البقرة · الآية 250

﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ

الجذر (ب ر ز): البُروزُ خُروجٌ مِنَ السِّترِ إلى الكَشف

وجَذرُ (ب ر ز) يَدُلُّ عَلى الانفِصالِ الذي يَكشِفُ ما كانَ مَستورًا، و«بَرَزوا لِجالوتَ» أي تَرَكوا مَوقِعَهمُ الخَلفِيَّ ودَخَلوا ساحةَ المُواجَهةِ المَكشوفة. والفِعلُ يَحمِلُ دَلالةَ الانكِشافِ الكامِل، حَيثُ لا خَنادِقَ تَستُرُ ولا مُعَسكَراتَ تَحمي، والمُؤمِنُ في لَحظةِ البُروزِ أعزَلُ إلّا مِمّا يَحمِلُه بِنَفسِه، وهذا ما يُفَسِّرُ بَدءَ الدُّعاءِ بِاستِجلابِ الصَّبرِ الدّاخِليِّ قَبلَ كُلِّ شَيء.

الجذر (ف ر غ): الإفراغُ صَبٌّ كَثيفٌ لا إعطاءٌ مُتَقَطِّع

و«أفرِغ» مِن (ف ر غ) يَدُلُّ عَلى إخلاءِ الإناءِ مِن مُحتَواه بِصَبِّه في مَحَلٍّ آخَر، و«أفرِغ عَلَينا صَبرًا» صورةٌ مائِيّةٌ لِصَبٍّ كَثيفٍ يَملَأُ المَحَلَّ حَتّى يَغمُرَه. والدُّعاءُ يَطلُبُ فَيضًا يَستَغرِقُ حالَ الدّاعي، ولا يَستَجدي قَطَراتٍ مِنَ الصَّبر، وهذا فَرقٌ جَوهَرِيٌّ: الصَّبرُ في المَعركةِ لا يَكفي قَدرُه اليَسيرُ، لِأنَّ ضُغوطَ المَعركةِ أكبَرُ مِن ذاتِ المُؤمِنِ حَجمًا.

الجذر (ص ب ر): الصَّبرُ حَبسُ النَّفسِ الطَّوعيُّ

ومَدارُ (ص ب ر) عَلى الحَبسِ الطَّوعيِّ لِلنَّفسِ عَلى ما تَكرَه، وهو اختِيارٌ نَشِطٌ لِضَبطِ النَّفسِ عَنِ الفِرارِ أوِ الشِّكاية، وليسَ قُبولًا سَلبِيًّا لِلقَدَرِ. والصَّبرُ المَصبوبُ في هذا الدُّعاءِ صَبرُ المَعركةِ لا صَبرُ المَرَضِ، أي حَبسُ النَّفسِ عَلى مَوقِعِها رَغمَ الرَّغبةِ في الانسِحاب.

الجذر (ث ب ت) و(ق د م): الثَّباتُ في مَوضِعِ القَدَم

وجَذرُ (ث ب ت) يَدُلُّ عَلى استِقرارِ الشَّيءِ في مَوضِعِه، و(ق د م) عَلى التَّقَدُّمِ والمَوقِع، و«ثَبِّت أقدامَنا» دُعاءٌ بِاستِقرارِ القَدَمِ عَلى الأرضِ لَحظةَ الضَّغط. والمَشهَدُ مادِّيٌّ: المُحارِبُ في مَيدانِ المَعركةِ إن زَلَّت قَدَمُه وَقَعَ تَحتَ سِلاحِ خَصمِه، ولِذلِكَ يَكونُ الثَّباتُ مَدخَلَ النَّصرِ التَّكتيكيّ. والطَّبَقةُ البَدَنيَّةُ تَلي الطَّبَقةَ النَّفسيَّة: الصَّبرُ يَملأُ القَلبَ أوَّلًا، ثُمَّ تَلتَحِمُ القَدَمُ بِالأرض.

الجذر (ن ص ر): النَّصرُ المُعين في الأمرِ العَسير

وأصلُ (ن ص ر) الإعانةُ في أمرٍ يَعجَزُ الإنسانُ عَن إتمامِه وَحدَه، والنَّصرُ مُعينٌ لا بَديلٌ، يَأتي بَعدَ الجُهدِ لا في مَحَلِّه. وهذا ما يُفَسِّرُ مَوقِعَ الطَّلَبِ في آخِرِ الدُّعاءِ: الصَّبرُ والثَّباتُ طَلَبانِ أَوَّلانِ لِأنَّهُما يَبتَدِئانِ بِجُهدِ العَبدِ، فيَدعو لَهما أوَّلًا، والنَّصرُ ثالِثٌ لِأنَّه لا يَكونُ إلّا بَعدَ أن يَبذُلَ العَبدُ طاقَتَه.

الجذر (ق و م) و(ك ف ر): القَومُ الكافِرون عُنوانٌ لا شَخصٌ

ويَختِمُ الدُّعاءُ بِـ «عَلى القَومِ الكافِرين» دونَ «عَلى جالوتَ وجُنودِه»، وهذا التَّعميمُ مَقصودٌ: المُواجَهةُ بَينَ صِفَتَين، وليسَت بَينَ شَخصَين. و(ك ف ر) السَّترُ والتَّغطيةُ لِلحَقِّ، ولِذلِكَ يَلزَمُ وَصفُ «كافِر» مَن غَطّى الحَقَّ بَعدَ ما عَرَفَه، لا مَن جَهِلَه. والدُّعاءُ بِالنَّصرِ عَلى الكُفرِ لا عَلى الأشخاصِ، وهذه هي دِقَّةُ لُغةِ المُؤمِن.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فَدَورُ «إفراغِ الصَّبر» في القَلبِ يَسبِقُ دَورَ «تَثبيتِ القَدَم» في المَوقِع، وكِلاهُما يَسبِقانِ دَورَ «النَّصر» في النَّتيجة.


حَصيلة

«بَرَزوا» مِن (ب-ر-ز)، وهو انفِصالٌ يَكشِفُ ما كانَ مَستوراً، وخُروجٌ مِن مَوقِعِ السِّترِ إلى ساحةِ المُواجَهةِ الكامِلة. وفي هذه اللَّحظةِ المَكشوفةِ يَبدأُ الدُّعاءُ بِثَلاثِ طَبَقاتٍ مُتَدَرِّجةٍ مِنَ الدّاخِلِ إلى الخارِج. الأولى: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾، و«أفرِغ» مِن (ف-ر-غ) إفراغُ إناءٍ بِصَبِّ مُحتَواه كامِلاً لا قَطَراتٍ، والصَّبرُ المَطلوبُ فَيضٌ يَستَغرِقُ حالَ الدّاعي كُلَّه. و«صَبر» مِن (ص-ب-ر)، وهو حَبسٌ طَوعيٌّ لِلنَّفسِ عَمّا تَرغَبُه مِن فِرارٍ أو شِكاية، غَيرُ قُبولٍ سَلبِيّ. والثانية: «ثَبِّت أقدامَنا» مِن (ث-ب-ت) و(ق-د-م)، وهي الطَّبَقةُ البَدَنيَّة: القَدَمُ إن زَلَّت وَقَعَ صاحِبُها تَحتَ سِلاحِ خَصمِه، والطَّبَقةُ البَدَنيَّةُ تَلي الطَّبَقةَ النَّفسيَّةَ: الصَّبرُ يَملأُ القَلبَ أوَّلاً ثُمَّ تَلتَحِمُ القَدَمُ بِالأرض. والثالثة: «انصُرنا» مِن (ن-ص-ر)، أي إعانةٌ في أمرٍ يَعجَزُ الإنسانُ عَن إتمامِه وَحدَه، ومَعونةٌ تَأتي بَعدَ الجُهدِ لا بَدَلاً عَنه، ولِذلِكَ جاءَ طَلَبُها ثالِثاً. ويُختَمُ الدُّعاءُ بِـ«القَومِ الكافِرين» دونَ «جالوتَ وجُنودِه»: المُواجَهةُ بَينَ صِفَتَينِ لا بَينَ أشخاص، والدُّعاءُ لِلنَّصرِ عَلى الكُفرِ لا عَلى الأفراد، وتِلكَ دِقَّةُ لُغةِ المُؤمِنِ في أحلَكِ لَحَظاتِه.