في عَلاقَتَيهِما بِالنَّاس. انظُر المَلِك / المالِك.
  • ١١٤:٣ ﴿إِلَٰهِ النَّاسِ﴾ — الثَّالثُ والخاتِمُ من الثُّلاثيَّةِ. النَّاسُ مَوضوعُ التَّألُّه: الذينَ يَعبُدونَ إلَهاً. الجَديدُ: التَّسَلسُلُ الثُّلاثيُّ يَكتَمِلُ — تَربيَةٌ + سُلطانٌ + مَعبود. النَّاسُ في كُلِّ مَوقِعٍ مُضافٌ، والاسمُ الإلَهيُّ في كُلٍّ مَوضِعٍ مُضافٌ إلَيه. تَحديدُ المَوقِفِ مِن العائِذِ: ضَمُّ النَّفسِ إلى مَن يَربُّ النَّاسَ ويَملِكُهُم ويَستَحِقُّ عِبادَتَهُم. انظُر الإله / الآلهة.
  • ١١٤:٥ ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ — النَّاسُ مَوقِعُ الوَسوَسَة: «في صُدورِ النَّاس» الباطِنُ المُتَلَقّي. الجَديدُ: النَّاسُ هُنا في صورَةِ المَوقِعِ الذي يَجري فيه الفِعلُ الخارِجيُّ (الوَسوَسَة). الصُّدورُ مَوضِعُ الانفِعالِ المُستَتِر، والنَّاسُ مَن تَنتَمي إلَيهِم تِلكَ الصُّدور. انظُر waswas.md.
  • ١١٤:٦ ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ — النَّاسُ في صورَةِ المَصدَر. الآنَ بَعدَ أَن كانوا مَوضوعَ الوَسوَسَة، صاروا مَصدَراً منها (مَعَ الجِنَّة). الجَديدُ: السُّورَةُ تَجمَعُ في النَّاسِ صُورَتَين مُتَتالِيَتَين: الصُّدورُ التي تُوَسوَسُ + الأَنفُسُ التي تُوَسوِس. النَّاسُ في حَركَةِ الانبِعاثِ الجَذريَّةِ يَكونونَ في الجِهَتَين معاً. انظُر الجِنَّة.

التَّقاطُعات — مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • nifaq — الصِّنفُ الثّالثُ المَذكورُ «وَمِنَ النّاسِ» هو الذي تُوصَفُ بِنيَتُه بالنِّفاق. النّاسُ حَضنُ النِّفاق. انظُر النِّفاق.
  • qawl — ﴿مَن يَقولُ﴾: القَولُ هو ما يَصدُرُ عن هذه الجَماعةِ مِن النّاسِ دُونَ فِعل. انظُر القَول.
  • iman — النّاسُ مَن يَدَّعون الإيمانَ دُونَ أن يَصنَعوه. انظُر الإيمان.

الإشكالات المَفتوحة

  • هل النّاسُ في القرآنِ جِنسٌ أَرضيٌّ مُحَدَّد؟ الجَذرانِ (ن-و-س وأ-ن-س) لا يَحصُرانِ في شَعبٍ أو حَقبة. «النّاس» في القرآنِ حينَ لم يُقَيَّدِ الاستِعمال = الجِنسُ البَشَريُّ كلُّه. مَوقِفُنا: ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ تَعني من هذا الجِنسِ الواسِع، لا طائفةً بعَينِها.
  • إشكالُ الجَذرَين: النّاسُ مُشتَقٌّ من ن-و-س (التَّحَرُّكُ والظُّهور) أم من أ-ن-س (الأُنسُ والمُؤانَسة)؟ العَرَبُ تَداوَلَت الاشتِقاقَين ولا حَسمَ نِهائيَّ في أُصولِ اللُّغة. مَوقِفُنا: الشِّحنَتانِ تَتَكامَلان في وَصفِ البَشَر: كائِنٌ مُتَحَرِّكٌ ظاهِرٌ (ن-و-س) يَحمِلُ فِطرةَ الأُنسِ والتَّجَمُّعِ (أ-ن-س).

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن