البَثّ
إخراجُ المَحبوسِ ونَشرُهُ دَقيقاً مُتَفَرِّقاً على سَطحٍ حَتّى يَعُمَّه. في المَنشورِ يَقَعُ على الدَّوابِّ في الأرض، وعلى الزَّرابِيِّ في مَشهَدِ النَّعيم، وعلى النّاسِ يَومَ القارِعة.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ب: التِقاءٌ رَخوٌ لِلشَّفَتَينِ يَحبِسُ النَّفَسَ خَلفَهُما
ثُمَّ يَنفَتِحُ عَنهُ خارِجاً. شِحنَتُه: الانفِتاحُ والخُروج.
- ث: تَفَشٍّ بَينَ طَرَفِ اللِّسانِ والثَّنايا يُخرِجُ
النَّفَسَ مُنتَشِراً في دِقّة. شِحنَتُه: التَّفَشّي والانتِثارُ الدَّقيق.
- ث: الحَرفُ نَفسُه مُعاداً يُطيلُ الانتِثارَ ويُعَمِّمُه.
شِحنَتُه: الكَثافةُ والتَّجَمُّعُ الدَّقيق.
النَّواةُ بَث (ب + ث) = انفِتاحٌ يَنتَثِر: مَحبوسٌ يُفتَحُ عَنهُ فيَخرُجُ مُتَفَشِّياً لا دُفعةً واحِدة. وتَكرارُ ث يُكثِرُ المُنتَثِرَ ويُكَثِّفُه، فلا يَبقى الانتِثارُ قَليلاً مَعدوداً بَل يَعُمُّ السَّطحَ كُلَّه، فيَصيرُ الجَذرُ: إطلاقُ المَحبوسِ نَشراً دَقيقاً كَثيفاً يَعُمُّ مَوضِعَه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: بَثَّ الخَبَرَ نَشَرَهُ فلَم يُبقِ منه شَيئاً مَكتوماً، وبَثَّ الجُندَ فَرَّقَهُم في النَّواحي، والبَثُّ ما يُخرِجُهُ صاحِبُ الحُزنِ بَعدَ كَتمِه.
الشِّحنةُ الجامِعة: إخراجُ ما كانَ مُمسَكاً ونَشرُهُ كَثيفاً على سَطح.
وهذه القِراءةُ تَدفَعُ ثَمَنَها: تُفَسِّرُ لِمَ لَزِمَ هذا الجَذرَ في المَنشورِ كُلِّهِ ذِكرُ سَطحٍ يُبَثُّ عَلَيه، أرضاً أو مَجلِساً أو مَوقِفاً، ولِمَ لَم يوصَفْ بِه واحِدٌ قَطُّ بَل جَماعةٌ كَثيرةٌ دَقيقةُ الأفراد؛ ولِمَ صَحَّ أن يوصَفَ بِه المَبسوطُ لِلجُلوسِ والمُتَطايِرُ الحائِرُ مَعاً، فالكَثرةُ المُنتَشِرةُ واحِدةٌ والوِجهةُ هي التي تَختَلِف.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- وَبَثَّ (ماضٍ ثُلاثِيٌّ مُجَرَّدٌ مَعطوفٌ بِالواو): في ٢:١٦٤.
المُجَرَّدُ يَنسِبُ النَّشرَ إلى فاعِلِه بِغَيرِ واسِطة، والعَطفُ يَضُمُّهُ إلى سِلسِلةِ آياتٍ في الخَلقِ والاختِلافِ والإنزال.
- مَبْثُوثَةٌ (اسمُ مَفعولٍ مَرفوعٌ نَعتاً لِمُؤَنَّثٍ نَكِرة):
في ٨٨:١٦. اسمُ المَفعولِ يَحذِفُ الفاعِلَ ويُبقي الأثَر، فيُوصَفُ المَنشورُ بِالنَّشرِ ولا يُسأَلُ عَن ناشِرِه.
- الْمَبْثُوثِ (اسمُ مَفعولٍ مَجرورٌ نَعتاً لِمُعَرَّف): في
١٠١:٤. التَّعريفُ يَجعَلُ الوَصفَ مَعروفاً في المُشَبَّهِ بِه حَتّى يُقاسَ عَلَيهِ المُشَبَّه.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: النَّشرُ الكَثيفُ بَعدَ إمساك، من الحُروف.
والصِّيَغُ تُقَلِّبُهُ بَينَ فِعلٍ يُنسَبُ إلى فاعِلِه ووَصفٍ
يَقومُ بِالمَنشورِ نَفسِه.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ لِلجَذرِ في المَنشور: لا مَصدَرَ صَريحٌ ولا مُضارِعَ ولا اسمَ فاعِل. وأقرَبُ ما يُلابِسُه من غَيرِ جَذرِه:
tafriq(ف-ر-ق): التَّفريقُ فَصلٌ يَجعَلُ الواحِدَ
قِطَعاً، والبَثُّ نَشرٌ يَجعَلُ الكَثيرَ عامّاً في مَوضِعِه. فالأوَّلُ يُنظَرُ فيه إلى انقِطاعِ الوَصل، والثّاني إلى استيعابِ السَّطح.
hashr: الحَشرُ سَوقٌ يَجمَعُ المُتَفَرِّقَ إلى مَوضِعٍ
واحِد، والبَثُّ عَكسُ وِجهَتِه. ولِذلك جاءَ الفَراشُ المَبثوثُ في ١٠١:٤ قَبلَ ذِكرِ المَوازين: يُنشَرُ الخَلقُ أوَّلاً ثُمَّ يُجمَعُ إلى الحِساب.
المَواضع: مَواقعُ البَثِّ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٦٤ ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ﴾:
مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ الجَذرُ المُصحَفَ فِعلاً ماضِياً مَعطوفاً على إحياءِ الأرض، فيُقرَأُ النَّشرُ ثَمَرةَ الإحياءِ لا حَدَثاً مُستَقِلّاً عَنه: يُفتَحُ عَنِ المَحبوسِ تَحتَ المَوتِ فيَخرُجُ مُنتَشِراً. والظَّرفُ ﴿فِيهَا﴾ يُسَمّي السَّطحَ الذي عَمَّهُ النَّشر، و﴿مِن كُلِّ دَابَّةٍ﴾ يُسَمّي دِقّةَ المُنتَشِرِ وكَثرَةَ أصنافِه، فتَجتَمِعُ في المَوضِعِ الأوَّلِ عَناصِرُ الشِّحنةِ الثَّلاثةُ كامِلةً: خُروجٌ بَعدَ إمساك، وانتِثارٌ دَقيق، وعُمومُ سَطح. انظُر الخَلق والأَرض.
- ٨٨:١٦ ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾: الجَديدُ: يَنتَقِلُ الجَذرُ من
فِعلٍ إلى وَصفٍ قائِمٍ بِالمَنشور، ويَقَعُ لِأوَّلِ مَرّةٍ على ما لا حَياةَ فيه. والنَّشرُ هُنا هَيئةٌ مُستَقِرّةٌ في مَجلِسٍ مَوصوفٍ بِسُرُرٍ وأكوابٍ ونَمارِقَ مَصفوفة، فيُقابَلُ الصَّفُّ بِالبَثّ: ما صُفَّ رُتِّبَ في خَطّ، وما بُثَّ عَمَّ السَّطحَ فلا يُطلَبُ لَه نِظامٌ في الوَضع. فالكَثرةُ المُنتَشِرةُ تُقرَأُ هُنا سَعَةً لا اضطِراباً.
- ١٠١:٤ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾: الجَديدُ: يُصبِحُ
الوَصفُ مُشَبَّهاً بِه لِلنّاسِ أنفُسِهِم، فيَقَعُ الجَذرُ على بَني آدَمَ بَعدَ أن وَقَعَ على الدَّوابِّ وعلى الفُرُش. والمُشَبَّهُ بِه فَراشٌ دَقيقٌ مُتَطايِرٌ لا يَستَقِرُّ على جِهة، فيَنقَلِبُ ما كانَ في ٨٨:١٦ هَيئةَ سَعَةٍ إلى هَيئةِ حَيرة: النَّشرُ واحِدٌ والمَنشورُ هو الذي يُبَدِّلُ حُكمَه. وسِياقُ القارِعةِ يَجعَلُ الخُروجَ بَعدَ إمساكٍ ظاهِراً في أعظَمِ صُوَرِه. انظُر الفَراش والقارِعة.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
khalq: ٢:١٦٤ تَصُفُّ البَثَّ في سِلكِ آياتِ الخَلقِ
والاختِلافِ والتَّصريف، فالنَّشرُ آيةٌ تُعقَلُ لا خَبَرٌ يُروى.
ard: الأرضُ هي السَّطحُ المَبثوثُ فيه في المَوضِعِ
الأوَّل، ولا يُذكَرُ البَثُّ في المَنشورِ بِغَيرِ مَوضِعٍ يَعُمُّه.
farash: ١٠١:٤ تَجعَلُ الفَراشَ مَوصوفاً بِالبَثّ،
فالمَفهومانِ يَشتَرِكانِ في تَركيبٍ واحِدٍ على لَفظَينِ مُتَجاوِرَين.
qari3a: مَشهَدُ القارِعةِ ظَرفُ البَثِّ الثّالِث،
فيُقرَأُ نَشرُ النّاسِ في سِياقِ ما يَقرَعُهُم.
hashr: المَفهومانِ مُتَقابِلانِ في الوِجهةِ ومُتَجاوِرانِ
في المَوقِف: نَشرٌ ثُمَّ سَوقٌ إلى مَوضِعٍ واحِد.
الإشكالات المَفتوحة
- هَل بَثُّ الزَّرابِيِّ من جِنسِ بَثِّ الدَّوابِّ والنّاس؟
المَبثوثُ هُناكَ حَيٌّ يَتَحَرَّكُ بِنَفسِه، وهُنا مَتاعٌ يوضَع. مَوقِفُنا من الحُروف: الشِّحنةُ تَصِفُ هَيئةَ الانتِشارِ لا طَبيعةَ المُنتَشِر، فيَصِحُّ الوَصفانِ مَعاً، والذي يَختَلِفُ مَن يَتَوَلّى النَّشر.
- لِمَ لَم يَرِد الجَذرُ في المَنشورِ مُضارِعاً ولا مَصدَراً؟
المَواضِعُ الثَّلاثةُ ماضٍ ووَصفانِ لِلمَفعول، وكُلُّها تُثبِتُ النَّشرَ واقِعاً أو قائِماً. مَوقِفُنا: هذا يوافِقُ الشِّحنةَ، فإطلاقُ المَحبوسِ حَدَثٌ لا يُستَأنَفُ مَرّةً بَعدَ مَرّةٍ في المَحَلِّ الواحِد؛ والحُكمُ مَوقوفٌ على ما يُنشَرُ بَعدُ.