الإِحسان
حَملُ الشَّيءِ إلى حَيثُ يَستَطيعُ أن يَبلُغَ أَجمَلَ ما فيه. ليسَ الجودةَ المُجَرَّدةَ بَل الجودةَ التي تَخرُجُ من كِيانِ الفاعِلِ إلى كِيانِ ما يَقَعُ عَلَيه الفِعل.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ح: تَضييقٌ واحتِواءٌ في الباطِن، شِحنتُه: ما يَحتَويه الباطِنُ ثُمَّ يَخلُصُ خارِجاً.
- س: امتِدادٌ وسَيَلان، شِحنتُه: انسِيابٌ ناعِم.
- ن: رَنينٌ وانبِعاث، شِحنتُه: ظُهورٌ يَنفُذُ من الداخِل.
النَّواةُ حس (ح + س) = مُحتَوىً يَخلُصُ مُنساباً: ما يَضُمُّه الباطِنُ ثُمَّ يَنسابُ. الإغلاقُ بـن يُظهِرُ هذا المُنسابَ من الباطِن: الحَسَنُ ما يَنبَعِثُ من داخِلِ الكِيانِ خالِصاً ويَنسابُ.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: خُلوصٌ مُنسابٌ يَنبَعِثُ من الداخِل. الحَسَنُ ما يُوجَدُ في الشَّيءِ من كَمالٍ داخِليٍّ يَنسابُ فيَبلُغُ مَن حَولَه.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، الإحسانُ كَوَزنِ أَفعَلَ يُخرِجُ الحُسنَ إلى الغَير: الإحسانُ على وَزنِ أَفعَل (السَّبَبيُّ المُتَعَدِّي، كَما رَأَيناه في iman: آمَنَ = جَعَلَ آمِناً). أَحسَنَ = جَعَلَ شَيئاً حَسَناً. الفِعلُ يَعكِسُ الحُسنَ من الداخِلِ إلى الغَير. لِذا تَجمَعُ القُرآنُ بَين «إحساناً بِالوالِدَين» (٢:٨٣) ثُمَّ «قولوا لِلنَّاسِ حُسناً» في الآيةِ ذاتِها: الإحسانُ التَّعدِيَةُ، والحُسنُ المَصدَرُ. مَن «أَحسَنَ» أَخرَجَ الحُسنَ من نَفسِه إلى الآخَر.
التَّوازي البِنيَويُّ مَع hamd: ٱلحَمدُ هوَ مَوضِعُ الحُسن (انظُر [الحَمد](الحَمد) القِسم ١)، حَقيقَةُ أنَّ كُلَّ حُسنٍ راجِعٌ إلى الله. الإحسانُ هو الفِعلُ المُقابِلُ مِن جانِبِ العَبد: العَبدُ يُحسِنُ حينَ يَجعَلُ شَيئاً حَسَناً بِنِسبَتِه إلى الله. حَمدٌ في الإلَهيَّةِ يُقابِلُه إحسانٌ في الإنسانِيَّة. كِلاهُما تَجَلٍّ لِنَفسِ الحَقيقةِ الجَذريَّة (ح-س-ن في الحَمدِ ضِمناً وَفي الإحسانِ صَريحاً) في طَرَفَين مُختَلِفَين.
التَّمييزُ بَين الإحسانِ والصَّلاح: الصَّالِحُ مَن يَفعَلُ ما طُلِبَ مِنه (الصَّلاحُ ضَبطٌ على الحَدِّ المَطلوب). المُحسِنُ يَحمِلُ فَوقَ المَطلوبِ بِدافِعٍ داخِليٍّ. لِذا: «الذينَ آمَنوا وعَمِلوا الصَّالِحات» (الحَدُّ الأَدنى) مُقابِلَ «وَسَنَزيدُ المُحسِنين» (٢:٥٨). الزِّيادةُ مَوعودةٌ لِمَن تَجاوَزَ الحَدّ. هذا يُؤَهِّلُ الإحسانَ لِأَن يَكونَ تَجَلِّياً مَخصوصاً مِن قانونِ المُضاعَفةِ (انظُر الشُّكر): صُورَتُه مِن جِهَةِ العَبدِ هي الإحسان.
ومنه في كَلامِ العَرَب:
- أَحسَنَ: رَفَعَ فِعلَه إلى حَيثُ يُصبِحُ خالِصاً مُنسابَاً.
- المُحسِن: مَن يَفعَلُ فَوقَ ما طُلِبَ مِنه بِباعِثٍ من باطِنِه لا إِكراه.
- الحُسنُ: الكَمالُ الداخِليُّ الذي يَتَجَلَّى في الظّاهِر.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- الْمُحْسِنِينَ (اسمُ فاعِلٍ جَمعُ مُخاطَب مَعَ ال): في ٢:٥٨. «وسَنَزيدُ المُحسِنين»: الجَمعُ المُعَرَّفُ يَصِفُ طائِفةً بِوَصفِها القائِم. المُحسِنُ لَيسَ فَقَط مَن دَخَلَ البابَ بِالشُّروطِ الأَدنى بَل مَن حَمَلَ فَوقَ المَطلوبِ فَوقَ الأَدنى.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الخُلوصُ المُنسابُ من الداخِل. «الإحسان» صيغةُ إِفعالٍ تَدُلُّ على إيجادِ الحُسنِ وإِخراجِه إلى الغَير.
الفُروق المَعنويّة
husn(الحُسن): سَيُنشَأُ حينَ يَرِدُ «الحُسن» في سِياقٍ مُستَقِلّ. الحُسنُ الكَمالُ ذاتُه، والإِحسانُ إِخراجُه إلى الغَير.
المَواضع: مَواقعُ الإِحسانِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٥٨ ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الإِحسانُ يَرِدُ هنا في أَعلى مَرتَبةٍ من مَراتِبِ الدُّخولِ: الغُفرانُ للجَميعِ مَن أَتى بِالشُّروطِ الأَدنى (السُّجودُ والحِطَّة)، والزِّيادةُ لِلمُحسِنين. المُحسِنُ من حَمَلَ أَكثَرَ مِمّا طُلِبَ: هَيئتُه أَحسَنُ، وكَلِمَتُه أَعمَق. الزِّيادةُ مَوعودةٌ بِالسِّين «سَنَزيد»: وَعدٌ مُؤَجَّلٌ لَكِنَّه مُؤَكَّد.
- ٢:٨٣ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: الإحسانُ البَندُ الثّاني في مِيثاقِ بَني إسرائيل. المَصدَرُ «إحساناً» جاءَ بِلا قَيدٍ أو شَرط: الإحسانُ بِالوالِدَينِ مُطلَقٌ في المِيثاق. الجَديدُ: الإحسانُ يَتَدَرَّجُ من الوالِدَين إلى ذَوي القُربى إلى اليَتامى إلى المَساكين: الدّائِرةُ تَتَّسِعُ والإحسانُ يَمتَدُّ. «وقُولوا لِلنّاسِ حُسناً» يَأتي لاحِقاً في نَفسِ الآيةِ مُستَخدِماً «الحُسن» المَصدَرَ الذاتيَّ لا «الإحسان» التَّعدِيَّ: الشَّقيقُ والفَرقُ مَعاً في آيةٍ واحِدة.
- ٢:١١٢ ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ﴾: «وهوَ مُحسِن» حالٌ مُقارِنةٌ لِإسلامِ الوَجه: الإسلامُ الصَّحيحُ إسلامٌ مَقرونٌ بِالإحسان. الجَديدُ: الإحسانُ شَرطٌ مُصاحِبٌ لا إضافةٌ تَكميليَّة، مَن أَسلَمَ دونَ إحسانٍ أَسلَمَ ناقِصاً. الأَجرُ مُعَلَّقٌ بِالإسلامِ مَعَ الإحسانِ معاً.
- ١٧:٧ ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ … وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾: الجَديدُ: يُرَدُّ الإحسانُ إلى فاعِلِه بِاللّام، فبَعدَ أن كانَ في ٢:٨٣ مُتَّجِهاً إلى الوالِدَينِ وذَوي القُربى يُقالُ هُنا إنَّ مُنتَهاهُ نَفسُ المُحسِن. والشَّرطُ مُكَرَّرٌ بِلَفظِه في الجَواب، فالفِعلُ وجَزاؤُه اسمٌ واحِد. ويُقابَلُ بِالإساءةِ في الشَّرطِ الثّاني، فيَثبُتُ لِلجَذرِ ضِدٌّ في الآيةِ نَفسِها.
- ١٧:٢٣ ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: الجَديدُ: يُفَصَّلُ المَصدَرُ بَعدَ إجمالِه. كانَ في ٢:٨٣ بَنداً في مِيثاقٍ بِلا بَيانٍ لِصورَتِه، وتَذكُرُ الآيةُ هُنا ما يُبطِلُه وما يُقيمُه: تَركُ التَّأفيفِ والنَّهر، ثُمَّ ﴿قَوْلًا كَرِيمًا﴾. فالإحسانُ يُقاسُ بِما يَخرُجُ من اللِّسانِ عِندَ الضَّعف، وذلك حينَ يَبلُغُ الوالِدُ الكِبَرَ ويَنعَكِسُ اتِّجاهُ الحاجة. انظُر الحُسن.
- ١٧:٣٤ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الجَذرُ في التَّفضيلِ حَدّاً أدنى لا دَرَجةً زائِدة. كانَ في ٢:٥٨ زِيادةً توعَدُ لِمَن حَمَلَ فَوقَ المَطلوب، ويَصيرُ هُنا شَرطاً لِجَوازِ القُربِ أصلاً: ما دونَ الأحسَنِ مَمنوع. فمَوضِعُ اليَتيمِ يَنقُلُ الإحسانَ من الفَضلِ إلى الحَدّ.
- ١٧:٣٥ ﴿ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: الجَديدُ: يُنقَلُ التَّفضيلُ من صِفةِ الفِعلِ إلى الحُكمِ على مآلِه. كانَ في ١٧:٣٤ حَدّاً أدنى لِجَوازِ القُربِ من مالِ اليَتيم، ويَصيرُ هُنا وَصفاً لِما تَؤولُ إليه المُعامَلةُ بَعدَ تَمامِ الكَيلِ والوَزن. والتَّمييزُ ﴿تَأْوِيلًا﴾ يُعَيِّنُ جِهةَ الحُسنِ فلا يَبقى مُطلَقاً، فيُقالُ في أيِّ شَيءٍ كانَ أحسَن. ويُعطَفُ على ﴿خَيْرٌ﴾، فيَجتَمِعُ الجَذرانِ في حُكمٍ واحِدٍ على العاقِبةِ لا على الفاعِل. انظُر الخَير.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
ghufran: الغُفرانُ المَرتَبةُ الأَدنى، والزِّيادةُ لِلمُحسِنين مَرتَبةٌ أَعلى.ziyada: الزِّيادةُ مَوعودةٌ للمُحسِنين تَحديداً.khayr: الخَيرُ والإِحسانُ مُتَقارِبان: الإِحسانُ إِخراجُ الخَيرِ من الداخِل.salihat: الصَّالِحاتُ أَفعالٌ، والإِحسانُ جودَةُ الأَفعالِ وكَمالُها.
الإشكالات المَفتوحة
- ما الفَرقُ بَين المُحسِنِ والصَّالِح؟ الصَّالِحُ يَقومُ بِما طُلِبَ مِنه، والمُحسِنُ يَحمِلُ فَوقَ المَطلوبِ بِدافِعٍ داخِليٍّ لا إِلزامٍ خارِجيّ.