طه · الآية 10

﴿إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى

«إِذْ رَأَىٰ نَارًا»: عَينٌ ونارٌ ولا شَيءَ سِواهُما

يُفتَحُ الخَبَرُ بِظَرفٍ لِما مَضى، فلِلحِكايةِ لَحظةٌ تَبدَأُ عِندَها، وهذه اللَّحظةُ رُؤية.

والجِذرُ ر-أ-ي إدراكٌ يَجري حَتّى يَقَعَ على صورةِ الشَّيءِ ويَستَقِرَّ عَلَيها. والفِعلُ هُنا فِعلُ الرّاوي، لا فِعلُ الرَّجُل، فالخَبَرُ يُخبِرُ أنَّ عَيناً وَقَعَت على نار.

و«نَارًا» نَكِرة، أي نارٌ ما، لا النّارُ المَعروفة. ولا يُقالُ أينَ كانَ ولا في أيِّ ساعةٍ ولا لِمَ كانَ هُناك، فالآيةُ تُعطي عَيناً ونَاراً ثُمَّ تَمضي.

«فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا»: قِسمةُ الحَرَكةِ بَينَ اثنَين

والفاءُ هُنا لا مُهلةَ فيها، فقد رَأى فتَكَلَّمَ في الحال.

و«أهلُه» مَن يَلزَمونَه ويَتَعَلَّقونَ بِه، ولم يُسَمَّوا ولم يُعَدّوا، وجاءَ الأمرُ بِصيغةِ الجَمعِ فهُم أكثَرُ من واحِد، وهذا كُلُّ ما تَقولُه الآيةُ فيهِم.

و«امْكُثُوا» من م-ك-ث، ومَعناه احتِباسٌ يَتَكاثَفُ فيَلبَثُ في مَوضِعِه. وقد أمَرَهُم بِاللُّبثِ وأخَذَ الحَرَكةَ لِنَفسِه، فهي حَرَكةٌ واحِدةٌ قُسِمَت: هُم يَثبُتونَ وهو يَمشي.

«إِنِّي آنَسْتُ نَارًا»: فِعلٌ ثانٍ لِنارٍ واحِدة

وهُنا يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ نَفسُه، ولا يُعيدُ فِعلَ الرّاوي، فقد قيلَ عَنه «رَأى»، وقالَ هو عن نَفسِه «آنَستُ»، والفَرقُ بَينَ الفِعلَينِ هو القِراءة.

وأصلُ أ-ن-س ظُهورٌ مُستَمِرٌّ يَسكُنُ إلَيهِ غَيرُه، وهو ضِدُّ الوَحشة. والرُّؤيةُ تَضَعُ الشَّيءَ أمامَ الرّائي، والإيناسُ يَضَعُ الرّائيَ نَفسَه في نِسبةٍ إلَيه. فقد رَأى ناراً فصارَت شَيئاً لا يَستَوحِشُ مِنه، فمالَ إلَيها.

وقَدَّمَ «إنّي» قَبلَ الفِعلِ تَوكيداً، يُثَبِّتُ بِه الخَبَرَ لِأهلِهِ قَبلَ أن يَقولَه. ثُمَّ أعادَ «نَارًا» نَكِرةً كما جاءَت أوَّلَ مَرَّة، فهو يُخبِرُهُم بِما لَقِي، ولا يُعَرِّفُهُم بِمَعروفٍ عِندَهُم. ولا تَصيرُ «النَّارِ» بِالألِفِ واللّامِ إلّا في آخِرِ الآية، بَعدَ أن ذَكَرَها الكَلامُ مَرَّتَين، فالنّارُ عُرِّفَت بِالكَلامِ، وليسَ بِالمَعرِفةِ السّابِقة.

والنّارُ من ن-و-ر: انبِعاثٌ مَوصولٌ يَجري بِلا انقِطاع، وهو أصلُ النّورِ نَفسِه، والطّاقةُ في الجِذرِ واحِدة، والفَرقُ في مَوضِعِ المُتَلَقّي. وقد خَرَجَ إلى ما يُحرِقُ طَلَباً لِما يُضيء.

«لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ»: رَجاءٌ وقِطعةٌ صَغيرة

و«لَعَلَّ» لا تُفيدُ يَقيناً، فقد رَجا لَهُم ولم يَعِدْهُم.

و«آتِيكُم» من الجِذرِ الذي فُتِحَ بِه المَقطَعُ في وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ﴾. وقد أتى الخَبَرُ هُناكَ المُخاطَبَ، ويَرجو الرَّجُلُ هُنا أن يَأتِيَ أهلَه.

و«القَبَس» من ق-ب-س: شُعلةٌ تُؤخَذُ من مُعظَمِ النّارِ وتُخرَجُ من بَينِه. وجاءَ نَكِرةً مَجروراً بِباءِ المُصاحَبة، وهو أدنى ما يُؤخَذُ من نار، فالذي طَلَبَه قِطعةٌ مِنها تُحمَلُ في يَد، ولم يَطلُبِ النّارَ نَفسَها.

«أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى»: الطَّلَبُ الأعلى مَعطوفٌ على الأدنى

و«أو» تَعطِفُ احتِمالاً ثانِياً تَحتَ «لَعَلَّ» نَفسِها، فهو رَجاءٌ واحِدٌ يَتَفَرَّعُ إلى شَيئَين.

والجِذرُ و-ج-د لِقاءٌ يَنعَقِدُ ويَثبُت، أي مُصادَفةٌ مُتَحَقِّقةٌ لا تَصَوُّر، فالوِجدانُ هُنا مُلاقاة، وليسَ نَجاحَ بَحث.

و«عَلَى» لِلاستِعلاء، وعُدِلَ بِها عن «عِندَ النّارِ» و«في النّارِ»، كأنَّ النّارَ تَحمِلُ ما يُطلَبُ فَوقَها. و«هُدًى» نَكِرةٌ غَيرُ مَحدودة، من ه-د-ي: دَلالةٌ خَفيّةٌ تَضبِطُ الوِجهةَ وتَمتَدُّ مَعَ السّائِر.

فذَكَرَ أدنى ما تُعطيهِ نارٌ وأعلى ما يُطلَبُ عِندَها، ولم يَذكُرْ بَينَهُما شَيئاً، والطَّرَفانِ جَمرةٌ تُحمَلُ في كَفّ، أو وِجهةٌ يُمشى بِها. وقد بَلَغَ فكانَ الذي لَقِيَهُ غَيرَ الاثنَين.


حَصيلة

ظَرفٌ يَفتَحُ اللَّحظة، ثُمَّ عَينٌ تَقَعُ على نارٍ نَكِرة، ولا مَكانَ ولا وَقتَ ولا سَبَبَ مَجيء. ثُمَّ فاءٌ بِلا مُهلة، وأمرٌ لِأهلٍ لم يُسَمَّوا بِأن يَلبَثوا، و«امْكُثُوا» من م-ك-ث احتِباسٌ يَتَكاثَفُ فيَثبُت، فقد قُسِمَتِ الحَرَكةُ فثَبَتوا ومَشى. ثُمَّ يَتَكَلَّمُ هو فلا يُعيدُ فِعلَ الرّاوي: قيلَ «رَأى» وقالَ «آنَستُ»، وأ-ن-س ظُهورٌ يَسكُنُ إلَيهِ الرّائي، فالنّارُ صارَت في كَلامِهِ شَيئاً لا يُستَوحَشُ مِنه، وهي في الجِذرِ ن-و-ر أصلُ النُّورِ نَفسُه، والفَرقُ في مَوقِعِ المُتَلَقّي. ثُمَّ رَجاءٌ لا يَقينَ فيه، يَتَفَرَّعُ إلى قَبَسٍ يُؤخَذُ من مُعظَمِ النّار، وإلى هُدىً يُوجَدُ عَلَيها. وقد سارَ إلى الضَّوءِ حامِلاً طَلَبَين، صَغيراً في اليَدِ وكَبيراً في الطَّريق، فلَمّا بَلَغَ لم يُعطَ واحِداً مِنهُما بِعَينِه.