المُكث
لُبثٌ في مَوضِعٍ مَعَ إمساكِ النَّفسِ عَنِ المُضِيِّ، فيَتَراخى الشَّيءُ ولا يَنقَطِع. في المَنشورِ يُوصَفُ بِه إقراءٌ يُفَرَّقُ على مُهلة، ويُؤمَرُ بِه أهلٌ يُترَكونَ في مَكانِهِم.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- م: انطِباقُ الشَّفَتَينِ يَضُمُّ الصَّوتَ ويَحتَويهِ في
الباطِن. شِحنَتُه: الامتِساكُ والاحتِواءُ الباطِن.
- ك: انطِباقٌ غائِرٌ في أقصى الحَنَكِ يَكتُمُ النَّفَسَ
ويُمسِكُه. شِحنَتُه: الكَتمُ والاحتِباسُ والامتِساك.
- ث: تَفَشٍّ بَينَ طَرَفِ اللِّسانِ والثَّنايا يُخرِجُ
النَّفَسَ مُنتَشِراً دَقيقاً بَطيئاً. شِحنَتُه: التَّفَشّي والانتِثارُ الدَّقيق.
النَّواةُ مَك (م + ك) = ضَمٌّ يَكتُمُ: إمساكٌ مُضاعَفٌ لا يُطلِقُ ما احتَواه. والإغلاقُ بـث يَفتَحُ لِهذا المُمسَكِ مَخرَجاً دَقيقاً مُنتَشِراً لا دَفعةً واحِدة، فيَصيرُ الحَبسُ تَراخِياً لا انقِطاعاً، ويَصيرُ الجَذرُ: إمساكٌ يَحبِسُ المُضِيَّ ويَدَعُهُ يَتَسَرَّبُ دَقيقاً على مُهلة.
ومنه في كَلامِ العَرَب: مَكَثَ بِالمَكانِ أقامَ بِه ولَم يَبرَحْه، والماكِثُ اللاّبِثُ المُنتَظِر، وتَمَكَّثَ في أمرِه تَأَنّى فيه ولَم يَعجَل.
الشِّحنةُ الجامِعة: حَبسُ المُضِيِّ مَعَ تَسريبِه قَليلاً قَليلاً.
وهذه القِراءةُ تَكسِبُ ما لا يُعطيهِ اللُّبثُ وَحدَه: تُفَسِّرُ لِمَ صَحَّ أن يوصَفَ بِالمُكثِ إقراءٌ يَجري ولا يَقِفُ، فالمُكثُ لَيسَ وُقوفاً بَل بُطءُ سَرَيان؛ وتُفَسِّرُ لِمَ قُرِنَ في مَوضِعِهِ الأوَّلِ بِالتَّفريقِ وبِالتَّنزيلِ المُصَغَّرِ في النُّجوم، وكِلاهُما تَسريبٌ لِلكَثيرِ دَقيقاً.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- مُكْثٍ (اسمٌ مَجرورٌ بِـ«عَلى» نَكِرة): في ١٧:١٠٦. الجَرُّ
بِـ«عَلى» يَجعَلُهُ حالاً مُلازِمةً لِلقِراءةِ لا زَمَناً مَحدوداً لَها، والتَّنكيرُ يَمنَعُ تَقديرَهُ بِمُدّةٍ مَعلومة.
- امْكُثُوا (أمرٌ مُسنَدٌ إلى واوِ الجَماعة): في ٢٠:١٠. الأمرُ
يَجعَلُ الحَبسَ مَطلوباً من غَيرِ المُتَكَلِّم، فيَنفَصِلُ الماكِثُ عَنِ الذّاهِب.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: حَبسُ المُضِيِّ على تَسريب، من الحُروف.
والصّيغَتانِ تُقَلِّبانِه بَينَ حالٍ تُلازِمُ فِعلاً، وأمرٍ
يُوَجَّهُ إلى قَوم.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ لِلجَذرِ في المَنشور: لا ماكِثَ ولا مَكيثَ ولا فِعلَ ماضٍ، والصّيغَتانِ المَذكورَتانِ تَحمِلانِه وَحدَهُما. وأقرَبُ ما يُلابِسُه من غَيرِ جَذرِه:
sukun(س-ك-ن): السُّكونُ ثُبوتٌ بِلا حَرَكةٍ أصلاً،
والمُكثُ حَبسُ حَرَكةٍ قائِمةٍ تَتَسَرَّب. فالأوَّلُ عَدَمُ الحَرَكة، والثّاني إبطاؤُها.
tarabbus(ر-ب-ص): التَّرَبُّصُ انتِظارٌ مُعَلَّقٌ بِغايةٍ
يُنتَظَرُ وُقوعُها، والمُكثُ إقامةٌ لا تُشتَرَطُ فيها غاية. ولِذلك جاءَ المُكثُ في ١٧:١٠٦ وَصفاً لِفِعلٍ جارٍ لا انتِظاراً لِشَيء.
المَواضع: مَواقعُ المُكثِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ١٧:١٠٦ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾:
مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ الجَذرُ المُصحَفَ اسماً مَجروراً بِـ«عَلى» يَصِفُ هَيئةَ القِراءةِ لا زَمانَها، وهو مَحفوفٌ بِفِعلَينِ يُؤَدّيانِ مَعناهُ من جِهَتَين: ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ قَبلَه يُجَزِّئُ المَقروءَ، و﴿نَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ بَعدَهُ يُصَغِّرُ دَفعةَ النُّزول. فالمُكثُ في وَسَطِهِما هو أثَرُهُما في القارِئ: ما فُرِّقَ في التَّنزيلِ لا يُؤَدّى مَجموعاً. والتَّسريبُ الدَّقيقُ الذي في الثّاءِ يُقرَأُ هُنا صَريحاً: الكَثيرُ المُمسَكُ يَخرُجُ قَليلاً قَليلاً حَتّى يَبلُغَ النّاس. انظُر التِّلاوة والإنزال.
- ٢٠:١٠ ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾: الجَديدُ:
يَنتَقِلُ الجَذرُ من وَصفِ هَيئةٍ إلى أمرٍ يُفَرِّقُ بَينَ فَريقَين. والمَأمورونَ أهلُه، والآمِرُ ماضٍ إلى ما آنَس، فيَصيرُ المُكثُ حَبساً لِجَماعةٍ في مَوضِعِها لِيَنفُذَ واحِدٌ إلى ما وَراءَه. وقَرينةُ الظَّرفِ ﴿إِذْ رَأَىٰ نَارًا﴾ تُبَيِّنُ أنَّ الأمرَ لَم يَقَعْ إلّا بَعدَ رُؤيةٍ اختَصَّ بِها الآمِر، فالمُكثُ لازِمٌ لِمَن لَم يَرَ. ويُعَقَّبُ بِرَجاءِ ﴿آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ﴾، فيُقَيَّدُ الحَبسُ بِعائِدٍ يُنتَظَرُ: يُحبَسُ المُضِيُّ لِيُؤتى بِالقَبَسِ إلى الماكِثين، لا لِيُقطَعَ عَنهُم. انظُر النّار.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
tilawa: ١٧:١٠٦ تَجعَلُ المُكثَ هَيئةً لِلقِراءةِ على
النّاس، فلا تُقرَأُ التِّلاوةُ في المَنشورِ سَرداً مُتَّصِلاً.
inzal: الآيةُ نَفسُها تَصِلُ المُكثَ بِالتَّنزيلِ
المُكَرَّر، فهَيئةُ الأداءِ تَتبَعُ هَيئةَ النُّزول.
farq: ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ سابِقٌ لِلمُكثِ في الآيةِ نَفسِها،
فالتَّجزِئةُ عِلّةُ التَّمَهُّل.
nar: ٢٠:١٠ تَربِطُ الأمرَ بِالمُكثِ بِرُؤيةِ النّار،
فالحَبسُ لِفَريقٍ يُقابِلُهُ نُفوذُ واحِدٍ إلى المَرئِيّ.
sukun: المَفهومانِ يَتَجاوَرانِ في الإقامةِ ويَفتَرِقانِ في
بَقاءِ الحَرَكة.
الإشكالات المَفتوحة
- هَلِ المُكثُ في ١٧:١٠٦ وَصفٌ لِلقارِئِ أم لِلمَقروء؟
التَّركيبُ يَحتَمِلُ الوَجهَينِ لِأنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِالقِراءة. مَوقِفُنا من الحُروف: الشِّحنةُ تَقَعُ على الأداءِ لا على المادّة، فالمَقروءُ مَفروقٌ بِنَصِّ الآيةِ نَفسِها، والمُكثُ هو ما يَفعَلُهُ القارِئُ بِذلك المَفروق.
- لِمَ لَم يَرِد الجَذرُ ماضِياً في المَنشور؟ الصّيغَتانِ
المَنشورَتانِ حالٌ وأمرٌ، وكِلاهُما يُستَقبَلُ ولا يُخبَرُ عَنهُ مُنقَضِياً. مَوقِفُنا: هذا مُوافِقٌ لِلشِّحنةِ لا مُصادَفةٌ في اللَّفظ، فحَبسُ المُضِيِّ لا يُوصَفُ بِه ما مَضى؛ والحُكمُ مَوقوفٌ على ما يُنشَرُ بَعدُ.