البقرة · الآية 164

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: إنَّ التوكيد ونظرٌ في الفعل لا في المفعول

وأُوثِرَ في افتتاح الآية «إنَّ في خَلقِ السماوات والأرض» على «إنَّ في السماوات والأرض»، والفرقُ بين العبارتَين يَضَعُ مِحوَرَ التأمّل في موضعه الصحيح. فالسماواتُ والأرضُ مفعولٌ بمعنى ما خُلِق، والخَلقُ مصدرٌ يَدلّ على الفعلِ الصانع، فالعَينُ التي تَنظُرُ إلى السماءِ تَرى الأزرقَ والنجوم، أمّا العَينُ التي تَنظُرُ إلى «خَلقِ السماء» فتَرى فِعلاً قائماً مُستَمِرّاً: كيف قامَ هذا البناءُ المُحكَم، وكيف يَبقى قائماً، وكيف يَتَولّى خَلقُه تجديدَ ذاته. وهذا ما يَستَوعِبُه اصطلاحُ «النَّظَرِ المَلَكوتيّ»، وهو الانتقالُ من مشاهدةِ الأثرِ إلى مشاهدةِ المُؤَثِّر. وأمّا «إنَّ» فتوكيدٌ يَسبِقُ جواباً عن سؤالِ التوحيدِ في الآية السابقة: كيف نُصَدِّقُ أنَّ الإلهَ واحد؟ فتَجيءُ «إنَّ في خَلق» جواباً استدلاليّاً، ومؤدّاه أنّ دليلَ الواحديّةِ مبثوثٌ في صنعةِ الكون لمن يَنظُرُ إلى الصُّنعِ لا إلى المَصنوع.

تعدادٌ سُباعيّ: ظاهرةٌ واحدةٌ ثابتة (الخلق) تتفرّعُ ستّ ظواهر متحرّكة

والآيةُ تَعُدُّ سبعَ آياتٍ مترابطة: خَلقُ السماوات والأرض، واختلافُ الليل والنهار، والفُلكُ الجارية، وإنزالُ الماءِ وإحياءُ الأرض، وبثُّ الدَّوابّ، وتصريفُ الرياح، والسَّحابُ المُسَخَّر. وهي بِنيةٌ دقيقة، وليست قائمةَ مشاهدَ عشوائيّة: الأولى «خَلق»، وهو مصدرٌ ثابتٌ جامد، والستُّ البواقي أفعالٌ أو تحرّكاتٌ (اختلاف، جَرَيان، إنزال، إحياء، بثّ، تصريف، تسخير). وكأنَّ الآيةَ تَضَعُ ظاهرةً واحدةً ثابتة في المركز، ثمّ تَعرِضُ عليها ستَّ تجلّياتٍ متحرّكةٍ تُثبِتُ أنَّ الخَلقَ لم يَنتَهِ: الليلُ يَتَبادَلُ مع النهار، والماءُ يَنزِلُ فيُحيي، والرياحُ تُصَرَّف، والسحابُ يُسَخَّر، والفُلكُ تَجري، والدوابُّ تُبَثّ. والرَّبطُ بينَها بالواوِ يَكشِفُ أنَّ المَشهدَ الواحدَ لا يُقامُ عليه دليلٌ كاف، وأنَّ الدليلَ في اجتماعِها على نَسَقٍ واحد.

بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ والْمُسَخَّرِ: الكونُ مُهَيَّأٌ لا محايد

وفي الآية ثلاثُ كلماتٍ تَكشِفُ أنَّ العلاقةَ بين الكونِ والإنسان علاقةُ تهيئةٍ غيرُ محايدة: «بما يَنفَعُ الناس» في الفُلك، و«فَأَحيا به الأرض» في الماء، و«المُسَخَّر» في السحاب. والباءُ في «بما ينفع» للسببيّة، أي أنّ الفُلكَ تَجري لأجلِ نفعِ الناس لا لمحضِ الحركة. وفاءُ التعقيب في «فأحيا» تَربِطُ بين نزولِ الماءِ وحياةِ الأرضِ ربطاً وظيفيّاً، فالإنزالُ مُقَدِّمةٌ والإحياءُ نتيجة. و«المُسَخَّر» اسمُ مفعولٍ من بابِ تفعيل يُفيدُ التذليلَ المقصود، أي أنّ السحابَ يُصَرَّفُ لغايةٍ ولا يَتحرّكُ ذاتيّاً. واجتماعُ هذه الثلاثةِ يَكشِفُ أنَّ الكونَ مُتَّجَهٌ نحو الإنسانِ لا لامبالٍ به، وأنَّ الصُّنعَ الذي في الآيةِ صُنعٌ لأجل وظيفةٍ لا صُنعٌ لذاته.

لَآيَاتٍ: لامُ التوكيد وتنكيرُ التكثير، ثمّ لامُ الاختصاص في لِّقَوْمٍ

وجاء جوابُ «إنَّ» «لَآياتٍ» بلامٍ مُزَحلَقةٍ للتوكيد على جوابِ الشرطيّة المعنويّة، وبتنوينٍ يُفيدُ التكثيرَ والتعظيم، أي آياتٌ لا تُحصى. ثمّ يأتي «لقوم» باللامِ نفسِها هندسةً، ولكن بوظيفةٍ مختلفة، فهي لامُ الاختصاص، والمعنى أنَّ هذه الآياتِ مُوَجَّهةٌ اختصاصاً إلى صنفٍ مُعَيَّن. والمرادُ بـ«قوم» جماعةٌ قائمةٌ على أمرٍ مشترَك، دون «ناس» أيِّ ناس، وهو من جذر (ق و م) المُفيدِ للانتصابِ والقيام. فالآياتُ الكونيّةُ ظاهرةٌ لكلّ أحد، غيرَ أنّها لا تَعمَلُ عَمَلَها، وهو الدلالة، إلّا في جماعةٍ قامت قيامَ المتأمّلين، فالاختلافُ في النَّظَرِ لا في المرئيّ.

يَعْقِلُونَ: جذر (ع ق ل) الرَّبطُ لا الذكاء، وفعلٌ مضارع للاستمرار

وخُتِمَت الآيةُ بـ«يعقلون» دون «يعلمون» و«يتفكّرون»، ولكلٍّ من هذه الأفعالِ مقامٌ في القرآن. ومدارُ جذر (ع ق ل) على الرَّبطِ والتقييد: عَقَلَ البعيرَ، أي رَبَطَه بعِقالٍ يَحبِسُه عن التَّفَلُّت. فالعقلُ في اللغة العربية قُدرةٌ على رَبطِ ظاهرةٍ بأخرى وتقييدِهما بمعنى جامع، وليس ذكاءً ولا فكراً مُجَرَّداً. فالذي يَنظُرُ إلى الليلِ وَحدَه لا يَستَفيدُ شيئاً، والذي يَنظُرُ إلى النهار وَحدَه لا يَستَفيدُ شيئاً، أمّا من رَبَطَ بينَهما ورأى التناوبَ المُستَمِرَّ فقد «عَقَل». والمضارعُ «يعقلون» يُفيدُ الاستمرار، فالرَّبطُ يَنبَغي أن يَظَلَّ قائماً عادةً راسخة، ولا يُقضى الأمرُ بأن يَعقِلَ المرءُ مرّة. فالقرآنُ يُوَجِّهُ خطابَه إلى الذين يَجعَلون الرَّبطَ بين الظواهرِ عادةً لا حالةً عابرة، دون «المُفَكِّرين».

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«خَلق» في الآية اسمٌ لفعلِ الصُّنع القائمِ اليومَ كما قامَ أوّلَ مرّة، وليست اسماً للمخلوق، و«آيات» دلالاتٌ لا تَعمَلُ إلّا حين يُربَطُ بعضُها ببعض، وليست مشاهدَ طبيعيّة، و«قَومٌ يَعقِلون» جماعةٌ جعلوا الرَّبطَ بين الظواهرِ عادةً راسخة، وليسوا أصحابَ ذكاء. فالكونُ ناطقٌ، غيرَ أنّه لا يَنطِقُ إلّا لمن عَقَل.


حَصيلة

الآيةُ رَدٌّ استِدلاليٌّ على التَّوحيدِ المُقَرَّرِ في السابِقَة: كيفَ نُصَدِّقُ أنَّ الإلهَ واحِد؟ وتُجيبُ عنه «إنَّ» التَّوكيدِ بإشارةٍ إلى سَبعِ ظَواهِرَ كَونِيَّة. والنَّظَرُ المَطلوبُ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي في فِعلِ الصُّنعِ القائِمِ اليومَ كما قامَ أوَّلَ مَرَّة، وليس في المَخلوقات. والظّاهِرَةُ الأُولى ثابِتَةٌ جامِدَةٌ (خَلقٌ)، وسِتُّ الظَّواهِرِ البَواقي أفعالٌ مُتَحَرِّكَة: اختِلافُ اللَّيلِ والنَّهار، والسُّفُنُ الجارِيَةُ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾، والماءُ النّازِلُ الذي يُحيي، والدَّوابُّ المَبثوثَة، والرِّياحُ المُصَرَّفَة، والسَّحابُ الْمُسَخَّرِ﴾ المُذَلَّلُ لِغايَة. وثَلاثةُ مُصطَلَحاتٍ تَكشِفُ أنَّ الكَونَ مُتَّجَهٌ نَحوَ الإنسانِ لا لامُبالٍ به: «بِما يَنفَعُ»، وفاءُ «فَأحيا»، و«المُسَخَّر». والدَّليلُ في اجتِماعِها على نَسَق، وليس في ظاهِرَةٍ مُعزَلَة، ولِذا خُتِمَ بـلَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، و«يَعقِلونَ» من جذرِ (ع-ق-ل)، أي يَربِطون بينَ الظَّواهِرِ بحَبلٍ من فَهم، وهو مُضارِعٌ للدَّوامِ والعادَةِ الرّاسِخَة، والكَونُ ناطِقٌ، غَيرَ أنَّه لا يَنطِقُ إلّا لِمَن جَعَلَ الرَّبطَ حَرفَتَه.