النِّسيان

nisyan جذر · ن-س-ي 7 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
انفِلاتُ الشَّيءِ من القَبضة، لا مُجَرَّدُ غِيابِ الذّاكِرة. تَخَلٍّ إرادِيٌّ عَن المُحاسَبة: إفلاتُ النَّفسِ من مَيزانِ التَّكليف.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثَلاثةُ حُروف:

  • ن: رَنينٌ وانبِعاث من الباطِن.
  • س: امتِدادٌ سَيَلاني، انسِياب.
  • ي: امتِدادٌ لَيِّنٌ يَسري.

النَّواةُ نس = انبِعاثٌ يَنسابُ: ما يَنفَلِتُ من الداخِلِ ويَسيلُ بَعيداً. الإغلاقُ بـي يُمِدُّ هذا الانسِيابَ حتّى يَتَعَذَّرَ الاسترِداد، فيَصيرُ الجَذرُ: انسِيابٌ داخِليٌّ يُبعِدُ ما كانَ مَقبوضاً عَنِ القَبضة.

ومنه في كَلامِ العَرَب:

  • نَسِيَ الشَّيءَ: انفَلَتَ من تَحَكُّمِه.
  • نَسُوا اللهَ في القُرآنِ: تَخَلَّوا عَن رِعايَتِه فانسَلَّ سُبحانَه من رِعايَتِهم.
  • النِّسيانُ ليس غِيابَ الذّاكِرةِ فَحَسب، بَل الإفلاتُ الإراديُّ في كَثيرٍ من المَواضِع.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

  • تَنسَون أَنفُسَكُم (مُضارِعٌ مَعطوف): في ٢:٤٤. الفِعلُ مُضارِعٌ يُشيرُ إلى الاستِمرار. «أَنفُسَكُم»: أَفلَتُّم أَنفُسَكُم من قَبضةِ المُحاسَبة. الإنسانُ لا يَغفُلُ عَن ذاتِه لَكِنَّه يُفلِتُها من حِسابِه.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الانفِلاتُ من القَبضةِ من الجَذر. «تَنسَون» مُضارِعٌ من نَسِيَ يَصِفُ الحالَ المُستَمِرَّة.

المِفتاحُ البِنيَويُّ، النِّسيانُ كَالقَلبِ الذي يَكسِرُ بِنيَةَ الذِّكر: النِّسيانُ لَيسَ قانوناً بَل انكِسارُ قانونِ المِرآةِ (الذِّكر). الذِّكرُ قانونٌ تَبادُلِيّ: العَبدُ يَذكُرُ والله يَذكُرُه ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (٢:١٥٢). النِّسيانُ يَكسِرُ هذا التَّبادُل:

  • في الذَّاتِ الإنسانيَّة (٢:٤٤): «تَنسَونَ أَنفُسَكُم»: إفلاتُ

النَّفسِ من المُحاسَبَة.

  • في الاستِجابَة الإلهيَّة: «نَسوا اللهَ فَنَسيَهُم» (٩:٦٧): قانونُ

المِرآةِ يَنعَكِسُ في الاتِّجاهِ السَّلبيّ.

  • في النَّسخ (٢:١٠٦): «نُنسِها»: إنساءٌ إلَهيٌّ مُتَعَمَّد، إخراجُ

آيَةٍ من الاستِعمال.

  • في التَّأييدِ النَّبَويّ (٨٧:٦-٧): «فَلا تَنسى إلَّا ما شاءَ الله»:

الرَّسولُ مَحفوظٌ من النِّسيانِ بِالضَّمانِ الإلَهيّ.

النِّسيانُ إذَن القُوَّةُ التي تَفُكُّ الذِّكر: ما تَجمَعُه القَبضَةُ في الذِّكرِ يَفُكُّه الانفِلاتُ في النِّسيان. وَلِأَنَّ الذِّكرَ شَرطُ كُلِّ قانونٍ تَبادُليّ، النِّسيانُ يَكسِرُ كُلَّ القَوانينَ بَعدَه: لا شُكرَ من ناسٍ، لا تَوبَةَ من ناسٍ، لا هِدايَةَ في نِسيان.

والجَذرُ يَكشِفُ هذا: انبِعاثٌ من الباطِن (ن)، انسِيابٌ ناعِم (س)، امتِدادٌ لَيِّن (ي). النِّسيانُ هو الانسِيابُ المُمتَدُّ من الباطِن: ما كانَ مَقبوضاً في الذَّاكِرَةِ يَخرُجُ مِنها بِسَيَلانٍ هادِئ، لا بِكَسرٍ عَنيف. ولِذلكَ يَكونُ خَفيّاً، يَتَسَلَّلُ دونَ أَن يُحَسَّ بِه صاحِبُه.

ولِذلكَ يَكشِفُ القُرآنُ في ٢:٤٤ النِّسيانَ مَع العَكسِ المَنطِقيّ: «أَتَأمُرونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وتَنسَونَ أَنفُسَكُم». لَيسَ نِسياناً لِلمَعلومَة، بَل انفِلاتُ النَّفسِ من قَبضَةِ التَّطبيق. مَن يَأمُرُ ولا يَفعَلُ نَسيَ نَفسَه. النِّسيانُ في هذا المَعنى أَعمَقُ من الذَّاكِرة: هو إخراجُ الذَّاتِ من حَيِّزِ القَوانين.

الفُروق المَعنويّة

النِّسيانُ نَقيضُ الذِّكر (انظُر الذِّكر):

  • الذِّكرُ = اختِراقٌ حادٌّ يَقبِضُ على المَعنى ويُمِدُّه.
  • النِّسيانُ = انفِلاتٌ يَبعِدُ المَعنى عَن القَبضة.

المَواضع: مَواقعُ النِّسيانِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:٤٤ ﴿وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. النِّسيانُ يَدخُلُ القُرآنَ هُنا في صورَتِه الأَخطَر: لا نِسيانَ ذِهنيٌّ بَل تَخَلٍّ إراديٌّ. الآيةُ تُعَلِّمُ التَّفريقَ: الإنسانُ يَعرِفُ الحَدَّ ويَأمُرُ بِه غَيرَه، ثُمَّ يُفلِتُ نَفسَه من تَطبيقِه. هذا التَّخَلِّي هو النَّقيضُ الدَّقيقُ للتَّقوى التي وَرَدَت في ٢:٤١.
  • ٢:١٠٦ ﴿أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾: الجَذرُ هنا في صيغَةِ الإنساء (أَفعَل المُعَدَّى). «نُنسِها» = نُخرِجُها من دائِرَةِ الاستِعمالِ الحاضِر، لا من الوُجودِ أَصلاً. مُقارَنةٌ مَعَ نَظيرِه «نَنسَخ»: النَّسخُ (ن-س-خ) نَقلٌ نَشِطٌ، والإنساءُ (ن-س-ي) تَراجُعٌ من الاستِعمال. الجَذرانِ يَتَتابَعانِ بِـ«أو» لاستِيعابِ الحالَين: ما نُنقَل صيغَتُه ما نُخرَج من الاستِعمال. انظُر النَّسخ لِلتَّكامُل.
  • ٢٠:٥٢ ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾: الجَديدُ: يُنفى النِّسيانُ عَنِ اللهِ صَريحاً ومَقروناً بِنَفيِ الضَّلال، نَفيانِ لا نَفيٌ واحِد. والجَوابُ قَبلَه يَضَعُ العِلمَ «في كِتاب»، فما دُوِّنَ لا يَنفَلِتُ من القَبضة. فالقَبضةُ التي يَصِفُ الجَذرُ الانسِيابَ مِنها تُوصَفُ هُنا بِأنَّها لا تُفلِتُ شَيئاً، ويُقرَأُ الوَصفُ الإلهيُّ نَقيضاً تامّاً لِما في ٢:٤٤. انظُر الكِتاب.
  • ٢٠:٨٨ ﴿هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الفِعلُ بِلا مَفعولٍ ولا فاعِلٍ تُعَيِّنُه الآية، فيُختَمُ بِه القَولُ مُطلَقاً. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يُذكَرُ فيه الجَذرُ ولا يُقالُ ما الذي أُفلِتَ ولا مَن أفلَتَه، فيَبقى الانفِلاتُ وَحدَه مَذكوراً.
  • ٢٠:١١٥ ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾: الجَديدُ: يُفَسَّرُ النِّسيانُ بِما يُتبَعُ بِه: «ولم نَجِدْ لَه عَزماً». فالمَنفِيُّ عَقدُ القَصدِ لا خَزنُ المَعلومة، وهذا نَصٌّ في أنَّ النِّسيانَ انفِلاتُ القَبضةِ لا غِيابُ الذّاكِرة. ومَفعولُه عَهدٌ، فما أُفلِتَ ارتِباطٌ لا خَبَر.
  • ٢٠:١٢٦ ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾: الجَديدُ: يَقَعُ الانعِكاسُ في لَفظَينِ من جَذرٍ واحِد: «نَسيتَها» ثُمَّ «تُنسى»، والثّاني مَبنيٌّ لِلمَجهولِ فيَنقَلِبُ الفِعلُ على فاعِلِه. وكانَ القِسمُ الثّاني يَقرَأُ هذا الانعِكاسَ من ٩:٦٧، وهو هُنا في مَوضِعٍ مَنشور. انظُر الذِّكر.
  • ٨٧:٦ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ﴾: النِّسيانُ يَردُ في سورةِ الأَعلى في ذَيلِ الوَعدِ الإلهيِّ بالإقراء، والاستِثناءُ الذي بَعدَه في ٨٧:٧ ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. «فَلا تَنسى» نَفيٌّ وَعديٌّ: اللهُ يَضمَنُ عدمَ النِّسيانِ كأَصل. «إلَّا ما شاءَ اللهُ» استِثناءٌ يُبقي حُرِّيَّةَ الإرادةِ الإلهيَّة: ما شاءَ اللهُ إنساءَه يُنسى. والجَذرُ يُبَيِّنُ: عدمُ النِّسيانِ هو الأَصلُ، والإنساءُ الاستِثناء. العَكسُ هو طَبيعةُ الإنسانِ دونَ تَأييد.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • dhikr: النِّسيانُ نَقيضُ الذِّكر.
  • amr: الأَمرُ بِالبِرِّ مَقرونٌ بِنِسيانِ النَّفسِ في ٢:٤٤.
  • nafs: «أَنفُسَكُم» مَفعولٌ بِه مَعَ نَسِيَ: النَّفسُ ما يُفلَتُ من المُحاسَبة.

الإشكالات المَفتوحة

  • هَل النِّسيانُ دائِماً إراديٌّ؟ الجَذرُ يَشمَلُ الوَجهَين. في ٢:٤٤ السِّياقُ «وأَنتُم تَعلَمون» (في الآيةِ المُجاوِرة) يَدعَمُ الإراديَّ. النِّسيانُ العَفويُّ عُذرٌ، والإراديُّ مَذمومٌ. في ٢:١٠٦ الإنساءُ إلهيٌّ: اللهُ يُخرِجُ الآيةَ من الاستِعمالِ بِقَصد.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن