الطَّحو
**حَبسٌ عَريضٌ ثَقيلٌ يَنفَرِجُ فيَنتَشِرُ إلى كُلِّ ناحِيةٍ حتّى يَتَّصِلَ بِأطرافِه**. لَيسَ الطَّحوُ بَسطاً مُجَرَّداً ولا تَسوِيةَ سَطح، بَل **انبِساطٌ هو أثَرُ ضَغطٍ سابِق**: كُتلةٌ يُطبَقُ عَلَيها بِعَرضٍ ثَقيلٍ ثُمَّ تُطلَقُ فتَنتَشِرُ في نَواحيها. ولِذلك لا يُسَمّى بِهذا الجَذرِ ما وُضِعَ مُنبَسِطاً، ولا ما مُدَّ في جِهةٍ واحِدة، بَل ما بَلَغَ حَوافَّه كُلَّها بِقُوَّةِ ما كانَ مَحبوساً فيه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ط :: إطباقٌ عَريضٌ ثَقيلٌ لِلِّسانِ يَحبِسُ النَّفَسَ بِضَغط، ثُمَّ
يَنفَتِحُ عنه مُنبَسِطاً مُنتَشِراً. فالمَبدَأُ حَبسٌ عَريضٌ يَنفَرِجُ عن انتِشار: لَيسَ في أوَّلِه دَفعٌ بَل ضَغط، والانتِشارُ ثَمَرَتُه لا بَديلٌ منه.
- ح :: تَضَيُّقٌ عَميقٌ في أقصى الحَلقِ يَحتَوي النَّفَسَ الحارَّ
فيَجري فيه مُحتَكّاً جافّاً، حتّى يَنفُذَ خالِصاً خارِجاً. فالوَسَطُ مَجرىً ضَيِّقٌ يُخرِجُ المَحبوسَ خالِصاً، فلا يَنفَلِتُ المَحبوسُ جُملةً واحِدةً بَل يَنفُذ.
- و :: تَستَديرُ الشَّفَتانِ حَلقةً تَشتَمِلُ على المَجرى من غَيرِ
سَدّ، فيَجري فيها الصَّوتُ وَصلاً مَمدوداً، ثُمَّ تَنفَرِجُ الحَلقةُ فتُفضي بِه إلى ما يَليه. فالمُنتَهى وَصلٌ مَمدودٌ يُفضي، أي أنَّ المُنتَشِرَ يَنتَهي إلى ما يَستَقبِلُه فلا يَبقى مُعَلَّقاً.
فالتَّركيبُ: ضَغطٌ عَريض، فنَفاذٌ خالِصٌ في مَضيق، فوَصلٌ مَمدودٌ يُفضي إلى ما بَعدَه. وهذه ثَلاثُ خَصائِصَ لِلطَّحوِ لا تُوجَدُ في البَسطِ المُجَرَّد: أنَّ انبِساطَه مَسبوقٌ بِحَبس، وأنَّه يَنفُذُ إلى خارِجِه ولا يَستَوي في مَكانِه، وأنَّه يَنتَهي إلى حافّةٍ تَستَقبِلُه.
وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ الحَرفَ الأوَّلَ هو كُلُّ الفَرق. والقانونُ يَذكُرُ النَّواةَ طح بِعَينِها شاهِداً على وَجهَينِ من وُجوهِ الطاءِ مَعاً: «الاحتِباسُ والضَّغط» و«الانبِساطُ والانتِشارُ الثَّقيل». فاجتِماعُ الحَبسِ والانتِشارِ في هذا الجَذرِ لَيسَ تَأليفَ قارِئ، بَل مُثبَتٌ في النَّواةِ نَفسِها. وصِفةُ الطاءِ الاتِّساعُ والاستِغلاظ، فالحَرفُ ثَقيلٌ عَريضٌ في نَفسِه قَبلَ أن يوصَفَ بِه شَيء. وهذا هو مَوضِعُ الاحتِياطِ في الجَذر: كُلُّ ما يُقالُ فيه مُعَلَّقٌ بِالطاءِ، فإن أُبدِلَت سَقَطَت القِراءة.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
مَوضِعٌ واحِدٌ وصيغةٌ واحِدة:
- الفِعلُ الماضي «طَحَاهَا» (فَعَلَ ومَعَه هاءُ الغائِبةِ مَفعولاً
بِه) في ٩١:٦: صِلةٌ لِـ«ما»، والضَّميرُ عائِدٌ على «الأرضِ» قَبلَه.
ولا يَرِدُ من الجَذرِ في المُسَجَّلِ مُضارِعٌ ولا أمرٌ ولا اسمٌ ولا مَصدَر. وثَلاثةُ أُمورٍ تُقَيَّدُ على هذه الصّيغةِ الوَحيدة:
الأوَّلُ أنَّ الحَرفَ الثّالِثَ لا يَظهَرُ واواً البَتّة، بَل يُكتَبُ أَلِفاً «طَحَا». فالحَرفُ الذي يُسَمّي في القِسمِ الأوَّلِ الوَصلَ والإفضاءَ لا يُرى في اللَّفظِ إلّا مَدّاً مَفتوحاً، وهو أوفَقُ ما يَكونُ لِمَعناه: لا يُسمَعُ لَه حَدّ.
الثّاني أنَّ الفِعلَ مُتَعَدٍّ بِنَفسِه بِلا حَرفِ جَرّ: «طَحاها» لا «طَحا بِها». فالأرضُ هي المَطحُوَّةُ نَفسُها، لا المَدفوعُ بِها إلى شَيء.
الثّالِثُ أنَّه ماضٍ، وهو ثالِثُ ثَلاثةٍ على وَزنِه في السّورةِ: «بَناها» و«طَحاها» و«سَوّاها». فالقَسَمُ في المَواضِعِ الثَّلاثةِ واقِعٌ على فِعلٍ تَمَّ، لا على حالٍ قائِمة.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
الأرضُ تُبسَطُ في المُصحَفِ بِأكثَرَ من جَذر، والفَرقُ بَينَها لَيسَ تَنويعاً في العِبارة:
firash(الفِراش، ف-ر-ش): والأرضُ نَفسُها مَوصوفةٌ بِه في ٢:٢٢،
«جَعَلَ لَكُمُ الأرضَ فِراشاً». والفَرقُ في مَوقِعِ الكَلِمةِ من الجُملةِ قَبلَ أن يَكونَ في الجَذر: الفِراشُ مَنصوبٌ مَفعولاً ثانِياً، فالأرضُ جُعِلَت كَذا، ومَعَه «لَكُم» فيُسَمّى الانبِساطُ بِمَن هُيِّئَ لَه. و«طَحاها» فِعلٌ واقِعٌ عَلَيها لا وَصفٌ لَها، ولا لامَ فيه ولا مُنتَفِعَ مَذكور، فيُسَمّى الانبِساطُ بِقُوَّتِه ومَداه. ولِذلك لا يُذكَرُ في ٩١:٦ مَن طُحِيَت لَه.
mahd(المِهاد، م-هـ-د): المِهادُ تَليينُ سَطحٍ وتَوطِئَتُه
لِمَن لا يُمسِكُ نَفسَه، ولا لِينَ في هذا الجَذرِ أصلاً: صِفةُ الطاءِ الغِلَظُ والثِّقَل. فالمِهادُ يُخَفِّفُ عن المَحمولِ عَلَيه، والطَّحوُ يُوَسِّعُ لَه. وهُما فِعلانِ على الأرضِ لا يَتَعاقَبان.
bina(البِناء، ب-ن-ي): والمَوضِعانِ مُتَجاوِرانِ بِصيغةٍ
واحِدةٍ في ٩١:٥ و٩١:٦، «ما بَناها» و«ما طَحاها». والفَرقُ فَرقُ جِهَتَين: البِناءُ يَرفَعُ ويَحوي فَراغاً مَحمِيّاً، والطَّحوُ يَنشُرُ إلى الأطرافِ ولا يَحوي شَيئاً. ولا يَستَقيمُ إبدالُ أحَدِهِما بِالآخَرِ في مَوضِعِه، وهذا أوضَحُ ما يَشهَدُ أنَّ الفِعلَينِ مَقصودان بِأعيانِهِما.
taswiya(التَّسوية، س-و-ي): والصّيغةُ الثّالِثةُ من الإطارِ
نَفسِه في ٩١:٧، «ما سَوّاها». والسّينُ رِخوةٌ سائِلةٌ لا إطباقَ فيها، والتَّسوِيةُ ضَبطُ النِّسَبِ بَينَ الأجزاءِ حتّى لا يَميلَ جُزءٌ عن أخيه. فالتَّسوِيةُ تُقيمُ الشَّيءَ على قَدرِه، والطَّحوُ يَبلُغُ بِه أطرافَه. ويُسَوّى ما لا يَتَّسِع، ولا يُطحى ما لا يَنتَشِر.
ard(الأرض، أ-ر-ض): وهُما في آيةٍ واحِدة، والفَرقُ فَرقُ
المَفعولِ والفِعلِ الواقِعِ عَلَيه. وبَينَ الجَذرَينِ شَبَهٌ يُقَيَّد: الضادُ في آخِرِ «الأرض» والطاءُ في أوَّلِ «طَحاها» كِلتاهُما إطباقٌ عَريضٌ ثَقيلٌ يَنفَرِجُ عن انبِساط. فالكَلِمَتانِ في الآيةِ ثَقيلَتانِ في الفَمِ مَعاً، ومَخرَجُ المُسَمّى ومَخرَجُ الفِعلِ الواقِعِ عَلَيه يَقولانِ الشَّيءَ نَفسَه.
المَواضع: مَواقعُ الطَّحوِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٩١:٦ ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾: قاعِدةُ البَيت، وهي المَوضِعُ
الوَحيدُ في المُسَجَّل. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ فِعلاً ماضِياً مُتَعَدِّياً بِنَفسِه واقِعاً على الأرض، فلا اسمَ لَه ولا مَصدَرَ يُقاسُ عَلَيه. والمَوضِعُ سادِسُ أقسامِ السّورة، وهو ثاني اثنَينِ يَقسِمانِ بِالمَكانِ بَعدَ أربَعةٍ أقسَمَت بِالزَّمان. والصّيغةُ «وما طَحاها» تُعيدُ «وما بَناها» قَبلَها بِحَرفِها، فيَنعَقِدُ الزَّوجُ: مَبنِيٌّ فَوق، ومَطحُوٌّ تَحت. و«ما» دونَ «مَن» تُقَدِّمُ الصَّنعةَ على الصّانِعِ في اللَّفظِ لا في الحُكم. ولا يُذكَرُ في الآيةِ مَن انتَفَعَ بِالطَّحو، ولا يَأتي ذِكرُ مُنتَفِعٍ إلّا في الآيةِ التي بَعدَ التي تَليها حينَ يَنتَقِلُ القَسَمُ إلى النَّفس. انظُر ard وbina وsama وtaswiya.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ
ardفي ٩١:٦: آيةٌ واحِدةٌ ومَفهومان.ardيَقرَأُ
المَقسومَ بِه، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ الفِعلَ الذي صَيَّرَه إلى ما هو عَلَيه. ولا يَنفَكُّ أحَدُهُما عن الآخَرِ هُنا، لِأنَّ الآيةَ كُلَّها كَلِمَتانِ لا ثالِثَ لَهُما.
- مَعَ
binaوsamaفي ٩١:٥-٦: آيَتانِ مُتَتالِيَتانِ وأربَعةُ
مَفاهيم. sama وard يَقرَآنِ المَقسومَ بِهِما، وbina وهذا المَفهومُ يَقرَآنِ الفِعلَينِ. والقارِئُ الذي يَقرَأُ الأربَعةَ مَعاً يَرى أنَّ السّورةَ تُسَمّي كُلَّ طَرَفٍ من الكَونِ بِالعَمَلِ الذي أقامَه، لا بِصِفَتِه القائِمة.
- مَعَ
taswiyaفي ٩١:٧: الإطارُ نَفسُه يَجري ثالِثةً، وقد
نُقِلَ من الأرضِ إلى النَّفس. وtaswiya لم يُسَجِّلْ ٩١:٧ بَعدُ وإنَّما سَجَّلَ ٨٧:٢، فالرَّبطُ هُنا دَينٌ مُعلَنٌ يوفى مَتى سُجِّلَ ذلك المَوضِع: أنَّ «سَوّاها» ثالِثةُ «بَناها» و«طَحاها» وَزناً وسِياقاً، وأنَّ الانتِقالَ من الكَونِ إلى النَّفسِ يَقَعُ داخِلَ صيغةٍ واحِدةٍ لا تَتَغَيَّر.
الإشكالات المَفتوحة
- مَوضِعٌ واحِدٌ وصيغةٌ واحِدة. كُلُّ ما في القِسمِ الأوَّلِ مَبنِيٌّ
على فِعلٍ ماضٍ وَرَدَ مَرّةً، ولَيسَ في السُّوَرِ المَنشورةِ ما يُصَدِّقُه ولا ما يَنقُضُه. فالقِراءةُ صَحيحةُ الاشتِقاقِ قَليلةُ الشَّهادة، ويَجِبُ أن تُعرَضَ على أوَّلِ مَوضِعٍ جَديدٍ يُسَجَّلُ من الجَذر.
- هَل «ما» مَوصولةٌ أم مَصدَرِيّة؟ على الأولى القَسَمُ بِالذي
طَحاها، وعلى الثّانِيةِ بِطَحوِها نَفسِه. والسّورةُ تُعينُ ولا تَحسِم: الإطارُ نَفسُه يَعودُ في ٩١:٧-٨، وتَعقُبُه «فألهَمَها فُجورَها وتَقواها» بِضَميرٍ يَعودُ على فاعِلٍ يُلهِم، وهو أرجَحُ لِلمَوصولة. والقِراءةُ الجَذرِيّةُ لا تَتَغَيَّرُ بِأيِّهِما: الفِعلُ هو الفِعلُ سَواءٌ أقُسِمَ بِفاعِلِه أم بِمَصدَرِه.
- هَل كانَ المَطحُوُّ مَجموعاً قَبلَ أن يُطحى؟ القِسمُ الأوَّلُ
يَدَّعي أنَّ الانبِساطَ أثَرُ حَبسٍ سابِق، ويَلزَمُ منه ظاهِراً حالٌ مَكدوسةٌ قَبلَ الفِعل. والآيةُ لا تَقولُ ذلك ولا تَنفيه. ومَوقِفُنا: الجَذرُ يُعَيِّنُ كَيفِيّةَ الفِعلِ لا تَسَلسُلَه الزَّمانِيّ، فالحَبسُ في الحَرفِ وَصفٌ لِنَوعِ الانبِساطِ لا خَبَرٌ عن تاريخِ الأرض. وهذا هو الحَدُّ الذي لا يُتَجاوَزُ هُنا.
- هَل ط-ح-و ود-ح-و جَذرٌ واحِدٌ بِوَجهَينِ أم جَذران؟ المُسَجَّلُ
لا يَحكُم: د-ح-و لا يَقَعُ في السُّوَرِ المَنشورةِ ولا مَرّةً واحِدة، وقد فُحِصَ عَلى المُصحَفِ لا على المُعجَم. والحَرفانِ يَقتَرِبانِ ويَفتَرِقانِ في أصلِ ما تَقومُ عَلَيه هذه القِراءة: الدالُ إطباقُ طَرَفِ اللِّسانِ يَنفَتِحُ عن دَفعةٍ نافِذةٍ مُمتَدّةٍ إلى الأمام، وصِفَتُها الامتِدادُ الطولِيّ؛ والطاءُ إطباقٌ عَريضٌ يَنفَتِحُ عن انتِشارٍ ثَقيل، وصِفَتُها الاتِّساعُ والاستِغلاظ. فالأوَّلُ مَدٌّ في جِهة، والثّاني نَشرٌ في الجِهات. وهذا فَرقٌ يُعتَدُّ بِه في هذا المُعجَمِ ولا يُهمَل. فالمَوقِف: يُقرَأُ المَكتوب، ولا تُنقَلُ قِراءةٌ من جَذرٍ إلى جَذرٍ بِحُجّةِ تَقارُبِ المَعنى. ومَتى سُجِّلَت سورةٌ فيها د-ح-و وَجَبَ فَتحُ البابِ وكِتابةُ مَفهومٍ مُستَقِلٍّ لَه، لا ضَمُّه إلى هذا.