الحِجاب
حَبسٌ يَقومُ في الفُرجةِ بَينَ طَرَفَين فيَمنَعُ نُفوذَ أحَدِهِما إلى الآخَر. لا يُوصَفُ في المَنشورِ بِثِخَنٍ ولا بِمادّة، وإنَّما بِأنَّه يَمنَع.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ح: التَّضييقُ والاحتِواءُ في الباطِن.
شِحنَتُه: تَضييقٌ يَحتَوي في الباطِن.
- ج: الاحتِباسُ في الجَوفِ والسِّتر.
شِحنَتُه: احتِباسٌ في الجَوفِ يَستُر.
- ب: الاحتِباسُ والضَّغط.
شِحنَتُه: ضَغطٌ يَحصُرُ ما بَينَ طَرَفَين.
النَّواةُ حج (ح + ج) = تَضييقٌ يَحتَبِسُ في الجَوفِ ويَستُر: ما ضاقَ حتّى أمسَكَ ما وَراءَه فلم يُبدِه. والإغلاقُ بـب يَشُدُّ هذا الاحتِباسَ ويَحصُرُه بَينَ حَدَّين، فيَصيرُ الجَذرُ: حَبسٌ يَقومُ بَينَ شَيئَينِ فيَمنَعُ نُفوذَ أحَدِهِما إلى الآخَر.
ومنه في كَلامِ العَرَب: الحاجِبُ ما يَعلو العَينَ فيَقيها، وحَجَبَه مَنَعَه من الوُصول.
الشِّحنةُ الجامِعة: مانِعٌ قائِمٌ في الفُرجة، لا على وَجهِ أحَدِ الطَّرَفَينِ ولا في باطِنِه؛ فهو يُقاسُ بِما يُوقِفُه لا بِما يُغَطّيه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في المُصحَف
- حِجَابًا (فِعال، مُنَكَّراً مَنصوباً مَفعولاً بِه): اسمٌ
لِلمانِعِ نَفسِه، ووَزنُ فِعالٍ يَجعَلُه شَيئاً قائِماً يُوضَعُ لا حَدَثاً يَجري؛ وتَنكيرُه يَمنَعُ أن يُعرَفَ بِمادّةٍ أو بِمِقدار.
- لَّمَحْجُوبُونَ (اسمُ مَفعولٍ مَجموعاً، مَرفوعاً في مَحَلِّ
الخَبَر، دَخَلَت عَلَيهِ لامُ التَّوكيد): يَنقُلُ الجَذرَ من اسمِ المانِعِ إلى وَصفِ المَمنوعين، ويُلزِقُ الحالَ بِهِم وَصفاً ثابِتاً لا فِعلاً يَقَعُ في وَقتِه.
فالصّيغَتانِ طَرَفا الجَذرِ: واحِدةٌ تُسَمّي القائِمَ في الفُرجة، والأُخرى تُسَمّي مَن وَقَفَ عِندَه. ولَيسَ في المَنشورِ فِعلٌ مَبنِيٌّ لِلفاعِلِ من هذا الجَذر، فلا يُقالُ فيه مَن حَجَب.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: المَنعُ من الوُصول، من الحُروف؛ والوَزنُ
يُبَيِّنُ أيُسَمّى المانِعُ أم المَمنوع.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ لِلجَذرِ في المَنشور: لا حاجِبَ ولا حِجابةَ ولا مَصدَرَ صَريح. ويُجاوِرُه من جُذورٍ أُخرى ما يَقَعُ في بابِ المَنعِ عن الإدراك: qalb حَيثُ يُذكَرُ الغِطاءُ المُتَراكِمُ على القُلوب، وnazar حَيثُ يُذكَرُ التَّوَجُّهُ الذي يُمنَعُ أو يُطلَق. والفَرقُ البِنيَويُّ أنَّ هذا الجَذرَ لا يَصِفُ الطَّرَفَ ولا ما عَلَيه، بَل يَصِفُ ما بَينَهُما؛ ولِذلك جاءَ في المَنشورِ مَرّةً بِـ«بَينَ» ومَرّةً بِـ«عَن»، وكِلا الحَرفَينِ حَرفُ فُرجةٍ ومُجاوَزة.
المَواضع: مَواقعُ الحِجابِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ١٧:٤٥ ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾:
مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ الجَذرُ المُصحَفَ اسماً مَنصوباً مَفعولاً لِفِعلِ وَضعٍ يَلزَمُ مَحَلَّه، فالحاجِزُ مَوضوعٌ لا مُتَوَلِّدٌ من الفِعلِ الذي في الشَّرط. وتَكرارُ الظَّرفِ في «بَينَكَ وبَينَ» يَحُدُّ الطَّرَفَينِ ويُبقي المانِعَ في الفُرجةِ لا على وَجهٍ مِنهُما، وهو نَفسُ ما تُعطيه الحُروف. ثُمَّ يُوصَفُ المانِعُ بِأنَّه مُغَطّىً هو، من جِذرٍ لا مَفهومَ لَه بَعدُ في المُعجَم: فحاجِزٌ لا تُبصِرُه العَينُ التي يَقِفُ أمامَها، ومَن لم يَرَ الفاصِلَ لم يَطلُبْ لَه باباً. انظُر الجَعل.
- ٨٣:١٥ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾:
الجَديدُ: الجَذرُ يَنتَقِلُ من اسمِ المانِعِ إلى وَصفِ المَمنوعين، والفاعِلُ لا يُسَمّى. ويُقَدَّمُ الطَّرَفُ المَحجوبُ عنه على الخَبَر، فيُذكَرُ المَفقودُ قَبلَ الفَقد، و«عَن» تُعَيِّنُ الجِهةَ لا الغِطاء. والنِّسبةُ باقيةٌ في اللَّفظِ حالَ المَنع: هُم مَحجوبونَ عَمَّن ما زالَ يُقالُ لَه رَبُّهُم، فالمانِعُ يَقومُ في الفُرجةِ ولا يَقطَعُ النِّسبة. وقد سَبَقَه في السّورةِ ﴿رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، وذاكَ غِطاءٌ يَتَراكَمُ على مَحَلٍّ، وهذا حاجِزٌ يَقومُ بَينَ اثنَين: مَوضِعانِ مُختَلِفانِ لِلمَنع. انظُر الرَّبّ.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
ja3l: ١٧:٤٥ تَجعَلُ الحاجِزَ مَوضوعاً بِفِعلٍ يَلزَمُ
مَحَلَّه، فهو سابِقٌ لِلقِراءةِ لا ناشِئٌ عَنها.
iqra: ١٧:٤٥ تُعَلِّقُ وُقوعَ الحاجِزِ بِشَرطٍ يَتَكَرَّر،
والفِعلُ في الشَّرطِ بِيَدِ المُخاطَبِ والجَوابُ لَيسَ بِيَدِه.
iman: ١٧:٤٥ تُعَرِّفُ الطَّرَفَ الآخَرَ بِنَفيٍ واحِدٍ لا
بِاسم، فيُقرَأُ الحاجِزُ في مُقابَلةِ السُّكونِ الباطِنِ الذي نُفِيَ عَنهُم.
rabb: ٨٣:١٥ تُبقي النِّسبةَ مَنطوقةً في المَوضِعِ الذي
يُمنَعُ فيه الوُصول، فيَجتَمِعُ في السَّطرِ لُزومُ النِّسبةِ وامتِناعُ النَّفاذ.
qalb: ٨٣:١٤ تَضَعُ غِطاءً مُتَراكِماً على المَحَلّ، وتَأتي
٨٣:١٥ بِحاجِزٍ قائِمٍ في الفُرجة، فيَتَمَيَّزُ ما يُغَطّي المَحَلَّ مِمّا يَسُدُّ الطَّريق.
الإشكالات المَفتوحة
- كيفَ يَكونُ الحاجِزُ نَفسُه مُغَطّىً؟ المَوضِعُ الأوَّلُ
يَصِفُ المانِعَ بِما يُوصَفُ بِه المَمنوع. والجَوابُ العامِلُ من الحُروف: الجَذرُ يُعطي المَنعَ ولا يُعطي الظُّهور، فلا يَلزَمُ من قيامِ المانِعِ أن يُرى؛ وأثَرُ ذلك أنَّ الواقِفَ أمامَه لا يَعلَمُ أنَّه واقِف.
- هل الحِجابُ عُقوبةٌ أم وَصفُ حال؟ المَنشورُ يَذكُرُه مَرّةً
مَجعولاً في الدُّنيا ومَرّةً حالاً في يَومٍ مُسَمّى، ولا يُسَمّي في المَوضِعَينِ فاعِلاً لِلحَجب. المَسأَلةُ مَفتوحة: أهُما حالٌ واحِدةٌ في وَقتَين، أم أنَّ الثّانيَ ثَمَرةُ الأوَّل؟