الإسراء · الآية 45

﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا

«وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ»: شَرطٌ يَتَكَرَّرُ، وفِعلٌ في يَدِ المُخاطَبِ وَحدَه

«إذا» ظَرفٌ لِما يُستَقبَلُ ويَتَجَدَّد، فالمَذكورُ حالٌ تَتَكَرَّرُ، لا واقِعةٌ تُروى مَرّةً.

و«قَرَأتَ» خِطابٌ لِمُفرَدٍ حاضِر، والفِعلُ الذي في الشَّرطِ بِيَدِ المُخاطَب، والفِعلُ الذي في الجَوابِ لَيسَ بِيَدِه، فهو يَقرَأُ، وغَيرُه يَجعَل.

والقُرآنُ هُنا مَفعولٌ يَقَعُ عَلَيه الفِعل، وقد كانَ قَبلَ أربَعِ آياتٍ ظَرفاً يَجري فيه التَّصريف، فالاسمُ واحِدٌ ومَوقِعُه من الإعرابِ يَتَقَلَّب، مَرّةً وِعاءٌ يُدارُ فيه، ومَرّةً مَتلُوٌّ يُخرَجُ بِاللِّسان.

«جَعَلْنَا»: ماضٍ في جَوابِ ما يَتَجَدَّد

وعُدِلَ عن «نَجعَلُ» إلى «جَعَلنا»، والماضي في جَوابِ «إذا» يُقَدِّمُ الحُكمَ على شَرطِه.

فالحاجِزُ مَوضوعٌ قَبلَ القِراءة، والقِراءةُ تَجري بَعدَ وَضعِه، وليسَ أثَراً يَتَوَلَّدُ عَنها. وأصلُ ج-ع-ل وَضعُ الشَّيءِ في مَحَلٍّ يَلزَمُه فلا يَنفَكُّ عَنه، فما وُضِعَ لم يَعرِضْ عُروضاً.

«بَيْنَكَ وَبَيْنَ»: ظَرفٌ يُكَرَّرُ لِيُحَدَّ طَرَفاه

وكُرِّرَتِ الكَلِمةُ لِكُلِّ طَرَف: «بَينَكَ» ثُمَّ «وبَينَ»، ولَو أُريدَ الإجمالُ لَكَفَت مَرّةٌ واحِدة.

وأوثِرَ الظَّرفُ على «عَلَيهِم» و«دونَك»، فالحاجِزُ في الفُرجةِ نَفسِها، لا على وَجهٍ من الوَجهَين، ومَن وُضِعَ الحاجِزُ في وَسَطِه فلَيسَ أحَدُ الطَّرَفَينِ صاحِبَه.

«الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ»: صِفةٌ واحِدةٌ تُعَرِّفُ الفَريق

ولم يُذكَرْ لِلفَريقِ اسمٌ ولا فِعلٌ ولا مَوضِع، وذُكِرَ عَنهُم نَفيٌ واحِدٌ فقَط، وبِه عُرِّفوا.

ومادّةُ أ-م-ن سُكونٌ يَستَقِرُّ في الباطِنِ إلى ما يوثَقُ بِه، فالمَنفِيُّ ذلك السُّكون، أي قَلَقٌ لا يَجِدُ ما يَطمَئِنُّ إلَيه.

والمُتَعَلَّقُ مُعَيَّنٌ في الآية، وهو الآخِرة، أي ما يَأتي بَعد، فالحَدُّ مَضروبٌ عِندَ ما بَعدُ، لا عِندَ ما هو الآن، والكَلِمةُ التي تُتلى حاضِرة، والفاصِلُ قائِمٌ عِندَ ما لم يَحضُرْ بَعد.

«حِجَابًا مَّسْتُورًا»: حاجِبٌ مَحجوب

وهُما كَلِمَتانِ من بابَينِ مُتَقارِبَينِ وُضِعَتا واحِدةً فَوقَ الأُخرى: فأصلُ ح-ج-ب حَبسٌ يُضَيِّقُ فيَمنَعُ النُّفوذ، وأصلُ س-ت-ر إطباقٌ دَقيقٌ يُغَطّي ويَلزَمُ ما تَحتَه، فالأولى تَمنَعُ العُبور، والثّانِيَةُ تُخفي.

و«مَستوراً» اسمُ مَفعول، فالحِجابُ هو المَستور، لا السّاتِر، والحاجِزُ نَفسُه مُغَطّىً عن العَينِ التي يَقِفُ في وَجهِها.

وعلى هذا مَدارُ ثِقَلِ الآيةِ كُلِّها، فلَيسَ في الأمرِ جِدارٌ يُرى فيُطلَبُ لَه باب، ولا سَترٌ يُلمَسُ فيُحاوَلُ رَفعُه، وهو حاجِزٌ لا يُعلَمُ أنَّه حاجِز، فالواقِفُ خَلفَه يَحسَبُ أنَّه في العَراء.

وجاءَتا نَكِرَتَين، فلا يُعَيَّنُ الحِجابُ ولا يوصَفُ بِأكثَرَ من هذا الوَصفِ الواحِد، ومَن أبصَرَ الحِجابَ فقد جاوَزَ شَطرَه.


حَصيلة

شَرطٌ يَتَكَرَّرُ لا واقِعةٌ تُروى: «إذا قَرَأتَ»، والفِعلُ بِيَدِ المُخاطَبِ وَحدَه، والجَوابُ لَيسَ بِيَدِه. والقُرآنُ هُنا مَفعولٌ بَعدَ أن كانَ ظَرفاً في هذا المَقطَعِ نَفسِه. ثُمَّ «جَعَلنا» ماضٍ في جَوابِ ما يَتَجَدَّد، وج-ع-ل وَضعٌ يَلزَمُ مَحَلَّه، فالحاجِزُ سابِقٌ لا مُتَوَلِّد. وفي «بَينَكَ وبَينَ» يُكَرَّرُ الظَّرفُ فيُحَدُّ الطَّرَفانِ ويَبقى الحاجِزُ في الفُرجةِ لا على وَجهٍ مِنهُما. والفَريقُ مُعَرَّفٌ بِنَفيٍ واحِد، فلا سُكونَ لَهُم إلى ما بَعد، وأ-م-ن هو ذلك السُّكونُ في الباطِن. ثُمَّ يُختَمُ بِبابَينِ في السَّتر: ح-ج-ب يَمنَعُ العُبور، وس-ت-ر يُغَطّي ويَلزَم، و«مَستوراً» اسمُ مَفعولٍ يَرُدُّ التَّغطِيَةَ على الحِجابِ نَفسِه، فهو حاجِزٌ لا يُرى بِالعَينِ التي يَقِفُ أمامَها، ومَن لم يَرَ الفاصِلَ لم يَطلُبْ لَه باباً.