الفَراغ / الإفراغ
خُلُوُّ الوِعاءِ بِخُروجِ ما فيه. يَقَعُ صَبّاً لا يُبقي في الأوَّل، ويَقَعُ انتِهاءً لا يُبقي شُغلاً في الثّاني.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ف: استِنادُ الشَّفةِ السُّفلى إلى أطرافِ الثَّنايا يَشُقُّ مَجرىً
ضَيِّقاً يَنفُذُ مِنهُ النَّفَسُ ثُمَّ يَخرُجُ مُتَفَرِّقاً مُبعَداً. شِحنَتُه: شَقٌّ يَنفُذُ جارِياً ثُمَّ يُفَرِّقُ ويُبعِد.
- ر: خَفَقاتٌ مُتَوالِياتٌ خَفيفاتٌ لِطَرَفِ اللِّسانِ على اللِّثة،
والنَّفَسُ يَجري من تَحتِها لا يَحتَبِس. شِحنَتُه: جَرَيانٌ مُستَرسِلٌ يَتَكَرَّرُ بِلَمسةٍ خَفيفةٍ ماسِكة.
- غ: غَؤورٌ في أقصى الحَلقِ يَعقِدُ غِطاءً رَخواً كَثيفاً يَستُرُ
المَجرى ولا يَقطَعُه، والنَّفَسُ يَجري من خَلفِه نافِذاً. شِحنَتُه: غَورٌ يَستُرُ بِكَثافةٍ ثُمَّ يَنفُذُ من الغَور.
النَّواةُ فر (ف + ر) = شَقٌّ يَجري مُتَفَرِّقاً: ما شُقَّ عَنهُ انفَلَتَ جارِياً ولَم يَبقَ في مَوضِعِه، ومنهُ الفِرارُ والفَريُ والفَرقُ كُلُّها انفِلاتٌ وتَفريق. والإغلاقُ بـغ يَرُدُّ هذا الانفِلاتَ إلى الغَورِ الذي خَرَجَ مِنه، فيَدَعُه مَستوراً خالِياً بَعدَ أن كانَ مَملوءاً، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: خُروجُ ما في الغَورِ خُروجاً يُفَرِّقُه عَنه، حتّى لا يَبقى في الجَوفِ شَيء.
ومنه في كَلامِ العَرَب: فَرَغَ الإناءُ إذا خَلا مِمّا فيه، وأفرَغَ عَلَيهِ الماءَ صَبَّه صَبّاً لا يُبقي مِنه، وفَرَغَ من عَمَلِه إذا انتَهى مِنهُ فخَلا وَقتُه، والفِراغُ خُلُوُّ المَحَلِّ بَعدَ شَغلِه.
الشِّحنةُ الجامِعة: خُلُوُّ المَملوءِ بِخُروجِ ما مَلَأَه، صَبّاً في غَيرِه أو انتِهاءً مِنه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- أَفْرِغْ (أمرٌ على أفعَلَ، مُتَعَدٍّ بِـ«على»)، ٢:٢٥٠: الهَمزةُ
تُحَوِّلُ الخُلُوَّ إلى فِعلٍ يُوقِعُه فاعِلٌ في غَيرِه، فالمُفرِغُ يُخلي وِعاءَه ويَملَأُ المَصبوبَ عَلَيه؛ وصيغةُ الأمرِ في مَقامِ الدُّعاءِ تَجعَلُ الطّالِبَ مَحَلَّ الصَّبِّ لا آخِذاً بِيَدِه.
- فَرَغْتَ (ماضٍ ثُلاثيٌّ مُجَرَّدٌ لازِمٌ مُسنَدٌ إلى المُخاطَب)،
٩٤:٧: التَّجريدُ يَرُدُّ الخُلُوَّ إلى صاحِبِه نَفسِه، فلا مَصبوبَ ولا مَصبوبٌ عَلَيه.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: خُلُوُّ الجَوفِ بِخُروجِ ما فيه، من الحُروف.
والهَمزةُ تَنقُلُ الخُلُوَّ إلى غَيرِ صاحِبِه ولا تُنشِئُه.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ لِلجَذرِ في المَنشور. والفَرقُ بَينَ المَوضِعَينِ فَرقُ جِهةٍ في الوَزن: المَزيدُ يُخلي وِعاءً لِيَملَأَ بِهِ آخَر، والمُجَرَّدُ يُخلي صاحِبَه فيَبقى المَحَلُّ فارِغاً حتّى يُشغَلَ بِأمرٍ جَديد. والجامِعُ أنَّ الخُلُوَّ في الوَجهَينِ تامٌّ لا يُبقي بَقِيّة.
المَواضع: مَواقعُ الفَراغِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٥٠ ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾:
مَوضِعُ الافتِتاح. الجَذرُ يَدخُلُ المُصحَفَ دُعاءً بِصيغةِ الأمرِ من المَزيد: المَطلوبُ صَبٌّ لِلصَّبرِ لا إعطاؤُه، و«عَلَينا» تَجعَلُ الطّالِبينَ مَحَلَّ الصَّبِّ لا الآخِذينَ بِأيديهِم. وقَرينُه في الدُّعاءِ تَثبيتُ الأقدامِ والنَّصر، فالمَصبوبُ يَنزِلُ من فَوقٍ والقَدَمُ تَثبُتُ من تَحت، وبَينَهُما يَقومُ الطّالِب. انظُر الصَّبر، التَّثبيت، النَّصر.
- ٩٤:٧ ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾: الجَديدُ: أوَّلُ ثُلاثيٍّ مُجَرَّدٍ لِلجَذر،
وأوَّلُ خُلُوٍّ يَقَعُ لِلفاعِلِ نَفسِه لا في وِعاءِ غَيرِه. المَحَلُّ الخالي هنا وَقتُ صاحِبِه بَعدَ شُغلٍ انقَضى، ولَم يُذكَرْ ما فَرَغَ مِنه، فبَقِيَ الخُلُوُّ مُطلَقاً. وجَوابُه فاءٌ تُعَقِّبُ بِنَصَبٍ يَملَأُ ما خَلا، فالفَراغُ في هذا المَوضِعِ لا يُقَرُّ عَلَيه بَل يُوصَلُ بِعَمَلٍ يَليه. انظُر الرَّغبة.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
sabr: ٢:٢٥٠ تَجعَلُ الصَّبرَ مَصبوباً لا مُكتَسَباً، فالجَذرُ
يَنقُلُ الصَّبرَ من بابِ الاحتِمالِ إلى بابِ العَطاءِ النّازِل.
thabat: ٢:٢٥٠ تَعطِفُ تَثبيتَ الأقدامِ على الإفراغ، فالصَّبُّ من
فَوقٍ يُقابِلُه ثَباتٌ من تَحتٍ في دُعاءٍ واحِد.
du3a: ٢:٢٥٠ كُلُّها نِداءٌ بِـ«رَبَّنا» يَتلوهُ ثَلاثةُ أوامِر،
فالإفراغُ أوَّلُ ما يُطلَبُ عِندَ بُروزِ الجَمع.
nasr: ٢:٢٥٠ تَختِمُ الدُّعاءَ بِـ«وانصُرنا»، فالنَّصرُ آخِرُ ما
يُطلَبُ بَعدَ صَبٍّ وثَبات.
raghba: ٩٤:٨ تَتلو الفَراغَ مُباشَرةً بِـ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾، فالوِعاءُ
الذي خَلا يُوَجَّهُ إلى رَبِّه، والرَّغبةُ هي التي تَملَأُ ما أخلاهُ الفَراغ.
sharh: ٩٤:١ تَفتَتِحُ السّورةَ بِشَرحِ الصَّدرِ، والفَراغُ في
خِتامِها خُلُوُّ الوَقت: الأوَّلُ يُوَسِّعُ الوِعاءَ والثّاني يُخليه، وكِلاهُما تَهيِئةٌ لِما يُملَأُ بِه.
الإشكالات المَفتوحة
- هل الإفراغُ صَبٌّ أم إخلاء؟ اللَّفظُ في ٢:٢٥٠ يَتَعَدّى بِـ«على»
تَعدِيةَ الصَّبّ، والحُروفُ تُعطي خُلُوَّ الجَوفِ لا نُزولَ المَصبوب. والمَوقِفُ أنَّ الجَذرَ يُسَمّي الحَدَثَ من جِهةِ الوِعاءِ الأوَّلِ لا من جِهةِ الثّاني، فالمَصبوبُ عَلَيهِ يَمتَلِئُ لازِماً لا مَقصوداً بِاللَّفظ.
- بِمَ يَتَعَلَّقُ «فَرَغتَ» في ٩٤:٧؟ المُصحَفُ لا يَذكُرُ المَفروغَ
مِنه، والحُروفُ تُعطي خُلُوّاً تامّاً لا يُقَيَّدُ بِشاغِلٍ بِعَينِه. المَسألةُ مَفتوحةٌ: هل الإطلاقُ مَقصودٌ لِيَعُمَّ كُلَّ شُغلٍ يَنقَضي.