القارعة · الآية 4

﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ

«يَومَ يَكونُ»: الزَّمَنُ الذي تُعَلَّقُ به الصورَة

«يَومَ» مَنصوبٌ على الظَّرفيّةِ، مُتَعَلِّقٌ بمَحذوفٍ تَقديرُه: تَقَعُ القارِعَةُ يَومَ يَكونُ الناسُ، والجَوابُ المُؤَجَّلُ من الآيَةِ الثالثَةِ يَأتي الآنَ ظَرفاً، لا تَعريفاً، فالقارِعَةُ يَومٌ يَقَعُ فيه ما يَقَع، وليسَت شَيئاً.

والجَذرُ ي-و-م في العَرَبيّةِ زَمَنٌ مَحدودٌ بحَدَثٍ يَقَعُ فيه، فاليَومُ ظَرفٌ يَستَوعِبُ فِعلاً، وليسَ فَترَةً ساكِنَة، ولذلك يُضافُ في القرآنِ كَثيراً إلى ما يَقَعُ فيه: يَومُ الدِّين، ويَومُ الفَصل، ويَومُ القيامَة. واليَومُ هنا مُعَلَّقٌ بفِعلٍ يَتَحَوَّلُ فيه الناس: يَكونُ الناسُ كالفَراش.

والبَقَرَةُ تَستَدعي السامِعَ نَفسَه إلى هذا اليَومِ بِأَدَبٍ آخَر: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، فـ«يَوماً» هناك نَكِرَةٌ لِلتَّهويل، و«يَومَ» هنا مُضافٌ إلى فِعلٍ يَكشِفُ ما يَجري، والكتابُ يَتَكَلَّمُ عن اليَومِ نَفسِه بطُرُقٍ كَثيرَة: يُنذِرُ به مَرَّةً مُجَرَّداً، ويُريهِ مَرَّةً في صورَة.

«الناسُ كالفَراش»: التَّشبيهُ يَكشِفُ ما لا يُكشَفُ بالخَبَر

وهذه الصّورَةُ يَعرِفُها كلُّ مَن رَأى الفَراشَ يَتَهافَتُ على لَهيبِ مِصباحٍ في لَيلٍ صَيفيّ: كائِناتٌ خَفيفَةٌ أَجنِحَتُها رَقيقَةٌ شَفّافَة، تَتَّجِهُ نَحوَ الضَّوءِ بلا حِساب، فإذا قارَبَتهُ احتَرَقَت. وأَكثَرُ ما يُلفِتُ فيها أنّها لا تَتَوَقَّف: يَموتُ مِنها واحِدٌ في النّارِ ويَتَهافَتُ غَيرُه عَلى المَوضِعِ نَفسِه.

وهذه صورَةُ الناسِ يَومَ القارِعَة: لا وَجهَةَ ولا حِساب، ولا تَوَقُّفٌ يَنتَظِرُ مَن سَبَقَه إلى الضَّوء، وكلٌّ يَتَهافَتُ على ما يَجذِبُه. والصورَةُ تَكشِفُ ما لا يَكشِفُه الخَبَرُ المُجَرَّد، فلو قيلَ «الناسُ خائِفون» لَفَهِمَ السامِعُ خَوفاً عاديّاً، وحين قيلَ «كالفَراش» انكَشَفَ خَوفٌ بلا عَقل، وحَرَكَةٌ بلا اتِّجاه.

وفي البَقَرَةِ، حين أَرادَ النَّصُّ أن يَصِفَ المُنافِقَ في حَيرَتِه، شَبَّهَه بمَن يُحيطُ به بَرقٌ ورَعد: يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾. والإنسانُ في حالِ الارتِباكِ يَتَّخِذُ في القرآنِ صُوَراً مُتَكَرِّرَة: مَن لا يَرى، ومَن لا يَسمَع، ومَن لا يَتَّجِه، والقارِعَةُ تَجمَعُ هذه الحالاتِ كلَّها في صورةِ الفَراشِ المَبثوث.

«الْمَبثوث»: تَفريقٌ يَنشُرُ ما لا يُجمَع

والجذرُ ب-ث-ث يَدورُ على التَّفريقِ والنَّشرِ في كلِّ جِهَة، تَقولُ العَرَبُ: «بَثَّ السِّرَّ» إذا أَفشاهُ في الناسِ فلا يُكتَم، و«بَثَّ الجُندَ» إذا فَرَّقَهم في الأَرضِ يَطلُبون. والمَبثوثُ ما لا يُمسَكُ بِيَدٍ واحِدَة، وهو تَفريقٌ تامٌّ يَستَحيلُ مَعَه الجَمع.

فالناسُ يَومَ القارِعَةِ لا يَجتَمِعون إلّا في كَونِهم مُفَرَّقين: القَبيلَةُ التي كانَت كَتيبَةً واحِدَةً تُبَثّ، والأُسرَةُ التي كانَت مَجمَعاً تُبَثّ، والبَثُّ هو الكَلِمةُ التي تَجمَعُ كلَّ هذا التَّفَرُّق، وهو تَفريقٌ كَتَفريقِ غُبارٍ في رِيحٍ ثَقيلَة.


حَصيلة

بَعدَ ثَلاثِ طَرَقاتٍ يَفتَحُ الكتابُ الصورَة، فيَأتي مَشهَدٌ يُرى، لا تَعريفٌ مَنطِقيّ: «يَومَ يَكونُ الناسُ كالفَراشِ المَبثوث». و«يَوم» ظَرفٌ يَستَوعِبُ فِعلاً وَيَكشِفُه، والقارِعَةُ يَومٌ تَتَحَوَّلُ فيه الأَشياء، وليسَت شَيئاً يُعَرَّف. وَالكَشفُ يَبدَأُ بِأَشَدِّ الأَشياءِ قُرباً مِنَ السّامِع، وهُمُ النّاسُ أَنفُسُهم.

والفَراشُ في كَلامِ العَرَبِ الكائِناتُ الطّائِرَةُ الخَفيفَةُ التي تَتَهافَتُ على الضَّوءِ بِلا وَجهَة، وَجِذرُ (ب-ث-ث) يَدورُ على التَّفريقِ في كُلِّ جِهَة، و«بَثَّ السِّرَّ» أَفشاهُ حَتّى لا يُكتَم، و«المَبثوث» ما لا يُمسَكُ بِيَدٍ واحِدَة، أي تَفريقٌ تامٌّ يَستَحيلُ مَعَه الجَمع. والإنسانُ الذي ادَّعى المَركَزيَّةَ في الكَونِ يُكشَفُ يَومَها عَن خِفَّتِه الحَقيقيَّة، والذي تَقاتَلَ على شِبرٍ مِن تُرابٍ يَجِدُ نَفسَه في الهَواءِ بِلا تُراب.

وَاختِيارُ «فَراش» دونَ غَيرِه دَقيق، فالفَراشُ أَخَفُّ ما يَطيرُ وَلا وَجهَةَ لَه، فالصّورَةُ تَكشِفُ خِفَّةً وَتَشَتُّتاً مَعاً. وَالبَقَرَةُ تَدعو إلى تَقوى هذا اليَومِ بِصيغَةٍ مُختَلِفَة: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، و«يَوماً» فيها نَكِرَةٌ مُهَوَّلَة، أَمّا هُنا فَيَومٌ مُعَيَّنٌ بِصورَتِه، يَعرِفُ مَشهَدَه كُلُّ مَن رَأى الفَراشَ حَولَ المِصباحِ في لَيلٍ صَيفيّ.