البقرة · الآية 148
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ: التَّنوينُ يَستَوعِبُ الاحتِمالَ، والوِجهةُ فَصلٌ بَين الجِهةِ والقِبلة
وَلِكُلٍّ بِتَنوينِ الكَسرِ دَليلٌ على حَذفِ المُضافِ إليه: كُلِّ مَن؟ القَرائِنُ تَحتَمِلُ كُلَّ أُمّة، كُلَّ طائِفة، كُلَّ نَبيّ، كُلَّ فَرد، ولا يُبَتُّ القرآنُ في واحِدٍ منها. والتَّنوينُ هنا أداةُ استيعابٍ: كُلُّ هذه الاحتِمالاتِ داخِلةٌ في الحُكم، فالآيةُ تَقولُ إنّ التَّوَجُّهَ سُنّةٌ عامّةٌ في كلِّ مُستَوى من مُستَوياتِ الاجتِماعِ البَشَريّ. ثم اختارَت كَلِمةَ وِجْهَة لا «قِبلة»: (و ج ه) النَّواةُ فيها إحاطةٌ تَبرُز، فالوِجهةُ هي ما يَبرُزُ إليه المَرءُ من نَفسِه، مَصدَرُها فاعِلُها. والقِبلةُ تَختَلِفُ عنها: القِبلةُ مَحَلُّ جَذبٍ مُعَيَّنٌ بِالتَّكليف، والوِجهةُ اختِيارُ البُروزِ نَحوَ طَرَفٍ يَنتَخِبُه صاحِبُه. فالآيةُ لا تُساوي بَين كلِّ الوِجهات، بل تُقِرُّ أنَّ كلَّ فَريقٍ لَه وِجهَتُه بِاختِيارِه.
هُوَ مُوَلِّيهَا: ضميرٌ مُحتَمَلٌ بَين اللهِ والجَماعة
الضَّميرُ في هُوَ يَحتَمِلُ مَرجِعَين: إمّا اللهُ تعالى فَيَكونُ المَعنى: الله يُوَلّي كلَّ فَريقٍ وِجهَتَه المُقَدَّرةَ له، وإمّا كُلُّ صاحِبِ وِجهةٍ فَيَكونُ المَعنى: كلُّ فَريقٍ هو الذي يُوَلّي نَفسَه وِجهَتَه. والقِراءتانِ كِلاهُما صَحيحةٌ لُغَويّاً، وتَركُ الاحتِمالِ مَقصودٌ: كلتا القِراءَتَين تُثبِتُ الوَجهَ الذي تُريدُه الآيةُ وهو إسقاطُ الخِصامِ حَولَ الجِهاتِ. إن كان الضَّميرُ لِلّهِ، فالجِهاتُ كلُّها في تَدبيرِه فلا سِجالَ حَولَها؛ وإن كان لِلجَماعة، فَكلُّ فَريقٍ يَتَحَمَّلُ مَسؤوليّةَ وِجهَتِه فلا ذَنبَ على الآخَر. وفي الحالَين، تَنفَتِحُ الآيةُ على ما بَعدَها: فاسْتَبِقوا الخَيرات.
(س ب ق) في صيغةِ الافتِعال: مُسابَقةٌ يَتَبَنّاها كلُّ سابِقٍ لِنَفسِه
(س ب ق) في نواتها: سينٌ تَنفُذُ بِدِقّة، باءٌ تُخرِجُ وتُظهِر، فالنَّواةُ (سب) = نُفوذٌ سَريعٌ يُظهِر، ثم القافُ تَضَعُ عليه ثِقلاً عَميقاً، فالسَّبقُ = تَقَدُّمٌ مَلحوظٌ عَميقٌ لا سَطحيّ. والصيغةُ اسْتَبِقُوا على وَزنِ افتَعَلَ تُفيدُ تَبَنّيَ الفِعلِ لِلنَّفس: التَّسابُقُ مَأخوذٌ بِأقصى جُهدِ الفاعِل، لا مُجَرَّدُ سَبقٍ يَحدُث. والمَفعولُ الْخَيْرَاتِ جَمعٌ مُعَرَّفٌ بِالألفِ واللامِ الجِنسيّةِ، لا يَخُصُّ نَوعاً وَحدَه من الخَير، بل يَجمَعُ أنواعَها كلَّها: الصلاةُ والصَّدقةُ والعِلمُ والعَمَلُ الصالِحُ معاً. فالآيةُ تَنقُلُ الطاقةَ المَصروفةَ في الجَدَلِ حَولَ الوِجهةِ إلى السَّباقِ في ثِمارِ كلِّ وِجهة.
أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ: شَرطُ المَكانِ لا يُعَطِّلُ سُنّةَ الجَمع
أَيْنَ مَا تَكُونُوا صيغةُ شَرطٍ بِأداةٍ مَكانيّةٍ مُطلَقة: لا تَستَثني مَكاناً. وجَوابُ الشَّرطِ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا بِفِعلِ (أ ت ي) مَقروناً بِباءِ التَّعديةِ، فالفِعلُ يَعني الإحضارَ لا مُجَرَّدَ المَجيء: يَأتي بِكم أي يَجلِبُكم. وجَمِيعًا حالٌ من ضَميرِ المَفعولِ، تُفيدُ اجتِماعَ الكُلِّ في لَحظةٍ واحدة. والسِّياقُ كُلُّه يُلَخِّصُ نَتيجةَ الجَدَلِ السابِقِ حَولَ القِبلة: تَوَجَّه أَنتَ حَيثُ شِئتَ، وتَوَجَّه غَيرُكَ حَيثُ شاء، فَكُلُّكم سَتَجتَمِعونَ في نُقطةٍ واحدةٍ آخِرَ الأَمرِ بِيَدِ اللهِ، ومن تلك النُّقطةِ تُرى ثِمارُ كلِّ وِجهة. وهذا يَعني أنّ القِبلةَ ليسَت مَشروعَ حَياةٍ مُستَقِلّاً، بل وَسيلةٌ تَنفُذُ إلى الغايةِ التي تَلتَقي عندَها كلُّ الجِهات.
الجِذرُ يَعبُرُ الألسُن: «جَميعاً» وَ«Gemini»
(ج م ع) في نَواتِها: جيمٌ تَجمَعُ وتُبرِز، ميمٌ تُلصِقُ وتَضُمّ، فالنَّواةُ جم = اثنانِ يَلتَقيانِ ويَلتَصِقانِ كَأنَّهُما واحِد. ثُمَّ العَينُ تَعطي عُمقاً وَوُسعاً، فالجَمعُ ليسَ مُجَرَّدَ تَجَمُّعٍ بَل اجتِماعٌ مُشَدَّدٌ يَنفُذُ في كُلِّ المُجتَمِعين. وفي اللاتينيَّة Gemini (التَّوأمان) وgemellus (التَّوأم): الجيمُ-ميمُ نَفسُها (G-M)، والنُّواةُ ذاتُها، الاثنانِ المَجموعانِ في وَحدةٍ واحدة. والعِبرانيَّةُ تَحمِلُ الجِذرَ ذاتَه (גמל، إكمالٌ ومُكافَأة). فَحينَ تَقولُ الآيةُ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَهي تُنادي على المَعنى الذي يَعرِفُه القارِئُ الإنجليزيُّ مِن بُرجِ الجَوزاءِ (Gemini): اثنانِ، جَماعةٌ، أُمَمٌ، تُؤتى بِها مَضمومةً في لَحظةٍ واحدةٍ كَأنَّها جَسَدٌ واحد. الجِهاتُ كَثيرةٌ في طَريقِ الذَّهابِ، والجَمعُ واحِدٌ في نُقطةِ المَآل.
الكَلِمةُ تَعبُرُ ألسُنَ البَشَر، ومَعناها يَبقى ثابِتاً في هَيكَلِها الصَّوتيّ.
(ق د ر): القُدرةُ تَقديرٌ ومِقدار، لا مُجَرَّدُ قُوّةٍ فائِضة
(ق د ر) في نواتها = قُوّةٌ كامِنةٌ تَمتَدُّ بِضَبطٍ، ومنها المِقدارُ والتَّقديرُ والقَدَر، وكلُّها تَجمَعُ بَين القُوّةِ والضَّبط. فَـقَدِيرٌ ليسَت مُجَرَّدَ اسمٍ لِلمُقتَدِر، بل تَحمِلُ مَعنى المُدَبِّرِ بِمِقدار: قادِرٌ على الشَّيءِ وَفقَ ما يُناسِبُه من تَقدير. وخاتِمةُ الآيةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تَعقِدُ الصِّلةَ بَين اختِلافِ الوِجهاتِ وإحضارِ الجَميعِ لِلحِساب: الاختِلافُ ليسَ خَلَلاً في المَنظومةِ بل مَنظومةٌ مَقصودةٌ بِتَقديرٍ إلهيّ، والمُحاسَبةُ المُوَحَّدةُ ليسَت قَفزةً على التَّنَوُّعِ بل ثَمرَتُه الطَّبيعيّة. فالله على كلِّ شَيءٍ، بِما فيه الوِجهاتُ المُتَعَدِّدةُ نَفسُها، ذو قُدرةٍ مُقَدِّرة.
فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: الوِجهةُ في الكَلِمةِ اختِيارٌ تَبرُزُ فيه الجَماعةُ، والقِبلةُ عليها تَكليفُ التَّوَجُّه؛ فَمَن جَعَلَ الوِجهةَ غايةً تَوَقَّف، ومن جَعَلَها وَسيلةً استَبَقَ الخَيرات.
حَصيلة
تَنوينُ الكَسرِ في وَلِكُلٍّ﴾ يَستَوعِبُ كُلَّ احتِمالٍ: كُلَّ أُمَّةٍ وطائِفَةٍ وفَرد، فالتَّوَجُّهُ سُنَّةٌ عامَّةٌ في كُلِّ مُستَوىً. وكَلِمَةُ وِجْهَةٌ﴾ لا «قِبلَة» فارِقَةٌ: (و-ج-هـ) إحاطَةٌ تَبرُزُ من الذّاتِ نَفسِها، فالوِجهَةُ اختِيارُ البُروزِ نَحوَ طَرَفٍ يَنتَخِبُهُ صاحِبُه، بَينَما القِبلَةُ نُقطَةُ جَذبٍ بِتَكليفٍ. والضَّميرُ في هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ يَحتَمِلُ الله والجَماعَة مَعاً عَمداً: في الحالَين يَسقُطُ الخِصامُ حَولَ الجِهَات. ثُمَّ تَقفِزُ الآيةُ بِفاءِ التَّعقيبِ إلى الأهَمّ: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ بِصيغَةِ الافتِعالِ التي تُفيدُ تَبَنِّيَ الفِعلِ بِأقصى جُهدِ الفاعِل، والمَفعولُ الْخَيْرَاتِ﴾ جَمعٌ مُعَرَّفٌ بِالجِنسِ يَشمَلُ أنواعَها جَميعاً. وجَذرُ (ج-م-ع) في يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يَحمِلُ ضَمَّ الكُلِّ إلى وَحدَةٍ واحِدَةٍ كَجِرمٍ سَماوِيٍّ واحِد لا مُجَرَّدَ تَجَميعٍ في مَكان. فالجِهاتُ تَتَعَدَّدُ في الطَّريقِ والحَشرُ واحِدٌ في المَآل. وخِتامُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَربِطُ اختِلافَ الوِجهاتِ وإحضارَ الجَميعِ بِقُدرَةٍ مُدَبِّرَةٍ بِتَقدير: الاختِلافُ مَنظومَةٌ مَقصودَةٌ لا خَلَل.