الوِجهة
الوِجهةُ من و-ج-ه، والجَذرُ بُروزٌ يُفضي إلى ما يَليه في خَلاءٍ مَفتوح. والوِجهةُ ما يُفضي إلَيه الوَجه: الجِهةُ التي يُوَلّى إلَيها، ولِكُلٍّ واحِدة: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- و: اشتِمالٌ يَصِل. ويَظهَرُ مِنه هُنا آخِرُه: الحَلقةُ تَنفَرِجُ فتُفضي بِما فيها إلى ما يَليه، وهو إفضاء. وهذا وَجهُ «الانفِراجِ والإفضاء».
- ج: تَجَمُّعٌ في جَوف. ويَظهَرُ مِنه هُنا آخِرُه: ما اجتَمَعَ في الجَوفِ يَنبَثِقُ عَنه فيَظهَر، وهو بُروز. وهذا وَجهُ «الانبِثاقِ والبُروزِ والانكِشاف».
- ه: فَراغٌ أو إفراغُ ما في الجَوف. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: المَجرى يَنفَتِحُ خالِياً لا يَنطَبِقُ فيه شَيء، وهو خَلاءٌ مَفتوح. وهذا وَجهُ «الفَراغِ والخَلاءِ (انفِتاحِ المَجرى خالِياً بِلا انطِباق)».
النَّواةُ وج (و + ج) = بُروزٌ يُفضي إلى ما يَليه: ما في الشَّيءِ يَبرُزُ مِنه، ويَنفَرِجُ فيُفضي إلى ما يَليه. والإتمامُ بـه يَجعَلُ هذا البارِزَ في خَلاءٍ مَفتوح. فالجَذرُ و-ج-ه حرفيّاً: بُروزٌ يُفضي إلى ما يَليه في خَلاءٍ مَفتوح.
والواوُ هُنا حَرفٌ أصليٌّ تَقومُ عَلَيه النَّواة، لِأنَّها تَفتَتِحُ الجَذر. ولِأنَّ البارِزَ في خَلاءٍ مَفتوح، يَظهَرُ عَلَيه ما يَقَعُ بِصاحِبِه: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٣:١٠٦). ويَخلو هذا الخَلاءُ لِمَن يُفضي إلَيه وَحدَه: ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ (١٢:٩).
اختِبارُ المَعنى على مَواضِعِ الجَذرِ كُلِّها. يَرِدُ الجَذرُ في القُرآنِ في ثَمانيةٍ وسَبعينَ مَوضِعاً (٧٨)، على سِتِّ صِيَغ، ثَلاثونَ مِنها في الآياتِ المَنشورةِ هُنا. وهذه الصِّيَغُ كُلُّها، لِكُلِّ صيغةٍ عَدَدُ مَواضِعِها وشاهِد:
- وَجه (مُفرَداً، ٣٤)، وهو في أربَعةِ مَواقِع: - وَجهُ الإنسان (٨): ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ (١٢:٩٣): القَميصُ يُلقى على البارِزِ المَكشوفِ مِنه، فـ﴿أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ (١٢:٩٦). وعَلَيه يَظهَرُ ما في صاحِبِه: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (١٦:٥٨، ومِثلُها ٤٣:١٧)، وتَضرِبُه المَرأةُ حينَ تَعجَب: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ (٥١:٢٩). وبِه يَتَّقي صاحِبُه ما يَلقاه: ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ (٣٩:٢٤)، وعَلَيه يَمشي المُكِبّ: ﴿يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾ (٦٧:٢٢)، وعَلَيه يَنقَلِبُ مَن أصابَته فِتنة: ﴿انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾ (٢٢:١١). - الوَجهُ يُفضي بِه صاحِبُه إلى جِهة (١٢): ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٢:١١٢، ومِثلُها ٤:١٢٥ و٣:٢٠)، و﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٣١:٢٢)، و﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ (٣٠:٣٠، ومِثلُها ١٠:١٠٥ و٣٠:٤٣)، و﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢:١٤٤، ٢:١٤٩، ٢:١٥٠)، و﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٦:٧٩). وقَبلَ التَّوليةِ يُرى الوَجهُ يَتَقَلَّبُ في السَّماء (٢:١٤٤). والفِعلُ وحَرفُه يُسَمّيانِ ما يُفضي إلَيه الوَجه: لِله، إلى الله، لِلدّين، شَطرَ المَسجِد. - وَجهُ اللهِ ووَجهُ الرَّبّ (١١): ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢:١١٥): حَيثُما وَلّى المُتَوَجِّهُ وَجهَه فوَجهُ اللهِ هُناك. ويُبتَغى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (٢:٢٧٢، ومِثلُها ١٣:٢٢ و٩٢:٢٠)، ويُراد (٦:٥٢، ١٨:٢٨، ٣٠:٣٨، ٣٠:٣٩)، ويُفعَلُ الخَيرُ لَه: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ (٧٦:٩). ويَبقى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٢٨:٨٨)، و﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (٥٥:٢٧). - في ثَلاثةِ تَراكيبَ أُخرى (٣): ﴿وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ (٣:٧٢): ما يَبرُزُ من النَّهارِ أوَّلاً، ويُقابِلُه في الآيةِ نَفسِها «آخِرَه». و﴿أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا﴾ (٥:١٠٨): الشَّهادةُ على ما يَبرُزُ مِنها مَكشوفاً. و﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ (١٢:٩): وَجهُ الأبِ خَلاءٌ مَفتوحٌ يَخلو لَهُم وَحدَهُم، فيُفضي إلَيهِم وَحدَهُم.
- وُجوه (جَمعاً، ٣٨): ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٣:١٠٦): البارِزُ المَفتوحُ يَظهَرُ عَلَيه ما يَقَعُ بِأصحابِه. وخَمسةٌ وعِشرونَ مِنها في اليَومِ الآخِر: وُجوهٌ تُسفِرُ وتَنضُرُ وتَنعَم، ووُجوهٌ تَعلوها غَبَرة، وتَغشاها النّار، و﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ (١٠:٢٧): ما كانَ مَفتوحاً يُغَطّى. وفي الدُّنيا: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (٤٨:٢٩)، و﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (٥:٦)، و﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٧:٢٩). ويُقابِلُ الوَجهَ الظَّهر: ﴿عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ﴾ (٢١:٣٩).
- وِجهة (١): ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (٢:١٤٨): الجِهةُ التي يُفضي إلَيها الوَجه، ولِكُلٍّ واحِدة. انظُر الوِجهة.
- وَجيه (٢): ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (٣:٤٥)، و﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (٣٣:٦٩): مَن يَبرُزُ وَجهُه مَفتوحاً عِندَ مَن هو عِندَه. وفي ٣٣:٦٩ يَتلو الوَصفُ تَبرِئةَ اللهِ لَه ممّا قالوا، فيَبقى وَجهُه مَكشوفاً عِندَ الله.
- وَجَّهَ، يُوَجِّه (٢): ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٦:٧٩): يَجعَلُ وَجهَه يُفضي إلى مَن فَطَر. و﴿أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ (١٦:٧٦): مَولاهُ يَجعَلُه يُفضي إلى أيِّ جِهةٍ شاء، والآيةُ تَحكُمُ أنَّه يَعودُ مِنها بِغَيرِ خَير.
- تَوَجَّهَ (١): ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ (٢٨:٢٢): يَجعَلُ المَرءُ وَجهَ نَفسِه يُفضي إلى جِهة، وهي هُنا تِلقاءُ مَديَن.
من خارِجِ التَّركيب:
- من المُعجَم: الوَجهُ مُستَقبَلُ كُلِّ شَيء، ووَجهُ النَّهارِ أوَّلُه، والجِهةُ والوِجهةُ المَوضِعُ الذي يُتَوَجَّهُ إلَيه، والوَجيهُ ذو الجاهِ والمَنزِلة، والمُواجَهةُ أن يَستَقبِلَ الوَجهُ الوَجه.
- عِندَ جَبَل: لا قِراءةَ عِندَه لِلنَّواةِ «وج». وفي النَّواةِ جه، وهي الحَرفانِ الثّاني والثّالِثُ من هذا الجَذر: «الانكشاف والفراغ». وحُروفُه: و «اشتمال واحتواء»، ج «تجمع هش مع حدة ما»، ه «فراغ أو إفراغ ما في الجوف».
والوِجهةُ على وَزنِ فِعلة، وتُسَمّي ما يُفضى إلَيه: الجِهةَ التي يُفضي إلَيها الوَجهُ البارِز.
الصِّيَغ
- وِجهة (فِعلة، نَكِرةً، ١): الجِهةُ التي يُفضي إلَيها الوَجه. تَرِدُ مَرّةً واحِدةً في القُرآن، نَكِرةً تُجعَلُ لِكُلّ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: بُروزٌ يُفضي إلى ما يَليه في خَلاءٍ مَفتوح. والوَزنُ يُسَمّي ما يُفضى إلَيه.
الفُروق المَعنويّة
wajh(الوَجه): الجَذرُ نَفسُه. الوَجهُ ما يَبرُزُ ويُفضي، والوِجهةُ ما يُفضي إلَيه. انظُر الوَجه.qibla(القِبلة): من ق-ب-ل. في ٢:١٤٤ قِبلةٌ يُوَلّاها المُخاطَب: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، وفي ٢:١٤٨ تُسَمّى الجِهةُ وِجهة، ولِكُلٍّ واحِدة. انظُر القِبلة.tawalli(التَّوَلّي): «مُوَلِّيها» من و-ل-ي: الوِجهةُ يُوصَلُ بِها الوَجه. انظُر التَّوَلِّي.
المَواضع: مَواقِعُ الوِجهةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٤٨ ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح، وهو المَوضِعُ الوَحيد. لِكُلٍّ جِهةٌ يُفضي إلَيها وَجهُه، و«هُوَ مُوَلِّيهَا» يَصِلُ وَجهَه بِها. والضَّميرُ «هُوَ» يَحتَمِلُ أن يَعودَ إلى «كُلّ» وأن يَعودَ إلى الله. ثُمَّ تَصرِفُ الفاءُ الأمرَ من تَعَدُّدِ الوِجهاتِ إلى الاستِباقِ في الخَيرات، وتَجمَعُهُم الآيةُ نَفسُها بَعدَ ذلك: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾.
التَّقاطُعات
qibla: الوِجهةُ والقِبلةُ مُتَجاوِرَتانِ في السِّياق: القِبلةُ في ٢:١٤٤، والوِجهةُ في ٢:١٤٨.istibaq: الاستِباقُ في الخَيراتِ يَتلو الوِجهةَ بِالفاء: الوِجهاتُ تَتَعَدَّد، والأمرُ يُصرَفُ إلى الاستِباق.
الإشكالات المَفتوحة
- «لِكُلٍّ وِجهة». تُسَمّي الآيةُ لِكُلٍّ وِجهة، ثُمَّ تَصرِفُ الأمرَ إلى الاستِباقِ في الخَيرات وإلى أنَّ اللهَ يَأتي بِهِم جَميعاً أينَما كانوا. ويَبقى مَرجِعُ «هُوَ» في «هُوَ مُوَلِّيهَا» مَفتوحاً: كُلٌّ أو الله.