الشمس · الآية 6
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«طَحاها»: البَسطُ المَدفوعُ إلى الأَطراف
الفِعلُ «طَحا» في العربيّةِ يَجمَعُ بَين البَسطِ والدَّفع. فَلَيس مُجرَّدَ المَدِّ على وَجهٍ مُستَوٍ، بَل مَدٌّ يَدفَعُ ما تَحتَه إلى الأَطراف. كَأنَّ الباسِطَ يَأخُذُ الكُتلَةَ ويُلقي بِها يَميناً وشِمالاً حتّى تَنبَسِطَ في كلِّ ناحيَة.
والأرضُ، حِينَ طُحِيَت، صارَت قابِلَةً لِلسَّعي. صارَ علَيها مَواقِعُ يَستَقِرُّ علَيها الإنسانُ وتَتَّسِعُ لِخَطوِه. لَو كانَت كُتلَةً مَكدوسَة، لَما اتَّسَعَت لِأَقدامِ الأَحياء. ولأنَّها طُحِيَت، صارَت سَريرَ الحَياة.
السَّماءُ والأرض: زَوجٌ مَوصولٌ بالصَّنعَة
الآيةُ الخامِسَةُ والسادِسَةُ تَأتيانِ في زَوجٍ مُحكَم. السَّماءُ مَبنيَّةٌ من فَوق، والأرضُ مَطحُوَّةٌ من تَحت. كلٌّ منهما مَوصولٌ بصِيغةٍ تُذَكِّرُ بصانِعِها: «ما بَناها»، «ما طَحاها». ولَيس هذا التَّكرارُ تَزويقاً بَيانيّاً. إنَّه إعدادٌ للأُذُنِ لتَسمَعَ الآيةَ السابِعَة، حِينَ يَنتَقِلُ القَسَمُ من الكَونِ الواسِعِ إلى النَّفسِ الضَّيِّقَة.
كأنَّ السورةَ تَقولُ للسامِع: ما رأَيتَ من إحكامٍ في السَّماءِ والأرضِ هو نَفسُه ما يَجري في نَفسِك. مَن بَنى وطَحى هو نَفسُه مَن سَوّى. والإحكامُ الذي يَدُلُّ عَلَيهِ بِناءُ السَّماءِ وبَسطُ الأرضِ، يَدُلُّ علَيه أيضاً تَسوِيَةُ النَّفسِ، التي يأتي ذِكرُها بَعد آيَتَين.
والقارئُ الذي يَنطِقُ «طَحاها» يَحُسُّ في فَمِه شَيئاً من البَسط. الطاءُ المُفَخَّمَةُ تَنبَسِطُ على ظَهرِ اللِّسان، والحاءُ تَنفُذُ من الحَلقِ في اتِّساع، ثمّ يَأتي مَدُّ «حا» المَفتوحَ في «ها» فيَنبَسِطُ الفَمُ كَما تَنبَسِطُ الأَرضُ.
حَصيلة
الأرضُ تُقابِلُ السَّماء بنَفسِ الصِّيغَة. «ما طَحاها» من الجِذرِ ط-ح-و: بَسطٌ يُدفَعُ إلى الأَطرافِ حتّى يَتَّسِعَ الشَّيءُ على وَجهِه. الأرضُ لَيست كُتلَةً مُكَدَّسَة بل صَفحَةٌ مَبسوطةٌ تَستَقِرُّ علَيها الأَقدام. السَّماءُ بِناءٌ مَرفوع، والأرضُ بَسطٌ مَفروش، والإنسانُ بَينَهُما. كِلا الصِّيغَتَين «ما بَناها» و«ما طَحاها» يَحمِلانِ تَنبيهاً واحِداً: لا شَيءٌ في هذا الكَونِ قامَ من تِلقاءِ نَفسِه. الفَوقُ والتَّحتُ كِلاهُما صَنعَةٌ، والصَّنعَةُ تَدُلُّ على صانِع.