الشرح · الآية 7

﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ

«فَإِذا فَرَغتَ»: الفَراغُ بَوّابَةٌ لا نِهايَة

و«إِذا» في العَربيّةِ حَرفُ شَرطٍ يَدلّ على شَيءٍ مُتَوَقَّعِ الوُقوع، وقد أوثِرَ «إذا فَرَغتَ»، وهو يَدلُّ على وُقوعٍ مُتَيَقَّن، على «إنْ فَرَغتَ»، وهو يَدلُّ على احتِمالٍ غَيرِ مُؤَكَّد. فالفَراغُ آتٍ، وكلُّ شَأنٍ يَنتَهي، وكلُّ صَلاةٍ تُسَلَّم، وكلُّ مَجلِسٍ يُختَتَم، والسورةُ تُعَلِّمُ ما يَكونُ في الفَراغ، ولا تُجادِلُ في وُقوعِه.

والفِعلُ «فَرَغ» من ف-ر-غ، ويَدلّ على إخلاءِ الإناءِ مِن مُحتَواه، فالفَراغُ في اللسانِ خَلاءُ مَوضِعٍ كانَ مَملوءاً، وليس عَدَمَ الفِعل، ولذلك يَدلّ «أَفرَغَ» على صَبِّ ما في الإناءِ في مَكانٍ آخَر، فيَفرُغُ الإناءُ ليُملأَ من جَديد. والآيةُ تَستَعمِلُ هذا المَعنى بدِقَّة، فما فَرَغتَ مِنه تَفريغٌ لمَوضِعٍ يَحتاجُ إلى مَلءٍ جَديد، وليس انتِهاءً للحَركَة.

وفي البَقَرَةِ يَدعو القُرآنُ: أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾، والإفراغُ هناك صَبٌّ يَستَغرِق، والآيةُ هنا تَأتي بالجِذرِ نَفسِه في صورةِ الفاعِلِ المُخاطَب: «إذا فَرَغتَ». فما طُلِبَ في البَقَرَةِ صَبّاً إلهيّاً يُطلَبُ هنا فِعلاً إنسانيّاً مُوازياً، هو أن يُفرِغَ المُخاطَبُ نَفسَه من الشَّأنِ المُنجَزِ ليُملأَ من شَأنٍ جَديد، والإناءُ الذي لا يُفَرَّغُ لا يُمكِنُ أن يُملأ.

«فَانصَب»: الانتِصابُ الذي فيه تَعَب

وأصلُ ن-ص-ب رَفعُ الشَّيءِ مع تَثبيتِه، فـ«نَصَبَ الخَيمَةَ» أَقامَها على عَمودِها، و«نَصَبَ السَّيفَ» جَعَلَه مُنتَصِباً ثابِتاً، ومنه «المِنصَب» للمَوضِعِ الذي يَرتَفِعُ على غَيرِه ويَثبُت، ومنه «النَّصَب» بمَعنى التَّعَب، لِأَنَّ مَن انتَصَبَ في عَمَلٍ شاقٍّ فقد تَعِب، فالجَذرُ يَجمَعُ بَين القامَةِ والإجهاد.

والأَمرُ «انصَب» يَستَدعي صورةَ الإنسانِ الذي يَفرُغُ من شَأنٍ ويَنتَقِلُ إلى آخَر، كَأَنَّه يَنصِبُ نَفسَه من جَديد كَما يُنصَبُ العَمودُ بَعدَ أن يُحَلّ. فالفِعلُ الأَوَّلُ كانَ تَفريغاً، والفِعلُ الثاني يَكونُ نَصباً، وهي حركةٌ مُتَقابِلَةٌ يَرتَفِعُ فيها ما نَزَلَ ثانيَةً في صورَةٍ جَديدَة.

وفي إيثارِ «انصَب» على «استَرِح» لُطفٌ بالغ، فالقارِئُ في حالِ التَّعَبِ بَعدَ الفَراغِ يَتَوَقَّعُ الراحَة، والنَّصُّ يَفتَحُ بابَه بِأَمرٍ مُختَلِف، هو الانتِصابُ مَكانَ الاستِراحَة. والراحَةُ لِلمَوضِعِ الذي اتَّسَعَ في الآياتِ السابِقَة، لا لِلنَّفسِ التي تُكَلَّفُ بِالعَمل، والإنسانُ الذي شُرِحَ صَدرُه مُنِحَ صَدراً واسِعاً ليَستَوعِبَ ما هو آتٍ من جُهد، ولم يُمنَحْه ليَستَريحَ فيه.

والفِعلانِ مَعاً يَكشِفانِ عن قاعِدَة، فالفَراغُ والنَّصَبُ مُتَعاقِبانِ في الزَّمَن، مُتَلازِمانِ في المَنطِق: مَن فَرَغَ ولم يَنصَبْ سَكَنَ في فَراغِه، ومَن نَصَبَ ولم يَفرُغْ من سابِقِه تَكَدَّسَت عَلَيه الأَشغال. والآيةُ تُعَلِّمُ كَيفَ تَكونُ الحَركَةُ بَين الشَّأنَين: تَفريغٌ كامِلٌ ثمّ انتِصابٌ كامِل، من غَيرِ تَداخُلٍ ولا انقِطاع.

الفِعلُ بَعدَ القانون: لِمَ يُؤمَرُ مَن أُريحَ بِالنَّصَب

وبِناءُ السورةِ على ثَلاثِ مَنطِقات: الإخبارِ بما تَمَّ في الآياتِ الأَربَعِ الأُولى، والقانونِ في الآيتَينِ الخامِسَةِ والسادِسَة، والأَمرِ في الآيتَينِ السابِعَةِ والثامِنَة. وهذا التَّرتيبُ مَنهَج، فلا يُؤمَرُ بالفِعلِ مَن لَم يُهَيَّأْ لَه، ولا يُهَيَّأُ مَن لم يُذَكَّرْ بالقانون.

والإراحَةُ كانَت تَهيِئَة، ولم تَكُن غايَة. ومَن قَرَأَ الآياتِ الأَربَعَ الأُولى ظَنَّ أنَّ السورةَ تُسَلِّمُ مَفاتيحَ الراحَةِ ثمّ تَنصَرِف، ثمّ تَكشِفُ الآيةُ السابِعَةُ المَنهَج، وهو أنَّ الراحَةَ كانَت لِيَستَطيعَ المُرتاحُ النَّصَبَ في ما هو آتٍ، فالصَّدرُ المَشروحُ والظَّهرُ المُخَفَّفُ والذِّكرُ المَرفوعُ كلُّها أَدَواتٌ لِجُهدٍ جَديد، لا جَوائزُ تُختَتَمُ بها الرِّحلَة.

والآيةُ بهذا تَكشِفُ المَآل، فمَن أُريحَ مَشى، ومَن مَشى نَصَبَ، ومَن نَصَبَ فَرَغَ من مَنزِلٍ ليَنتَقِلَ إلى مَنزِل، والفَراغُ والنَّصَبُ مَنزِلانِ في طَريقٍ يُسلَك، لا غايَةٌ تُختَتَمُ عِندَها الحَرَكَة. وما تَمَّ في الآياتِ السابِقَةِ كانَ تَهيِئَةً لِما هو آتٍ من جُهد، ولم يَكُن وَعداً يُغلَق.


حَصيلة

بَعدَ القانونِ الكَونيِّ يَنزِلُ التَّكليفُ: «فَإذا فَرَغتَ فَانصَب». ومادّةُ ف-ر-غ خُلُوُّ الظَّرفِ من مُحتَواه، وأصلُ ن-ص-ب الانتِصابُ في العَمَلِ بِاجتِهاد، فالفَراغُ بِدايَةُ مَرحَلَةٍ جَديدَة، وليس راحَة، ومَن انتَهى من عَمَلٍ يَنتَصِبُ لآخَر. والسورةُ تُعلِّمُ المَنهَجَ ولا تَعِدُ بِراحَةٍ بَعدَ التَّعَب، فالفَراغُ إذنٌ للانتِصابِ التالي، والجَهدُ المُوَجَّهُ سِمَةُ مَن شُرِحَ صَدرُه.