الأَمر
كَلِمةٌ تَجمَعُ الإرادةَ وتُمَدُّ نَحوَ مَن يَستَقبِلُها. حَرَكةٌ تَصدُرُ من مَركَزٍ وتَمتَدُّ إلى الآخَر لِتُوَجِّهَ سُلوكَه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثَلاثةُ حُروف:
- أ: هَمزةٌ حادَّةٌ، تَأكيدٌ وإطلاقٌ مُفاجِئ.
- م: تَجَمُّعٌ وتَلاصُق، إغلاقٌ يَضُمُّ الكُلَّ ويَحتَويه.
- ر: تَكرارٌ وجَريان.
النَّواةُ أم = تَأكيدُ التَّجَمُّع: ضَمُّ الأَشياءِ بِقُوَّة، مَركَزٌ يَجمَعُ الإرادةَ ويُثَبِّتُها. الإغلاقُ بـر يُمِدُّ هذا التَّجَمُّعَ في الزَّمَنِ والمَكان، فيَصيرُ الجَذرُ: تَأكيدٌ مُجمِعٌ يَجري ويَمتَدُّ نَحوَ المُستَقبِل.
ومنه في كَلامِ العَرَب:
- أَمَرَ: أَصدَرَ كَلِمةً تُوَجِّهُ الآخَر.
- الإِمارة: الوَضعُ الذي يَصدُرُ فيه الأَمرُ عَن صاحِبِه.
- الأُمور: ما يُنتَهى إلَيه الأَمر، جَمعُه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- أَتَأمُرونَ (مُضارِعٌ تَوبيخيٌّ): في ٢:٤٤. الهَمزةُ للاستِفهامِ الإنكاريّ: الفِعلُ يَحدُثُ لكِنَّه في غَيرِ مَوضِعِه.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: التَّأكيدُ المُجمِعُ الجّاري نَحوَ الآخَر من الجَذر. صيغةُ الفِعلِ المُضارِع تَصِفُ الحالَ المُستَمِرَّة.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، الأَمرُ كَالكَلِمَةِ التَّكوينيَّةِ التي تُوَجِّهُ الفِعلَ بَين طَرَفَين: الأَمرُ لَيسَ قانوناً بَل الأَداةُ الكَلاميَّةُ التي تُحَوِّلُ الإرادَةَ إلى فِعل. لَه وَجهانِ مُتَمايِزانِ في القُرآن:
- الأَمرُ التَّكليفيّ: يَجري بَين النَّاس وبَينَ الله والعَبد:
«أَتَأمُرونَ النَّاسَ بِالبِرّ» (٢:٤٤). أَمرٌ يَطلُبُ امتِثالاً ويَخضَعُ لِشَرطِ المُطابَقَة (الآمِرُ يَفعَلُ ما يَأمُرُ بِه).
- الأَمرُ التَّكوينيّ: يَجري بَينَ الله والكَون: «إذا قَضى أَمراً
فَإنَّما يَقولُ لَه كُن فَيَكون» (٢:١١٧). أَمرٌ لا يَطلُبُ امتِثالاً بَل يُوجِدُ بِمُجَرَّدِ صُدورِه. «حَتَّى يَأتي اللهُ بِأَمرِه» (٢:١٠٩): الأَمرُ هُنا حَدَثٌ مَوعودٌ يَنفُذُ.
الأَمرُ إذَن مادَّةُ التَّحريكِ في كُلِّ القَوانينِ: العِبادَةُ مَطلوبَةٌ بِأَمرٍ ﴿اعبُدوا﴾ (٢:٢١)، التَّقوى مَطلوبَةٌ بِأَمرٍ ﴿اتَّقوا﴾ (٢:٢٤)، الإنفاقُ مَطلوبٌ بِأَمرٍ ﴿أَنفِقوا﴾. القَوانينُ تَنشَأُ من جِهَةِ الله بِأَمرٍ، ثُمَّ يَأتي العَبدُ بِفِعلٍ.
والجَذرُ يَكشِفُ هذا: تَأكيدٌ حادّ (أ)، تَجَمُّعٌ (م)، جَريانٌ (ر). الأَمرُ هو التَّأكيدُ المَجموعُ الجاري نَحوَ المُتَلَقّي: إرادَةٌ تَتَجَمَّعُ في مَركَزِ الآمِر، ثُمَّ تَجري إلى المَأمور. ولِذلكَ يَنفُذُ الأَمرُ التَّكوينيُّ فَوراً («كُن فَيَكون»): لِأَنَّ الإِرادَةَ الإلَهيَّةَ تَتَطابَقُ مَع الوُجود. والأَمرُ التَّكليفيُّ يَتَوَقَّفُ على المَأمور: يَمتَثِلُ أَو يُخالِف.
ولِذلكَ تَأتي ٢:٤٤ أَوَّلَ مَوضِعٍ لِلأَمرِ في البَقَرَة بِسِياقِ التَّوبيخ: الأَمرُ التَّكليفيُّ بِلا امتِثالٍ من الآمِرِ يَكسِرُ بِنيَةَ القانون. الأَمرُ يُفتَرَضُ أَن يَكونَ مَلفوظَ إِرادَةٍ صادِقَة، فإذا انفَصَلَ عَن حالِ الآمِرِ فَقَدَ شَرعِيَّتَه.
الفُروق المَعنويّة
لا فُروعَ مُتَمَيِّزةٌ بِجَذرٍ مُنفَصِل.
المَواضع: مَواقعُ الأَمرِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٤٤ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الأَمرُ يَدخُلُ القُرآنَ هُنا في مَعرِضِ التَّوبيخ: الصّادِرُ بِالأَمرِ لا يُطَبِّقُه على نَفسِه. العِتابُ لَيسَ على الأَمرِ في ذاتِه بَل على الفَصلِ بَينَ الأَمرِ وحالِ الآمِر. الاستِفهامُ الإنكاريُّ يَكشِفُ خَلَلاً: كَلِمةٌ تَجمَعُ الإرادةَ وتُمَدُّ نَحوَ الآخَرينَ بَينَما يَبقى الآمِرُ خارِجَ مَداها.
- ٢:١٠٩ ﴿حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: «أَمرُه» هنا الأَمرُ الإلهيُّ بِمَعنى المَشيئَةِ الكَونيَّة لا الأَمرُ التَّكليفيّ. الجَديدُ: الأَمرُ في هذه الصيغَةِ (أَمرٌ + ضمير إلهيّ) يُشيرُ إلى المَوعِدِ الإلهيِّ الذي يُحسَمُ به الأَمر.
- ٢:١١٧ ﴿وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾: «أَمراً» بِمَعنى الشَّيءِ المُرادِ إيجادُه. وَزنُ «قَضى» مَعَ «أَمراً» يَكشِفُ أنَّ الأَمرَ هنا مَوضِعُ القَضاء لا الأَمرُ التَّكليفيّ. الجَديدُ: «كُن فَيَكون» يَكشِفُ أنَّ الأَمرَ الإلهيَّ يُوجِدُ لا يُكَلِّفُ في هذا المَقام.
- ٣:١٠٩ ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ اللَّفظُ جَمعاً مَبنيّاً لِلمَجهولِ في فِعلِ الرُّجوع، فيَصيرُ الأمرُ شَيئاً يَؤولُ لا شَيئاً يَصدُر. فبَعدَ أن كانَ في البَقَرةِ أمراً يُؤمَرُ بِه أو شَأناً يُقضى، يَظهَرُ هُنا في وَجهِ المَآل.
- ٣:١٢٨ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾: الجَديدُ: يُنفى نَصيبٌ من الأمرِ عن مُخاطَبٍ بِعَينِه، بِصيغةٍ تَنفي القَليلَ («شَيءٌ» نَكِرةً في سِياقِ النَّفي) لا الكَثيرَ فَحَسب. فيُحَدُّ مَوقِعُ المُبَلِّغِ من التَّدبيرِ حَدّاً قاطِعاً.
- ٣:١٥٩ ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: الجَديدُ: يَصيرُ الأمرُ مَيداناً تُطلَبُ فيه المُشاوَرةُ، ثُمَّ يُفصَلُ بَينَ المُشاوَرةِ والعَزم: الأولى مُشتَرَكةٌ والثّاني مُفرَدٌ، وما بَعدَ العَزمِ تَوَكُّلٌ لا مُشاوَرةٌ ثانية. انظُر التَّشاوُر.
- ١٧:١٦ ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾: الجَديدُ: يُذكَرُ مَن وُجِّهَ إليه الأَمرُ ولا يُذكَرُ ما هو، فلا يَبقى مِنه إلّا صُدورُه وجِهَتُه. والمَأمورونَ صِنفٌ بِعَينِه، المُترَفون، لا القَومُ كُلُّهم، وهذا أوَّلُ أَمرٍ إلهيٍّ يُخَصُّ بِه صِنفٌ في المُسَجَّلِ هُنا. والفاءُ بَعدَه لا تَترُكُ فُرجةً بَينَ الأَمرِ والفِسق، فيُقرَأُ الأَمرُ التَّكليفيُّ في أشَدِّ صُوَرِ انفِصالِه عَنِ الامتِثال. انظُر القَول.
- ١٧:٨٥ ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾: الجَديدُ: يَصيرُ الأَمرُ جِهةً يُنسَبُ إليها مَخلوق، لا كَلِمةً تَصدُرُ ولا شَأناً يَؤول. و«مِن» هُنا إحالةٌ إلى نِسبةٍ لا إلى جِنسٍ يُقَسَّم، فالجَوابُ يُثبِتُ المَصدَرَ ولا يَفتَحُ الماهيّة. فيَنضَمُّ إلى وَجهَي الأَمرِ في القِسمِ الثّاني وَجهٌ ثالِثٌ: مَوضِعٌ تَصدُرُ عنه الأشياءُ لا فِعلٌ يُصدَر.
- ٢٠:٢٦ ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾: الجَديدُ: يُضافُ الأَمرُ إلى بَشَرٍ عَن نَفسِه، فيَصيرُ ما عَلَيه أن يَنهَضَ بِه. والمَطلوبُ تَيسيرُه لا تَبديلُه ولا رَفعُه، فالأَمرُ ثابِتٌ والمَسلَكُ إليه هو المَسؤولُ فيه.
- ٢٠:٣٢ ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾: الجَديدُ: يَقبَلُ الأَمرُ الشَّرِكة: يُطلَبُ فيه شَريكٌ يَدخُلُ في نَصيبِه لا مُعينٌ يَقِفُ خارِجَه، و«في» ظَرفٌ يُدخِلُ ولا يُجاوِر. فما كانَ يَجري من آمِرٍ إلى مَأمورٍ يُقَسَّمُ هُنا بَينَ اثنَين.
- ٢٠:٦٢ ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾: الجَديدُ: يُضافُ الأَمرُ إلى جَماعةٍ ويَصيرُ مَجذوباً بَينَهُم. فما طُلِبَت فيه المُشاوَرةُ في ٣:١٥٩ يُقابِلُه هُنا تَنازُعٌ في الشَّيءِ نَفسِه: الأَمرُ الواحِدُ يَحتَمِلُ أن يُتَشاوَرَ فيه وأن يُتَجاذَب، والظَّرفُ «بَينَهُم» يُغلِقُ الدّائِرةَ على أصحابِه. انظُر التَّشاوُر.
- ٢٠:٩٠ ﴿فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾: الجَديدُ: يُطلَبُ لِأَمرِ بَشَرٍ أن يُطاع، وهو مَعطوفٌ على اتِّباعِ صاحِبِه لا مُغنٍ عَنه: ذاتٌ تُتبَعُ وأَمرٌ يُطاع، أَمرانِ لا واحِدٌ مُكَرَّر. فالأَمرُ يُفارِقُ آمِرَه ويَبقى مُعَلَّقاً بِه، كما يُفارِقُ القَولُ قائِلَه.
- ٢٠:٩٣ ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾: الجَديدُ: يُسأَلُ عَن أَمرِ بَشَرٍ بِلَفظِ العِصيان، فيُقابِلُ ٢٠:٩٠ وَجهاً لِوَجه: هُناكَ أَمرٌ يُطلَبُ لَه الامتِثال، وهُنا أَمرٌ يُحاسَبُ على تَركِه. والآمِرُ في المَوضِعَينِ رَجُلٌ، وإنَّما تَبَدَّلَ مَن أصدَرَ ومَن سُئِل.
- ٢٠:١٣٢ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾: الجَديدُ: يُقرَنُ الأَمرُ بِإلزامِ الآمِرِ نَفسَه بِما أَمَرَ بِه، والضَّميرُ في «عَلَيها» واحِدٌ في الطَّرَفَين: أَمرٌ لِغَيرِه وحَملٌ على نَفسِه في جُملةٍ واحِدة. فهذا هو الوَجهُ التّامُّ لِما وُبِّخَ نَقصُه في ٢:٤٤، ويُقرَأُ في §٦ جَواباً من داخِلِ المُصحَف.
- ٣٦:٨٢ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾: الجَديدُ: يُحصَرُ الأمرُ في قَولٍ واحِدٍ يَعقُبُه الكَون، فيُعَرَّفُ الأمرُ بِأدنى ما يَقَعُ بِه لا بِما يَترَتَّبُ عليه. وهو نَظيرُ ٣:٤٧ في اللَّفظِ ومَوضِعُه هُنا خِتامُ بُرهانٍ على البَعث. انظُر القَول.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
birr: الأَمرُ بِالبِرِّ مَوضوعُ الآيةِ: يَأمُرونَ بِاتِّساعٍ لا يَذوقُونَه.nisyan: نِسيانُ النَّفسِ النَّقيضُ الذي يُظهِرُ التَّناقُض.nas: النّاسُ مَوضوعُ الأَمرِ في ٢:٤٤.aql: الاستِفهامُ بِالعَقلِ يُغلِقُ الآيةَ.
الإشكالات المَفتوحة
- هَل الأَمرُ بِالبِرِّ مَذمومٌ إذا خالَفَه الآمِرُ؟ مَوقِفُنا: الآيةُ تُوَبِّخُ التَّناقُضَ لا الأَمر. الأَمرُ بِالخَيرِ واجِبٌ؛ التَّنَافُرُ بَينَ الأَمرِ والحالِ هو ما يُوَبَّخُ عَلَيه.