الوُدّ
تَعَلُّقٌ يَنعَقِدُ في القَلبِ على ما يَوَدُّه صاحِبُه ويَلزَمُه. يَتَّجِهُ إلى صاحِبِه نَفسِه كَما يَتَّجِهُ إلى الغَير، ويَنعَقِدُ على الخَيرِ وعلى ضِدِّه، فحُروفُه تَحمِلُ التَّعَلُّقَ لا جِهَتَه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
الجَذرُ و-د-د، ثالِثُه تَكرارٌ لِثانيه:
- و: تَستَديرُ الشَّفَتانِ حَلقةً تُحيطُ بِالمَجرى. شِحنَتُه: العقد والإحاطة والاحتواء. والواوُ هُنا أوَّلُ الجَذر، حَرفٌ أصليٌّ مِن حَرفَيِ النَّواة.
- د: يَنطَبِقُ طَرَفُ اللِّسانِ على أُصولِ الثَّنايا فيَحبِسُ النَّفَسَ ثُمَّ يُطلِقُه. شِحنَتُه: الاحتباسُ والضغطُ والثبات.
- د مُكَرَّرةً: تُعيدُ الاحتِباسَ والثَّباتَ على ما احتَبَسَت عَلَيه.
النَّواةُ ود (و + د) = عَقدٌ يُحيطُ بِالشَّيءِ ثُمَّ يَحتَبِسُ عَلَيه ويَثبُت. ثُمَّ د مُكَرَّرةً تُضاعِفُ هذا الثَّبات، فالجَذرُ كُلُّه: تَعَلُّقٌ يَنعَقِدُ على ما يُحَبُّ ويَلزَمُه. وهو تَأليفُ صَفَحاتِ النِّساءِ (٤:٤٢، ٤:٧٣، ٤:٨٩) بِوُجوهِ السِّجِلِّ المُوَحَّد، وتَأليفُ الوَدود.
وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ الوُدَّ في المُصحَفِ يَنعَقِدُ على الخَيرِ وعلى ضِدِّه: «وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم» (٢:١٠٩)، و«وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ» (٤:١٠٢). فالجَذرُ تَعَلُّقُ الوادِّ بِما يَوَدُّه، ولا تَحمِلُ حُروفُه أنَّ ما يَوَدُّه خَيرٌ لِغَيرِه.
ومِن هذا الجَذرِ في كَلامِ العَرَب:
- وَدَّ = أَحَبَّ وتَمَنَّى.
- الوُدّ = المَحَبَّةُ الثَّابِتة.
- الوَدود = الكَثيرُ الوُدّ، اسمٌ من أَسماءِ اللهِ الحُسنى (٨٥:١٤). انظُر الوَدود.
- «وَدَّ لَو» = تَمَنَّى لَو حَدَثَ كذا، والمُتَمَنّى مَعقودٌ عَلَيه القَلب.
الصِّيَغ: كيفَ يَردُ «الوُدّ» في هذِهِ الآيات
- يَوَدُّ (مُضارِع / وَزنُ يَفعُل): الاتِّجاهُ المُتَجَدِّدُ، النَّزوعُ المُستَمِرّ. وَرَدَ مُثبَتاً في ٢:٩٦ و٤:٤٢ يَتَّجِهُ فيه الوادُّ إلى نَفسِه، ومَنفِيّاً «مَا يَوَدُّ» في ٢:١٠٥: انقِطاعُ هذا الاتِّجاهِ = تَوَقُّفُ القَلبِ عَن الانعِطافِ نَحوَ الغَير.
- وَدَّ (ماضٍ / وَزنُ فَعَل): حادِثَةُ الوُدِّ قَد وَقَعَت وتَواصَلَت في الزَّمَن.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: التَّضعيفُ في «وَدَّ» يَكشِفُ كَثافَةَ الوُدِّ وتَراكُمَه لا مُجَرَّدَ حُدوثِه.
الفُروق المَعنويّة: الجَذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
(لا فَرعَ مُستَقِلَّاً في هذه المَرحَلة.)
المَواضع: مَواقعُ الوُدِّ في القُرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٩٦ ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. «يَوَدُّ» مُضارِعٌ مُثبَتٌ فاعِلُه «أَحَدُهُمْ» مُفرَداً من جَماعة، ومَضمونُه بَعدَ «لَوْ» فِعلٌ مَبنِيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، ويَسبِقُه في الآيةِ وَصفٌ بِالحِرص: ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ تَعَلُّقاً يَنعَقِدُ على امتِدادِ حَياةِ الوادِّ نَفسِه، والمَودودُ عَدَدٌ مُسَمّىً من السِّنينَ يُعطاهُ من غَيرِه. ثُمَّ يُقابَلُ الوُدُّ بِما يَقِفُ دونَه: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾، فما انعَقَدَ عَلَيه القَلبُ لَو نالَه صاحِبُه لم يُبعِدْه عَن العَذابِ أدنى بُعد. انظُر الحِرص والعُمُر والزَّحزَحة.
- ٢:١٠٥ ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾: الوُدُّ هُنا مَنفِيٌّ بِـ«مَا»: نَفيُه ليسَ عَداءً صَريحاً بَل امتِناعُ القَلبِ عَن التَّمَنِّي لِلآخَرِ بِالخَير. تَعريفُ الحَسَدِ القُرآنيِّ الدَّقيق: ليسَ بُغضاً نَاشِطاً، بَل بَردٌ داخِليٌّ يَرفُضُ أن يَمتَدَّ نَحوَ تَمَنِّي الخَيرِ لِلغَير. الجَمعُ «أَهلُ الكِتابِ والمُشرِكين» لا يَعني كُلَّ فَردٍ منهم، بَل مَن كَفَرَ مِن هؤلاء، والوَصفُ وَصفُ مَوقِفٍ لا وَصمُ قَوم. الجَديدُ: يُنفى الوُدُّ لِأوَّلِ مَرّةٍ «مَا يَوَدُّ»، ويَنتَقِلُ مُتَعَلَّقُه من الوادِّ نَفسِه في ٢:٩٦ إلى غَيرِه: مَصدَرٌ مُؤَوَّلٌ بِـ«أن» مَضمونُه خَيرٌ يُنزَلُ على المُخاطَبينَ «أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ»، وفاعِلُه جَماعَتانِ مُسَمَّتانِ بَعدَ أن كانَ في ٢:٩٦ واحِداً من جَماعة.
- ٢:١٠٩ ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾: التَّطوُّرُ الثَّاني. هنا الوُدُّ مُثبَتٌ ومُفَصَّل: «وَدَّ» لا «يَوَدُّ»، حالةٌ قائِمةٌ متواصِلة. والإضافةُ الجديدة: «حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ» تُحَدِّدُ مَصدَرَه، الحَسَدُ نَبَعَ من نَفسِ صاحِبِه لا من مَوقِفٍ دينيٍّ خالِص. «من بَعدِ ما تَبَيَّنَ لهمُ الحَقُّ»: الوُدُّ السَّلبِيُّ استَمَرَّ حتّى بَعدَ وُضوحِ الحَقِّ، ليسَ جَهلاً. والمُعالَجةُ: «فَاعفُوا وَاصفَحوا» لا مُقابَلَةً بِالمِثل. الجَديدُ: يَرِدُ الفِعلُ لِأوَّلِ مَرّةٍ ماضِياً مُثبَتاً «وَدَّ كَثِيرٌ»، ومَضمونُه بَعدَ «لَوْ» فِعلٌ يَفعَلُه الوادّونَ أنفُسُهُم بِالمُخاطَبينَ «لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا»، فيَصيرُ ما نُفِيَ في ٢:١٠٥ من تَمَنّي الخَيرِ لَهُم تَمَنِّياً لِرَدِّهِم، وتُسَمّى عِلَّتُه مَفعولاً لِأجلِه «حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم».
- ٤:٤٢ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ﴾: الفِعلُ مُضارِعٌ فاعِلُه مَوصولٌ بِالكُفرِ ومَعصِيةِ الرَّسول، ومَضمونُه أُمنيّةٌ بِـ«لَو» فِعلُها مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه. الجَديدُ: يَتَمَنّى الوادُّ لِنَفسِه مَحوَها، أن يَستَوِيَ بِالأرضِ حتّى لا يَعلوَ مِنه شَيء، وكانَ الوُدُّ الذي انصَرَفَ إلى صاحِبِه في ٢:٩٦ طَلَباً لِامتِدادِ عُمُرِه، وكانَ في ٢:١٠٥ و٢:١٠٩ مُتَعَلِّقاً بِالغَير: يُنفى أن يَتَمَنّى لَه الخَيرَ، ويُثبَتُ أن يَتَمَنّى رَدَّه عن إيمانِه. ومَوضِعُه «يَوْمَئِذٍ»، مَشهَدُ الشُّهود، فالوُدُّ الذي كانَ يَتَعَلَّقُ بِحالِ الغَيرِ يَتَعَلَّقُ هُناكَ بِمَحوِ صاحِبِه، ووَجهُ التَّسويةِ مَتروكٌ مَفتوحاً. انظُر الكُفر.
- ٤:١٠٢ ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾: الفِعلُ ماضٍ فاعِلُه الذينَ كَفَروا، ومَضمونُه غَفلةٌ يَتَمَنَّونَها في المُخاطَبينَ بِـ«لَو»، ويُعطَفُ عَلَيها بِالفاءِ مَيلٌ عَلَيهِم «مَّيْلَةً وَاحِدَةً». الجَديدُ: يَتَعَلَّقُ الوُدُّ بِلَحظةٍ في الغَيرِ لا بِحالٍ دائمة: غَفلةٌ عن السِّلاحِ والمَتاعِ تُفتَحُ بِها ثُغرة، ويُرتَقَبُ عِندَها امتِدادٌ واحِدٌ يَبلُغُهُم فيَأخُذُهُم. وكانَ في ٢:١٠٩ تَمَنّياً لِرَدِّ الغَيرِ عن إيمانِه، فيَصيرُ هُنا تَرَقُّباً لِساعةِ ضَعف، والفاءُ تَجعَلُ المَيلَ لاحِقاً بِالغَفلةِ بِلا مُهلة. ويُقابِلُه في الآيةِ نَفسِها أمرٌ مُكَرَّرٌ بِأخذِ الحِذر. انظُر الحَذَر.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
hawa(الهَوى): والمَنشورُ يُعطيهِ في ٢:١٢٠ و٢:١٤٥ و٤:١٣٥ و٢٠:١٦، وفي الأربَعةِ يُتَّبَعُ أو يُنهى عن اتِّباعِه ويُصَدُّ بِه، أي أنَّه يَجُرُّ صاحِبَه، ويُعطيهِ في ٧٩:٤٠ هَوىً تُنهى النَّفسُ عَنه. والوُدُّ أَهدَأُ وأَثبَت: تَمَنٍّ قَلبيٌّ مُستَقِرٌّ يَتَّجِهُ إلى الغَيرِ ولا يُقادُ بِه صاحِبُه.kufr: الآيَتانِ تَصِفانِ وُدَّ مَن كَفَروا: الكُفرُ (التَّغطية) يُنتِجُ إضافةً الانقِطاعَ عَن وُدِّ الخَيرِ لِلمُؤمِنين.
الإشكالات المَفتوحة
- الفَرقُ الدَّقيقُ بَينَ «وَدَّ» و«أَحَبَّ»: الوُدُّ أَقرَبُ إلى الانعِطافِ الدَّائِمِ والتَّمَنِّي؛ المَحَبَّةُ أَعَمُّ وأَشمَل. يَحتاجُ إلى مزيدِ مَواضِع.