الإسراء · الآية 106

﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا

«وَقُرْآنًا»: اسمٌ من الجَمعِ يَتَقَدَّمُ فِعلَ الفَصل

و«قُرآناً» نَكِرةٌ مَنصوبةٌ مُقَدَّمةٌ على فِعلٍ يَقَعُ على ضَميرِها، وعُدِلَ عن «وفَرَقنا قُرآناً»، فقُدِّمَ الاسمُ ووَقَعَ الفِعلُ بَعدَه.

وأصلُ ق-ر-أ جَمعٌ مُحكَمٌ يُعادُ جَمعُه، أي ضَمُّ الحُروفِ في صَوتٍ مَسموعٍ ثُمَّ انصِرافُها لِتَعودَ فتَجتَمِع، فالاسمُ في أوَّلِ الآيةِ اسمُ ضَمٍّ لا اسمُ مادّة.

ثُمَّ وَقَعَ عَلَيهِ فِعلُ فَصل، فهُما كَلِمَتانِ مُتَجاوِرَتان، واحِدةٌ تَقولُ جَمعاً، والتي بَعدَها تَقولُ فَرقاً، والتَّوَتُّرُ الذي في الآيةِ مَوضوعٌ في لَفظَيها الأوَّلَين.

«فَرَقْنَاهُ»: فَصلٌ مُخَفَّفٌ يَضَعُ حُدوداً

والفِعلُ على فَعَلَ، مُخَفَّفةَ العَين، ولَو شُدِّدَت لَصارَت «فَرَّقناه»، وفي التَّشديدِ تَكثيرٌ وتَفصيل، فالمَذكورُ فَصلٌ يَضَعُ حُدوداً، لا تَشتيتٌ يُبَعثِرُ أجزاءً.

والفَرقُ من ف-ر-ق، وهو شَقٌّ يَمتَدُّ ثُمَّ يَنتَهي إلى حَدٍّ قاطِعٍ بَينَ جانِبَين، فما وَقَعَ فيه حُدودٌ تُقرَأ، وليسَ قِطَعاً تُجمَع.

والضَّميرُ في «فَرَقناهُ» هاءٌ مُفرَدة، وأوثِرَ على «فَرَقناها» وعلى «جَعَلناهُ أجزاءً»، فالمَفعولُ باقٍ واحِداً بَعدَ الفَصل، أُعطِيَ مَفاصِلَ ولم يُجعَلْ أشياء.

«لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ»: لامٌ تَجعَلُ الفَصلَ لِلقِراءة

واللّامُ لِلتَّعليل، فالفَصلُ مَربوطٌ بِما بَعدَه، غَيرُ مَقصودٍ لِنَفسِه، وهو مَفاصِلُ توضَعُ لأجلِ فَمٍ يَقرَأ.

والفِعلُ من حُروفِ الاسمِ الذي افتُتِحَت بِه الآية، فالاسمُ في الصَّدرِ والفِعلُ في الوَسَطِ من جِذرٍ واحِد، وما سُمِّيَ جَمعاً في أوَّلِ الآيةِ يُجعَلُ لِيُجمَعَ على أُذُنٍ في وَسَطِها.

وعُدِّيَ الفِعلُ إلى «النّاس» بِـ«على» دونَ اللّام، ولَو قيلَ «لِلنّاس» لَكانَ عَرضاً يُقَدَّمُ لَهُم، و«على» لِلاستِعلاء، فالقِراءةُ تَنزِلُ عَلَيهِم كما نَزَلَ المَقروءُ من قَبل، والحَرفُ نَفسُه في التَّبليغِ والنُّزول.

ومَدارُ ن-و-س على انبِعاثٍ من الباطِنِ سَيّال، أي جَماعةٍ تَتَحَرَّكُ وتَسيل، ومِنه «ناسَ يَنوسُ» إذا تَحَرَّكَ واضطَرَبَ فلم يَثبُت. فالمَقروءُ عَلَيهِم مَوصوفونَ في أسمائِهِم بِأنَّهُم لا يَقِرّون، ولِذلك يَجيءُ الحَرفُ التّالي.

«عَلَىٰ مُكْثٍ»: «على» ثانِيَةٌ ونَكِرةٌ لا يُقَدَّرُ لَها مِقدار

وجاءَت «على» مَرَّتَينِ مُتَتالِيَتَين: الأولى تُعَيِّنُ مَن تَنزِلُ عَلَيهِ القِراءة، والثّانِيَةُ تُعَيِّنُ الحالَ التي تَجري عَلَيها، فالقِراءةُ مَحمولةٌ على شَيءٍ كما هي واقِعةٌ على قَوم.

وأصلُ م-ك-ث احتِباسٌ يَتَكاثَفُ فيَلبَثُ في مَوضِعِه، فالمُكثُ لُبثٌ لا يُستَعجَل، وثِقَلٌ يَمنَعُ الاندِفاع.

و«مُكث» نَكِرةٌ في الآية، ولم يَأتِ «على المُكث» مُعَرَّفاً، ولا «على مُكثٍ طَويل» مُقَدَّراً، فالمِقدارُ مَتروكٌ كما تُرِكَ في هذا المَقطَعِ ما تُرِك، والمَذكورُ أنَّ هُناكَ لُبثاً، ولا يُقالُ كَم.

وقَومٌ يَنوسونَ يُقرَأُ عَلَيهِم على مُكث، وتُقابَلُ حَرَكَتُهُم بِتُؤَدة، لا بِحَرَكةٍ مِثلِها.

«وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا»: تَضعيفٌ يَعقُبُه مَفعولٌ مُطلَق

والفِعلُ على فَعَّلَ بِتَضعيفِ العَين، ثُمَّ يَتلوهُ مَصدَرُه مَنصوباً، وهُما أداتانِ تَقَعانِ على هَيئةِ الفِعلِ لا على أصلِ وُقوعِه.

وقد جَرى في الآيةِ قَبلَها من هذا الجِذرِ نَفسِه فِعلٌ آخَر: وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾، فصيغةُ أفعَلَ هُناكَ تُثبِتُ الإنزالَ ونِسبَتَه، وصيغةُ فَعَّلَ هُنا تَشُدُّ على هَيئَتِه، والمَعنيُّ بِالضَّميرِ في هذه الأفعالِ واحِد.

ولم يُذكَرْ في الآيَتَينِ وَقتٌ ولا مُدّةٌ ولا عَدَد، وذُكِرَتِ الهَيئةُ واقتُصِرَ عَلَيها.

وفي هذه الآيةِ ثَلاثةُ مَواضِعَ تَقولُ التَّمَهُّلَ كُلُّها، كُلٌّ من جِهةٍ غَيرِ جِهةِ أُختِها: فـ«فَرَقناه» تَضَعُه في المَقروءِ نَفسِه، مَفاصِلَ فيه، و«على مُكث» تَضَعُه في القارِئ، لُبثاً في الفَم، و«نَزَّلناهُ تَنزيلاً» تَضَعُه في النُّزول، هَيئةً في المَجيء. فهي مَفاصِلُ في الشَّيء، ومُهلةٌ في اللِّسان، وهَيئةٌ في الوُرود.

وقد سَبَقَ في الآيةِ قَبلَها أنَّ الإرسالَ في حُروفِه جَريانٌ مُتَّصِلٌ غَيرُ مُستَعجَل، فما كانَ في الجِذرِ مُضمَراً قيلَ هُنا صَريحاً.


حَصيلة

اسمٌ نَكِرةٌ يُقَدَّمُ على فِعلٍ يَقَعُ على ضَميرِه، وق-ر-أ جَمعٌ مُحكَمٌ يُعادُ جَمعُه، فأوَّلُ لَفظَينِ في الآيةِ جَمعٌ ثُمَّ فَرق. و«فَرَقناه» على فَعَلَ مُخَفَّفةً لا على فَعَّلَ، وف-ر-ق شَقٌّ يَمتَدُّ ويَنتَهي إلى حَدٍّ فاصِل، فهي حُدودٌ توضَعُ فيه لا أجزاءٌ تُبَعثَرُ مِنه، والهاءُ المُفرَدةُ تُبقيهِ واحِداً. ثُمَّ تَرُدُّ لامُ التَّعليلِ الفَصلَ إلى قِراءة، والفِعلُ من حُروفِ الاسمِ الأوَّل. و«على النّاس» استِعلاءٌ لا عَرض، ون-و-س انبِعاثٌ سَيّالٌ لا يَقِرّ. ثُمَّ «على» ثانِيَة، وم-ك-ث احتِباسٌ يَتَكاثَفُ فيَلبَث، في نَكِرةٍ لا يُقَدَّرُ لَها مِقدار. ثُمَّ فَعَّلَ ومَصدَرٌ مَنصوبٌ بَعدَها، وقد جاءَ الجِذرُ في الآيةِ قَبلَها على أفعَلَ ولازِماً، فهُناكَ إثباتُ النُّزولِ وطَرَفاه، وهُنا شَدٌّ على هَيئَتِه، ولا وَقتَ ولا مُدّةَ ولا عَدَدَ في الجَميع. فاجتَمَعَت ثَلاثةُ مَواضِعَ لِلتَّمَهُّلِ في آيةٍ واحِدة: مَفاصِلُ في الشَّيء، ومُهلةٌ في اللِّسان، وهَيئةٌ في الوُرود، وقَومٌ لا يَقِرّونَ يُقرَأُ عَلَيهِم على مُكث.