القِبلة
نُقطَةُ جَذبٍ يَتَوَجَّهُ إليها القلبُ والجسدُ معاً بِتَكليفٍ إلهيّ، لَيسَت جِهةً هَندَسيّةً بَل قُوَّةٌ عَميقةٌ تَسحَبُ الوُجودَ كُلَّه نَحوَ مَحَلٍّ بَعينِه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
الجَذرُ ق-ب-ل:
- ق: قَطعٌ وإحكام، ثِقَلٌ ينبَعُ من عُمق. شِحنَتُه: قُوَّةٌ تَنعَقِدُ في العُمقِ ثُمَّ تَنطَلِق.
- ب: اتِّصالٌ يَنفَتِح، بوّابةٌ تُخرِج. شِحنَتُه: خُروجٌ من الاحتِباسِ إلى الظّاهِر.
- ل: تَعَلُّقٌ وامتِداد. شِحنَتُه: جِسرٌ يَصِلُ ويَمتَدُّ.
النَّواةُ قَب (ق + ب) = قُوَّةٌ عَميقةٌ تَبرُزُ وتَخرُجُ من الجَوهَر. الإغلاقُ بـل يُعَلِّقُ هذا البُروزَ القَويَّ باتِّجاهٍ مُمتَدّ: قُوَّةٌ تَنبَثِقُ من الجَوهَرِ وتَتَعَلَّقُ باتِّجاهٍ ثابِت، نُقطَةُ الجَذبِ التي تَستَقبِلُها الوُجوه.
ومن هذا الجَذرِ في كَلامِ العَرَب:
- القُبُول = استِقبالٌ من العُمق يَلتَصِق.
- المُقابَلة = مُواجَهةٌ بَين قُوَّتَين تَتَعَلَّقانِ بِبَعضِهِما.
- قابَلَهُ = واجَهَه وُجهاً لِوَجه، بَدَأَ البُروزُ من كِلَيهِما.
القِبلةُ تَختَلِفُ عن الجِهة (ج-ه): الجِهةُ بُعدٌ هَندَسيٌّ محايِد، والقِبلةُ نُقطَةُ جَذبٍ يَحمِلُ قُوَّةً باطِنيَّة.
الصِّيَغ
- القِبلة (اسمٌ على وَزنِ فِعلة): المِشروعُ الاسمِيُّ للتَّوَجُّه: مَوضِعُ الاستِقبال.
- قِبلَتَك / قِبلَتَهُم (مُضافٌ + ضمير): القِبلةُ مَنسوبةٌ إلى صاحِبِها الجَماعيّ: شِعارُ ولاءٍ لا مُجَرَّدَ جِهَة.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، القِبلَةُ كَالمَوضِعِ المَكانيِّ الذي تَلتَقي عَلَيه قَوانينُ الصَّلاة: القِبلَةُ لَيسَت قانوناً بَل المُحَدِّدُ المَكانيُّ لِجِهَةِ الصَّلاةِ، قانونِ الوَصلِ المُتَبادَل. الصَّلاةُ قَناةٌ تَجري بَين الإِنسانيِّ والإلَهيّ، والقِبلَةُ تَفرِضُ على هذه القَناةِ اتِّجاهاً مَوحَّداً:
- في الصَّلاة (٢:١٤٤): «فَوَلِّ وَجهَكَ شَطرَ المَسجِدِ الحَرام»:
الصَّلاةُ تَجِبُ أَن تَتَّجِهَ نَحوَ القِبلَة.
- في الاختِبار (٢:١٤٣): «إلَّا لِنَعلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسول»:
القِبلَةُ مِحَكُّ الإيمانِ الجَماعيّ.
- في الوَحدَة: «حَيثُ ما كُنتُم فَوَلُّوا وُجوهَكُم شَطرَه» (٢:١٥٠):
القِبلَةُ تُوَحِّدُ الأُمَّةَ مَكانيّاً.
- في «إيّاكَ نَعبُد»: القِبلَةُ تَجَلٍّ مَكانيٌّ لِحَصرِ الاتِّجاهِ في
الفاتِحَة.
القِبلَةُ إذَن التَّجَلّي المَكانيُّ لِلوَحدانيَّةِ في قانونِ العِبادَة: كَما أَنَّ «إيّاكَ» تَحصُرُ الاتِّجاهَ كَلامِيّاً، تَحصُرُ القِبلَةُ الاتِّجاهَ مَكانيّاً. الإلَهُ واحِدٌ، فَالصَّلاةُ نَحوَه واحِدَة. وَلِأَنَّها لَيسَت تَقديساً لِلجِهَةِ بِذاتِها، يُؤَكِّدُ القُرآنُ ﴿لِلَّهِ المَشرِقُ والمَغرِب﴾ (٢:١٤٢): المَكانُ مَحايِدٌ، والقِبلَةُ تَوحيدُ الاتِّجاه.
والجَذرُ يَكشِفُ هذا: قُوَّةٌ من العُمق (ق)، بُروزٌ يُمسِك (ب)، تَعَلُّقٌ بِامتِداد (ل). القِبلَةُ هي القُوَّةُ المُنبَثِقَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِامتِداد: تَجذِبُ الوُجوهَ من كُلِّ مَكانٍ إلى نُقطَةٍ واحِدَة. ولَيسَت الجاذِبَةُ مَكانِيَّةً بِذاتِها بَل تَكليفِيَّة، الجاذِبُ هو الأَمرُ الإلَهيّ، لا الحَجَر.
ولِذلكَ تَأتي القِبلَةُ في القُرآنِ مُحوَّلَة: يُذكَرُ لَها ما قَبلَ التَّحويلِ بِالصِّلةِ لا بِالاسم ﴿قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (٢:١٤٢)، ويُسَمّى ما بَعدَه صَريحاً ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢:١٤٤). فالمَتروكُ لا يُسَمّيه المُصحَفُ في المَنشورِ ولا يُعَيِّنُ مَوضِعَه، والمَقصودُ يُسَمّى. وهذا نَفسُه يَكشِفُ أنَّ القُدسِيَّةَ في الأَمر، لا في المَكان: لَو كانَت في المَكانِ لَوَجَبَ أن يُسَمّى المَتروكُ لِيُعرَفَ ما فَقَدَ. مَن تَبِعَ القِبلَةَ تَبِعَ المالِكَ؛ ومَن تَعَلَّقَ بِجِهَةٍ بِذاتِها فَقَد شَركَ القِبلَةَ في رَبِّها.
الفُروق المَعنويّة
qabul(القَبول): ق-ب-ل في شَدِّه الاستِجابيِّ: ما يَأتيكَ فتَستَقبِله. القِبلةُ عَكسُه: أَنتَ من تَنطَلِقُ إليها. انظُر القَبول.istibaq(الاستِباق): ق-ب-ل في شَدِّه التَّقَدُّمي: السَّبقُ إلى الخَيرات. انظُر الاستِباق.wijha(الوِجهة): و-ج-هـ: التَّوَجُّهُ الذاتيُّ باختيار. القِبلةُ بِتَكليف، والوِجهةُ باختِيار. انظُر الوِجهة.
المَواضع: مَواقِعُ القِبلةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٤٢ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. أَوَّلُ وُرودٍ صَريح. القِبلةُ هنا محَلُّ سُؤالٍ مُستَنكِر، السُّفَهاءُ يَقرؤونَها وَلاءً وانتِماءً لا تَوجيهاً إلهيّاً. الجَوابُ الفَوريُّ: «لِلَّهِ المَشرِقُ والمَغرِب»، أي لا قَداسةَ في الجِهةِ ذاتِها، القِبلةُ أَداةٌ بِيَدِ المالِك.
- ٢:١٤٣ ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾: وفي وَسَطِ الآيةِ «وَما جَعَلنا القِبلةَ الَّتي كُنتَ عَلَيها إلّا لِنَعلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلى عَقِبَيه». التَّطوُّرُ الأَوَّل: القِبلةُ كَانَت أَداةَ فَرزٍ مَقصودةً من البِداية، لا خَطأً صُحِّحَ. الاختِبارُ: مَن يَتَّبِعُ الرَّسولَ ومَن يَنكِصُ على عَقِبَيه. القِبلةُ إذَن مِحَكٌّ للوَلاءِ الحَقيقيّ.
- ٢:١٤٤ ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: تَعيينُ القِبلةِ الجَديدة. التَّوجيهُ الكَونيُّ: «حَيثُ ما كُنتُم»، كُلُّ مَوضِعٍ في الأَرضِ يَستَطيعُ استِقبالَ الشَّطر. القِبلةُ مِحوَرٌ مُشتَرَكٌ لا مَعلَمٌ يُزار.
- ٢:١٤٥ ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾: التَّشخيصُ السِّياسيّ: القِبلةُ عند الجَماعاتِ المُنغَلِقةِ عَلامةُ وَلاءٍ انتِمائيّ لا مَحَلُّ إقناع، ولذلكَ لا تَنتَقِلُ بِالدَّليل.
- ٢:١٤٩ ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: التَّعميمُ على طَورِ الحَرَكة: الخُروجُ لا يُعفي من القِبلَة، فهيَ مَعلومةٌ في كُلِّ أَحوال.
- ٢:١٥٠ ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾: التَّعميمُ على طَورِ الاستِقرار. الجَمعُ يَشمَلُ الأُمَّةَ كُلَّها، فلا أَحَدٌ خارِجَ الأَمر.
التَّقاطُعات
wajh: الوَجهُ هو المُتَوَلِّي نَحوَ القِبلَة، وجهُ النَّبيِّ تَقَلَّبَ في السَّماءِ فجاءَ التَّوجيه. انظُر ٢:١٤٤.shatr: شَطرُ المَسجِدِ هو الصيغةُ الجُزئيّةُ التي تَنوبُ عن القِبلة. انظُر الشَّطر.wijha: الوِجهةُ ما يَختارُه كُلُّ فَريقٍ من ذاتِه (٢:١٤٨)، والقِبلةُ ما يُعيِّنُهُ التَّكليف.istibaq: بَعدَ تَقريرِ تَعَدُّدِ الوِجهاتِ جاءَ الأَمرُ بالاستِباقِ في الخَيرات (٢:١٤٨).
الإشكالات المَفتوحة
- هل «قِبلَتُهُم» في ٢:١٤٢ تَعني قِبلةَ المُسلِمينَ القَديمةَ أَم قِبلةَ الفَريقِ السّائِل؟ مَوقِفُنا: السِّياقُ يُشيرُ إلى قِبلةِ المُسلِمين قَبلَ التَّحويل: المَفهومُ الضَّميريُّ «هُم» = المُؤمِنون.
- هل القِبلةُ شَرطٌ لِصِحَّةِ الصَّلاة أَم وَصفٌ للإتمام؟ السِّياقُ الآيِيُّ يُقَرِّرُها تَكليفاً عامّاً لا تَفصيلاً فِقهيّاً: نَترُكُ الفِقهَ لِأَهلِه.