المطففين · الآية 15

﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ

«كَلَّا» تُعادُ: إغلاقٌ قَبلَ الخَبَرِ مَرَّةً ثانِيَة

«كَلَّا» ثانِيَةً، وبَينَها وبَينَ الأُولى آيةٌ واحِدة. هُناكَ رَدَّت قَولاً قالوه، وهاهُنا تَفتَحُ خَبَراً عن حالِهِم. والأداةُ واحِدةٌ في المَوضِعَين: صَوتٌ يُغلِقُ البابَ قَبلَ أن يُقالَ ما بَعدَه.

وانظُرْ ما تَغَيَّر. هُناكَ غِطاءٌ على القُلوب، وهاهُنا حَجبٌ عن الرَّبّ. الأوَّلُ في صُدورِهِم، والثاني بَينَهُم وبَينَ غَيرِهِم. طَبَقةٌ نَبَتَت في الدّاخِل، ثُمَّ حاجِزٌ قامَ في الخارِج.

«عَن رَّبِّهِمْ»: المُجاوَزةُ تُقَدَّم، والنِّسبةُ لا تُنزَع

«عَن» حَرفُ مُجاوَزة، فلِلحَجبِ جِهةٌ مَعلومة: هُم عن رَبِّهِم. وقُدِّمَ الجارُّ والمَجرورُ على الخَبَر، فسُمِّيَ المَفقودُ قَبلَ أن يُسَمّى الفَقد. يَسمَعُ السّامِعُ ما حُرِموهُ أوَّلاً، ثُمَّ يَسمَعُ أنَّهُم حُرِموه.

ثُمَّ الكَلِمةُ نَفسُها: «رَّبِّهِمْ» مُضافةً إلَيهِم. والرَّبُّ في جِذرِه مُلازَمةٌ جارِيةٌ تَنقُلُ المُلازَمَ من حالٍ إلى حال، وهي النِّسبةُ التي بَلَغَت بِهِم إلى هذا اليَومِ نَفسِه. ولم تَنزِعِ الآيةُ الضَّميرَ حينَ ذَكَرَتِ الحَجب. الحاجِزُ يَقوم، والنِّسبةُ لا تُمحى.

«يَوْمَئِذٍ»: وَقتٌ يُسَمّى بِما وَقَعَ فيه

لم يُؤَرَّخِ اليَومُ بِعَدَدٍ ولا بِاسم. «يَوْمَئِذٍ» يَومٌ يُشارُ إلَيهِ بِحَدَثٍ فيه، والتَّنوينُ في آخِرِه قائِمٌ مَقامَ ما حُذِف. واليَومُ في حُروفِه مُدّةٌ مَوصولةٌ تُضَمُّ فتُعَدُّ واحِدة، حِصّةٌ لَها طَرَفان. فالحَجبُ مَنسوبٌ إلى هذه الحِصّةِ بِعَينِها.

«لَّمَحْجُوبُونَ»: اسمُ مَفعولٍ يَختِمُ الآية

جاءَ الخَبَرُ اسمَ مَفعولٍ لا فِعلاً. لم تَقُلِ الآيةُ «يَحجُبُهُم» فيُطلَبَ فاعِل، بَل قالَت «لَّمَحْجُوبُونَ» فوَقَفَت عِندَ حالِهِم. واللّامُ في صَدرِ الكَلِمةِ تُؤَكِّدُ وُقوعَ الحال، والصيغةُ تَترُكُ الفاعِلَ حَيثُ تَرَكَته.

والحَجبُ في حُروفِه حَبسٌ يَقومُ بَينَ شَيئَينِ فيَمنَعُ نُفوذَ أحَدِهِما إلى الآخَر، ومنه الحاجِبُ يَعلو العَينَ فيَقيها. فإذا قُرِئَتِ الآيتانِ مَعاً بانَ الغِطاءان: الأوَّلُ رانَ على القَلبِ وفاعِلُه مُسَمًّى وهو كَسبُهُم، والثاني قامَ بَينَهُم وبَينَ رَبِّهِم وفاعِلُه مَسكوتٌ عنه. غِشاءٌ صَنَعوه، ثُمَّ حِجابٌ صاروا إلَيه.


حَصيلة

تُعادُ «كَلَّا» بَعدَ آيةٍ واحِدة، فيُغلَقُ البابُ مَرَّةً ثانِيَةً قَبلَ الخَبَر. ثُمَّ يُقَدَّمُ «عَن رَّبِّهِمْ»، فيُسَمّى المَفقودُ قَبلَ الفَقد، و«عَن» تُعَيِّنُ الجِهة: هُم عنه. والضَّميرُ باقٍ في «رَّبِّهِمْ»، والرَّبُّ مُلازَمةٌ جارِيةٌ تَنقُلُ المُلازَمَ من حالٍ إلى حال، فالنِّسبةُ التي بَلَغَت بِهِم إلى هذا اليَومِ لا تُنزَعُ عَنهُم وهُم مَحجوبون. و«يَوْمَئِذٍ» وَقتٌ يُسَمّى بِما وَقَعَ فيه، حِصّةٌ لَها طَرَفانِ لا دَهرٌ مَبسوط. ثُمَّ يَختِمُ اسمُ المَفعولِ «لَّمَحْجُوبُونَ»: حالٌ تُذكَرُ وفاعِلٌ لا يُسَمّى. وإذا وُصِلَت بِما قَبلَها كانَ الغِطاءانِ اثنَين: طَبَقةٌ تَراكَمَت من كَسبِهِم على قُلوبِهِم، وحاجِزٌ قائِمٌ بَينَهُم وبَينَ الذي ما زالَ يُقالُ لَه رَبُّهُم.