النِّسيان

nisyan جذر · ن-س-ي 3 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
انفِلاتُ الشَّيءِ من القَبضة، لا مُجَرَّدُ غِيابِ الذّاكِرة. تَخَلٍّ إرادِيٌّ عَن المُحاسَبة: إفلاتُ النَّفسِ من مَيزانِ التَّكليف.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثَلاثةُ حُروف:

  • ن — رَنينٌ وانبِعاث من الباطِن.
  • س — امتِدادٌ سَيَلاني، انسِياب.
  • ي — امتِدادٌ لَيِّنٌ يَسري.

النَّواةُ نس = انبِعاثٌ يَنسابُ: ما يَنفَلِتُ من الداخِلِ ويَسيلُ بَعيداً. الإغلاقُ بـي يُمِدُّ هذا الانسِيابَ حتّى يَتَعَذَّرَ الاسترِداد، فيَصيرُ الجَذرُ: انسِيابٌ داخِليٌّ يُبعِدُ ما كانَ مَقبوضاً عَنِ القَبضة.

ومنه في كَلامِ العَرَب:

  • نَسِيَ الشَّيءَ — انفَلَتَ من تَحَكُّمِه.
  • نَسُوا اللهَ في القُرآنِ — تَخَلَّوا عَن رِعايَتِه فانسَلَّ سُبحانَه من رِعايَتِهم.
  • النِّسيانُ ليس غِيابَ الذّاكِرةِ فَحَسب، بَل الإفلاتُ الإراديُّ في كَثيرٍ من المَواضِع.

الصِّيَغ — كيف يَردُ في القرآن

  • تَنسَون أَنفُسَكُم (مُضارِعٌ مَعطوف) — في ٢:٤٤. الفِعلُ مُضارِعٌ يُشيرُ إلى الاستِمرار. «أَنفُسَكُم»: أَفلَتُّم أَنفُسَكُم من قَبضةِ المُحاسَبة. الإنسانُ لا يَغفُلُ عَن ذاتِه لَكِنَّه يُفلِتُها من حِسابِه.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الانفِلاتُ من القَبضةِ من الجَذر. «تَنسَون» مُضارِعٌ من نَسِيَ يَصِفُ الحالَ المُستَمِرَّة.

المِفتاحُ البِنيَويُّ — النِّسيانُ كَالقَلبِ الذي يَكسِرُ بِنيَةَ الذِّكر: في تَيبولوجيا §IX (انظُر [مَنهَجَ المَلَفّات](../../../methodology/13-dossier-method.md)) النِّسيانُ لَيسَ قانوناً بَل انكِسارُ قانونِ المِرآةِ (§IX.6 — الذِّكر). الذِّكرُ قانونٌ تَبادُلِيّ: العَبدُ يَذكُرُ والله يَذكُرُه ﴿فَاذكُروني أَذكُركُم﴾ (٢:١٥٢). النِّسيانُ يَكسِرُ هذا التَّبادُل:

  • في الذَّاتِ الإنسانيَّة (٢:٤٤): «تَنسَونَ أَنفُسَكُم» — إفلاتُ النَّفسِ من المُحاسَبَة.
  • في الاستِجابَة الإلهيَّة: «نَسوا اللهَ فَنَسيَهُم» (٩:٦٧) — قانونُ المِرآةِ يَنعَكِسُ في الاتِّجاهِ السَّلبيّ.
  • في النَّسخ (٢:١٠٦): «نُنسِها» — إنساءٌ إلَهيٌّ مُتَعَمَّد، إخراجُ آيَةٍ من الاستِعمال.
  • في التَّأييدِ النَّبَويّ (٨٧:٧): «فَلا تَنسى إلَّا ما شاءَ الله» — الرَّسولُ مَحفوظٌ من النِّسيانِ بِالضَّمانِ الإلَهيّ.

النِّسيانُ إذَن القُوَّةُ التي تَفُكُّ الذِّكر: ما تَجمَعُه القَبضَةُ في الذِّكرِ يَفُكُّه الانفِلاتُ في النِّسيان. وَلِأَنَّ الذِّكرَ شَرطُ كُلِّ قانونٍ تَبادُليّ، النِّسيانُ يَكسِرُ كُلَّ القَوانينَ بَعدَه: لا شُكرَ من ناسٍ، لا تَوبَةَ من ناسٍ، لا هِدايَةَ في نِسيان.

والجَذرُ يَكشِفُ هذا: انبِعاثٌ من الباطِن (ن) — انسِيابٌ ناعِم (س) — امتِدادٌ لَيِّن (ي). النِّسيانُ هو الانسِيابُ المُمتَدُّ من الباطِن: ما كانَ مَقبوضاً في الذَّاكِرَةِ يَخرُجُ مِنها بِسَيَلانٍ هادِئ، لا بِكَسرٍ عَنيف. ولِذلكَ يَكونُ خَفيّاً، يَتَسَلَّلُ دونَ أَن يُحَسَّ بِه صاحِبُه.

ولِذلكَ يَكشِفُ القُرآنُ في ٢:٤٤ النِّسيانَ مَع العَكسِ المَنطِقيّ: «أَتَأمُرونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وتَنسَونَ أَنفُسَكُم». لَيسَ نِسياناً لِلمَعلومَة، بَل انفِلاتُ النَّفسِ من قَبضَةِ التَّطبيق. مَن يَأمُرُ ولا يَفعَلُ نَسيَ نَفسَه. النِّسيانُ في هذا المَعنى أَعمَقُ من الذَّاكِرة: هو إخراجُ الذَّاتِ من حَيِّزِ القَوانين.

الفُروق المَعنويّة

النِّسيانُ نَقيضُ الذِّكر (انظُر الذِّكر):

  • الذِّكرُ = اختِراقٌ حادٌّ يَقبِضُ على المَعنى ويُمِدُّه.
  • النِّسيانُ = انفِلاتٌ يَبعِدُ المَعنى عَن القَبضة.

المَواضع — مَواقعُ النِّسيانِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:٤٤ ﴿وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ — مَوضِعُ الافتِتاحالنِّسيانُ يَدخُلُ القُرآنَ هُنا في صورَتِه الأَخطَر: لا نِسيانَ ذِهنيٌّ بَل تَخَلٍّ إراديٌّ. الآيةُ تُعَلِّمُ التَّفريقَ: الإنسانُ يَعرِفُ الحَدَّ ويَأمُرُ بِه غَيرَه، ثُمَّ يُفلِتُ نَفسَه من تَطبيقِه. هذا التَّخَلِّي هو النَّقيضُ الدَّقيقُ للتَّقوى التي وَرَدَت في ٢:٤١.
  • ٢:١٠٦ ﴿أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ — الجَذرُ هنا في صيغَةِ الإنساء (أَفعَل المُعَدَّى). «نُنسِها» = نُخرِجُها من دائِرَةِ الاستِعمالِ الحاضِر، لا من الوُجودِ أَصلاً. مُقارَنةٌ مَعَ نَظيرِه «نَنسَخ»: النَّسخُ (ن-س-خ) نَقلٌ نَشِطٌ، والإنساءُ (ن-س-ي) تَراجُعٌ من الاستِعمال. الجَذرانِ يَتَتابَعانِ بِـ«أو» لاستِيعابِ الحالَين: ما نُنقَل صيغَتُه ما نُخرَج من الاستِعمال. انظُر النَّسخ لِلتَّكامُل.
  • ٨٧:٧ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ — النِّسيانُ يَردُ في سورةِ الأَعلى بَعدَ الوَعدِ الإلهيِّ بالإقراء. «فَلا تَنسى» نَفيٌّ وَعديٌّ: اللهُ يَضمَنُ عدمَ النِّسيانِ كأَصل. «إلَّا ما شاءَ اللهُ» استِثناءٌ يُبقي حُرِّيَّةَ الإرادةِ الإلهيَّة: ما شاءَ اللهُ إنساءَه يُنسى. والجَذرُ يُبَيِّنُ: عدمُ النِّسيانِ هو الأَصلُ، والإنساءُ الاستِثناء. العَكسُ هو طَبيعةُ الإنسانِ دونَ تَأييد.

التَّقاطُعات — مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • dhikr — النِّسيانُ نَقيضُ الذِّكر.
  • amr — الأَمرُ بِالبِرِّ مَقرونٌ بِنِسيانِ النَّفسِ في ٢:٤٤.
  • nafs — «أَنفُسَكُم» مَفعولٌ بِه مَعَ نَسِيَ: النَّفسُ ما يُفلَتُ من المُحاسَبة.

الإشكالات المَفتوحة

  • هَل النِّسيانُ دائِماً إراديٌّ؟ الجَذرُ يَشمَلُ الوَجهَين. في ٢:٤٤ السِّياقُ «وأَنتُم تَعلَمون» (في الآيةِ المُجاوِرة) يَدعَمُ الإراديَّ. النِّسيانُ العَفويُّ عُذرٌ، والإراديُّ مَذمومٌ. في ٢:١٠٦ الإنساءُ إلهيٌّ: اللهُ يُخرِجُ الآيةَ من الاستِعمالِ بِقَصد.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن