الجَعل
**إبرازُ ما أُمسِكَ وإلحاقُه بِحَيِّزٍ يَلزَمُه**. لَيسَ الجَعلُ إنشاءَ الشَّيءِ من لا شَيء، بَل أخذَ شَيءٍ قائِمٍ وإثباتَه في مَنزِلةٍ أو حالٍ أو مَوضِعٍ لَيسَ هو ذاتَه. ولِذلكَ لا يَرِدُ في السُّوَرِ السِّتِّ المَجرودةِ مَوضِعٌ واحِدٌ يَقتَصِرُ فيه الفِعلُ على مَفعولٍ مُجَرَّدٍ بِلا حَيِّز: سَبعةٌ وعِشرونَ مَوضِعاً، وفي كُلِّها مَنزِلةٌ مَنصوبةٌ أو ظَرفٌ أو جارٌّ يُبَيِّنُ إلى أينَ نُقِلَ المَجعول. وقَيدُ النِّطاقِ والدَّينُ المَفتوحُ في القِسمِ السّابِع.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ج: اجتِماعُ وَسَطِ اللِّسانِ بِوَسَطِ الحَنَكِ يَحبِسُ النَّفَسَ في
جَوفِ الفَمِ ثُمَّ يَنبَثِقُ عنه بارِزاً مُستَرسِلاً. شِحنَتُه: إمساكٌ في الجَوفِ ثُمَّ إبرازُ ما أُمسِك.
- ع: قَبضٌ يَلتَحِمُ في أقصى الحَلقِ على رِقّة، يَجري فيه النَّفَسُ
المَجهورُ في أضيَقِ المَجاري وأعمَقِها، فيَظهَرُ الصَّوتُ من العُمقِ إلى الخارِج. شِحنَتُه: ظُهورٌ من عُمقٍ بَعدَ قَبض.
- ل: تَعَلُّقُ طَرَفِ اللِّسانِ بِأصلِ الثَّنايا التِصاقاً، مَعَ
جَرَيانِ الصَّوتِ من جانِبَيه فيَمضي مُستَقِلاًّ. شِحنَتُه: تَعَلُّقٌ وحَوزٌ ثُمَّ امتِدادٌ مُتَمَيِّز.
النَّواةُ جَع (ج + ع) = ما أُمسِكَ في جَوفٍ ثُمَّ أُبرِزَ فالتَحَمَ بِمَوضِعٍ: الشَّيءُ لا يَنشَأُ هُنا، إنَّما يُؤخَذُ وقد صارَ ثُمَّ يُخرَجُ إلى مَوقِعٍ يَلتَحِمُ بِه. والإغلاقُ بِـل يَحوزُه في ذلك المَوقِعِ ويُلزِمُه إيّاه، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: إبرازُ المُمسَكِ وإلحاقُه بِحَيِّزٍ يَلزَمُه.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- الجُعْل والجَعالة: ما يُجعَلُ لِلعامِلِ على عَمَلِه. عِوَضٌ لا
يَقومُ بِنَفسِه ولا يُطلَبُ لِذاتِه، إنَّما يُلحَقُ بِعَمَلٍ فيَلزَمُه.
- الجِعال: الخِرقةُ تُنزَلُ بِها القِدرُ عن النّار. لا قيمةَ لَها في
عَينِها، وإنَّما قيمَتُها أنَّها وُضِعَت بَينَ اليَدِ والقِدر. فهي المَوضِعُ لا الشَّيء، وهذا تَمامُ صورةِ الجَذر.
- جَعَلَ يَبكي ونَحوُه من أفعالِ الشُّروع: دَخَلَ في الحال. الفِعلُ
هُنا بِلا مَفعولٍ أصلاً، ومَعناه الدُّخولُ في حَيِّز، فيَنكَشِفُ أنَّ الحَيِّزَ هو مَعنى الجَذرِ لا فَضلةً فيه.
- اجتَعَلَ: اتَّخَذَ الشَّيءَ لِنَفسِه، أي حازَه في حَيِّزِه.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ج-ع-ل: نَقلُ شَيءٍ قائِمٍ إلى مَنزِلةٍ لَيسَت لَه. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآن، ويُفَسِّرُ أغرَبَ ما في تَصريفِها: لا مَصدَرَ لِلجَذرِ في المُسَجَّلِ ولا جَمعَ ولا صيغةَ مُبالَغة. أربَعٌ وعِشرونَ صيغةً سَطحيّةً في سَبعةٍ وعِشرينَ مَوضِعاً، كُلُّها فِعلٌ أو اسمُ فاعِل. ولا يَستَقيمُ لِلجَعلِ اسمٌ لِأنَّ حاصِلَه لَيسَ عَيناً تُحمَل، بَل نِسبةً بَينَ شَيءٍ ومَوضِعِه. ويُفَسِّرُ كَذلك لِمَ نَصَبَ مَفعولَينِ في اثنَي عَشَرَ مَوضِعاً: الأوَّلُ ما أُمسِك، والثّاني الحَيِّزُ الذي أُلحِقَ بِه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- جَعَلَ (ماضي الثُّلاثيّ): يَرِدُ مُسنَداً إلى اللهِ في صِلةِ
«الَّذي» مَرَّتَين (٢:٢٢ و٣٦:٨٠)، وفي كِلتَيهِما تَليها لامُ الانتِفاعِ («لَكُم») ثُمَّ المَنزِلة.
- جَعَلْنَا ووَجَعَلْنَا وفَجَعَلْنَاهَا وجَعَلْنَاكُمْ (ماضي
ضَميرِ العَظَمة): أكثَرُ الصِّيَغِ وُروداً، ولا تَرِدُ إلّا في تَقريرِ مَنزِلةٍ وُضِعَت أو حاجِزٍ نُصِبَ أو نِعمةٍ أُثبِتَت في مَحَلٍّ.
- يَجْعَلُونَ وتَجْعَلُوا (المُضارِعُ لِلبَشَر): لا تَرِدُ في
المُسَجَّلِ إلّا في ثَلاثةِ مَواضِعَ (٢:١٩ و٢:٢٢ و٢:٢٢٤)، الأوَّلُ وَضعٌ حِسِّيٌّ والآخَرانِ مَنهِيٌّ عنهُما.
- جَاعِلٌ وجَاعِلُكَ ووَجَاعِلُ (اسمُ الفاعِل): ثَلاثةُ
مَواضِعَ (٢:٣٠ و٢:١٢٤ و٣:٥٥)، كُلُّها في كَلامِ اللهِ عن مَنزِلةٍ يُثبِتُها، وكُلُّها مُقتَرِنةٌ بِمُنازَعةٍ أو تَفضيلٍ على غَيرِ المَجعول.
- اجْعَلْ واجْعَل ووَاجْعَلْنَا (الأمر): أربَعةُ مَواضِع،
ثَلاثةٌ منها دُعاءٌ مُوَجَّهٌ إلى الله (٢:١٢٦ و٢:١٢٨ و٣:٤١)، والرّابِعُ (٢:٢٦٠) أمرٌ من اللهِ لِإبراهيمَ بِوَضعِ أجزاءِ الطَّيرِ على الجِبال، وهو وَضعٌ حِسِّيٌّ لا إثباتُ مَنزِلة. فلا يُؤمَرُ إنسانٌ في المُسَجَّلِ بِأن يُثبِتَ مَنزِلةً قَطُّ.
- نَجْعَل وفَنَجْعَل ويَجْعَلْ ويَجْعَلَ ولِيَجْعَلَ
(المُضارِعُ مَجزوماً ومَنصوباً): تُجعَلُ الجَعلَ مُعَلَّقاً بِشَرطٍ أو غايةٍ أو نَفي، فيَظهَرُ أنَّ المَنزِلةَ تُوهَبُ وتُمنَع.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدةٌ في الصِّيَغِ كُلِّها، ولا
يُغَيِّرُ الوَزنُ منها شَيئاً لِأنَّ الجَذرَ لم يُبنَ منه في المُسَجَّلِ
إلّا الثُّلاثيُّ المُجَرَّدُ واسمُ فاعِلِه. والذي يَتَغَيَّرُ هو
مَوقِعُ الحَيِّز: تارةً مَفعولٌ ثانٍ مَنصوب، وتارةً ظَرفٌ («في
أعناقِهِم»)، وتارةً جارٌّ («لَكُم»، «على كُلِّ جَبَل»، «فَوقَ الذينَ
كَفَروا»)، وتارةً كافُ التَّشبيه («كَعَصفٍ مَأكول»). وهي كُلُّها خانةٌ
واحِدةٌ في المَعنى.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
khalq(الخَلق، خ-ل-ق): إنشاءٌ على تَقديرٍ يَنتَهي إلى صورةٍ
مُحكَمةِ الحَدّ. والفَرقُ لَيسَ تَقديريّاً بَل يُقرَأُ من التَّركيب: الخَلقُ لا يَنصِبُ مَفعولَينِ في المُسَجَّلِ كُلِّه، والجَعلُ يَنصِبُهُما في اثنَي عَشَرَ مَوضِعاً. لِأنَّ الخَلقَ يُنشِئُ الذّاتَ فيَكفيه مَفعولٌ واحِد، والجَعلَ يَحتاجُ إلى شَيءٍ وإلى ما صارَ إليه. والقرآنُ يَفصِلُ بَينَهُما في السُّوَرِ السِّتِّ المَجرودةِ فَصلاً حادّاً: لا تَجتَمِعُ الكَلِمَتانِ فيها في آيةٍ واحِدة (إحدى وثَلاثونَ آيةً لِلخَلقِ وسَبعٌ وعِشرونَ لِلجَعلِ ولا تَقاطُعَ بَينَهُما). وقد سَقَطَ إطلاقُ الحُكمِ بِنَشرِ الإسراء: ١٧:٩٩ تَجمَعُهُما في آيةٍ واحِدة ﴿قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا﴾، والفَرقُ فيها قائِمٌ كَما هو، فالخَلقُ بِمَفعولٍ واحِدٍ والجَعلُ بِلامِ انتِفاعٍ ومَنزِلة. وأقرَبُ ما يَتَجاوَرانِ آيَتانِ مُتَتالِيَتانِ ثَلاثَ مَرّاتٍ (٢:٢١ و٢:٢٢، ٣٦:٨٠ و٣٦:٨١، ثُمَّ ٨٧:٢ و٨٧:٥)، وفي كُلِّ مَرّةٍ يَحمِلُ الجَعلُ مَنزِلةً ولا يَحمِلُ الخَلقُ شَيئاً غَيرَ المَخلوق. انظُر الخَلق، ولا يُعادُ هُنا ما فيه عن التَّقديرِ وإحكامِ الحَدّ.
fi3l(الفِعل، ف-ع-ل): وُقوعُ الشَّيءِ مَنسوباً إلى فاعِلِه بِلا
عَينٍ تَبقى منه. والجَذرانِ يَتَشارَكانِ الذَّيلَ عَل (ظُهورٌ من عُمقٍ ثُمَّ تَعَلُّقٌ مُستَقِلّ) ويَفتَرِقانِ في الصَّدر: ج إمساكٌ يُبرِزُ ما أُمسِك، وف شَقٌّ يَنفُذُ ويُفَرِّق. فلِلجَعلِ ما يُوضَع ولِلفِعلِ لا شَيءَ يُحمَل. ويُصَدِّقُه المُسَجَّل: الجَعلُ يَستَوفي حَيِّزَه في سَبعةٍ وعِشرينَ مَوضِعاً من سَبعةٍ وعِشرينَ في السُّوَرِ السِّتِّ المَجرودة، والفِعلُ لا يُسَمّي مَفعولَه إلّا مَرّةً واحِدةً في إحدى وعِشرين. انظُر الفِعل.
amal(العَمَل، ع-م-ل): ما صَدَرَ عن باطِنٍ فانضَمَّ وتَعَلَّقَ
بِصاحِبِه وتَمَيَّز. والفَرقُ في جِهَةِ الحَرَكة: العَمَلُ يَخرُجُ من صاحِبِه إليه، والجَعلُ يَنزِلُ على مَحَلِّه من خارِجِه. ولِذلكَ يُنسَبُ العَمَلُ إلى الأيدي (٣٦:٣٥) ولا يُنسَبُ الجَعلُ إلى يَدٍ في المُسَجَّلِ قَطّ.
amr(الأمر، أ-م-ر): نَفاذُ القَصدِ في إيجادِ الشَّيءِ أو طَلَبِه.
والأمرُ يَقَعُ بِكَلِمةٍ («كُن فيَكون»، ٣٦:٨٢)، والجَعلُ يَقَعُ على مَوجودٍ فيُنقَلُ. فما بَعدَ الأمرِ ذاتٌ، وما بَعدَ الجَعلِ مَنزِلة.
qadr(القَدر، ق-د-ر): وَضعُ مِقدارٍ لِلشَّيء. والقَدرُ حَدٌّ في
الشَّيءِ نَفسِه، والجَعلُ مَوقِعٌ لَه بَينَ غَيرِه. وقد تَجاوَرا في ٨٧:٣ و٨٧:٥ فتَبَيَّنَ التَّرتيب: يُقَدَّرُ ثُمَّ يُهدى ثُمَّ يُخرَجُ ثُمَّ يُجعَل.
المَواضع: مَواقعُ الجَعل في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٩ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ على يَدِ الإنسانِ لا يَدِ الله، وفي وَضعٍ حِسِّيٍّ مَحض: عُضوٌ يُنقَلُ إلى حَيِّزٍ لِيَسُدَّه. فيُقرَأُ الجَذرُ من أوَّلِ مَوضِعٍ على الوَضعِ في المَحَلِّ لا على الإنشاء، ويَثبُتُ الحَيِّزُ («في آذانِهِم») قَبلَ أن تَثبُتَ المَنزِلة. والمَجعولُ أصابِعُهُم وهي قائِمةٌ قَبلَ الجَعل، فلَيسَ في الفِعلِ إحداثٌ بَل نَقل. انظُر السَّمع.
- ٢:٢٢ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾: أوَّلُ إسنادٍ إلى الله. الجَديدُ: تَقَعُ الآيةُ بَعدَ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ مُباشَرةً وبِالصِّلةِ نَفسِها، فيُعرَضُ الفَرقُ بَينَ الجَذرَينِ عَرضاً مَضبوطاً: الخَلقُ مَفعولٌ واحِدٌ («كُم») ولا شَيءَ بَعدَه، والجَعلُ لامُ انتِفاعٍ («لَكُم») ومَفعولانِ («الأرضَ فِراشاً»). فالأرضُ لم تُنشَأ بِهذا الفِعلِ بَل جُعِلَت فِراشاً، وهي مَوجودةٌ ومَوصوفةٌ بِغَيرِ ذلك. وفي الآيةِ نَفسِها أوَّلُ نَهيٍ ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾، فيُقابَلُ جَعلُ اللهِ لِلنّاسِ بِجَعلِ النّاسِ لِلهِ في نَفَسٍ واحِد: هو يُنزِلُ الشَّيءَ مَنزِلَتَه، وهُم يُنزِلونَ الشَّيءَ غَيرَ مَنزِلَتِه. انظُر الشِّرك.
- ٢:٣٠ ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾: اسمُ الفاعِل. الجَديدُ: يَنتَقِلُ الجَذرُ من الفِعلِ إلى الوَصفِ اللّازِم، ويُعلَنُ الجَعلُ قَبلَ وُقوعِه لا بَعدَه. والمَجعولُ مَنزِلةٌ («خَليفةً») في حَيِّزٍ مُصَرَّحٍ بِه («في الأرض»). والاعتِراضُ يَقَعُ بِالفِعلِ نَفسِه («أتَجعَلُ») لا بِالخَلق: لم يُسأَل عن إيجادِ هذا الصِّنفِ بَل عن تَولِيَتِه، فيَنكَشِفُ أنَّ المُتَنازَعَ عليه مَوقِعٌ لا وُجود. انظُر الخَليفة.
- ٢:٦٦ ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾: التَّصييرُ بَعدَ واقِعة. الجَديدُ: يَقَعُ الجَعلُ على ما سَبَقَ ذِكرُه بِالضَّميرِ وَحدَه («ها»)، فيَتَحَقَّقُ في اللَّفظِ أنَّ المَجعولَ مَعروفٌ قَبلَ الجَعل. والمَنزِلةُ هُنا مُتَعَدِّدة («نَكالاً» و«مَوعِظةً») ولِكُلٍّ مِنهُما جِهةٌ يُنظَرُ منها («لِما بَينَ يَدَيها» و«لِلمُتَّقين»)، فيَثبُتُ أنَّ المَنزِلةَ لا تُقَوَّمُ في نَفسِها بَل بِمَن هي عِندَه.
- ٢:١٢٤ ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾: المَنزِلةُ تَنزِلُ بِشَخصٍ بِعَينِه. الجَديدُ: يُضافُ اسمُ الفاعِلِ إلى مَفعولِه («جاعِلُكَ») فيَلتَصِقُ الجاعِلُ بِالمَجعول، ويَتَقَدَّمُها ابتِلاءٌ وإتمام: لا تُوضَعُ المَنزِلةُ ابتِداءً بَل بَعدَ اختِبارٍ يَسبِقُها. و«لِلنّاسِ» تُعَرِّفُ الإمامةَ بِمَن هي لَهُم لا بِصاحِبِها. ثُمَّ يُطلَبُ مَدُّها في الذُّرِّيّةِ فتُمنَعُ عن الظّالِمين، فيَظهَرُ أنَّ المَنزِلةَ لا تُورَثُ بِالنَّسَبِ وأنَّها تُمنَعُ كَما تُوضَع. انظُر الإمام.
- ٢:١٤٣ ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: المَنزِلةُ تَنزِلُ بِجَماعة. الجَديدُ: تُذكَرُ لَها غايةٌ بِلامِ التَّعليلِ («لِتَكونوا شُهَداءَ»)، وهو أوَّلُ مَوضِعٍ لا يَقِفُ فيه الجَعلُ عِندَ المَنزِلةِ بَل يُتبِعُها بِما تُطلَبُ لَه. فتُقرَأُ الوَسَطيّةُ وَظيفةً لا وَصفَ شَرَف. و«كَذلك» تَرُدُّ الجَعلَ إلى ما قَبلَه من تَحويلِ القِبلة، فيَجتَمِعُ في السِّياقِ نَقلُ مَكانٍ ونَقلُ مَنزِلة. انظُر الأُمَّة.
- ٢:٢٢٤ ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾: النَّهيُ والمَفعولُ الأوَّلُ هو اللهُ نَفسُه. الجَديدُ: بَلَغَ جَعلُ الإنسانِ أن يُنزِلَ اللهَ مَنزِلةً، فيُنهى عنه. وهو الشّاهِدُ الذي يُتِمُّ ما بَدَأَ في ٢:٢٢: مَواضِعُ جَعلِ البَشَرِ في المُسَجَّلِ خَمسةٌ فَقَط، اثنانِ منها مَنهِيٌّ عنهُما وهُما وَحدَهُما اللَّذانِ يُثبِتُ فيهِما الإنسانُ مَنزِلة، والثَّلاثةُ الباقيةُ وَضعٌ حِسِّيٌّ (٢:١٩ و٢:٢٦٠) أو وَضعٌ لِلَعنةٍ لَيسَت من عِندِهِم (٣:٦١). فالقاعِدةُ مُطَّرِدةٌ في المُسَجَّلِ: لا يُثبِتُ الإنسانُ مَنزِلةً إلّا وهو مَلومٌ عليها.
- ٣:٥٥ ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: رُتبةٌ نِسبيّةٌ مُؤَقَّتة. الجَديدُ: الحَيِّزُ هُنا ظَرفُ مَكانٍ نِسبيٌّ («فَوقَ») لا وَصفٌ قائِمٌ بِالمَجعول، فلا تُعرَفُ المَنزِلةُ إلّا بِطَرَفٍ آخَرَ تُقاسُ عليه. ويُذكَرُ لَها أمَدٌ يَنتَهي إليه («إلى يَومِ القِيامة»)، فتَثبُتُ أنَّ الجَعلَ قد يُوَقَّتُ ولا يَلزَمُ أن يَدومَ دَوامَ المَجعول. وهذا لا يَستَقيمُ في الخَلقِ ويَستَقيمُ في المَوقِع.
- ١٧:٢ ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: المَجعولُ يُسَمّى بِفِعلٍ سابِقٍ عليه في الآيةِ نَفسِها. الجَديدُ: يَتَقَدَّمُه ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، فالإيتاءُ يُثبِتُ العَينَ والجَعلُ يُنزِلُها مَنزِلَتَها، ويُفصَلُ بَينَ الفِعلَينِ في اللَّفظِ فَصلاً لا يَحتاجُ إلى تَقدير. والمَنزِلةُ مُقَيَّدةٌ بِمَن هي لَهُم («لِبَني إسرائيل») كَما قُيِّدَتِ الإمامةُ في ٢:١٢٤ بِـ«لِلنّاس»، فيَثبُتُ أنَّ الهُدى في هذا المَوضِعِ مَوقِعُ الكِتابِ عِندَ قَومٍ لا صِفةٌ قائِمةٌ فيه.
- ١٧:٨ ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾: المَجعولُ مَوضِعٌ لا عَينٌ تُنقَل. الجَديدُ: يَقَعُ الجَعلُ على مَكانٍ قائِمٍ فيُنزِلُه مَنزِلةَ الحابِسِ («حَصيراً»)، فلا يُنشَأُ المَكانُ بِالفِعلِ ولا تُنشَأُ فيه صِفة، وإنَّما يُوصَلُ بِمَن هو حَصيرٌ عليهِم. وتَجتَمِعُ الخاناتُ الثَّلاثُ في سَطرٍ واحِد: المَجعولُ ولامُ مَن هو لَهُم والمَنزِلة. وفي ١٧:١٨ تَنتَقِلُ جَهَنَّمُ نَفسُها إلى الخانةِ الأُخرى فتَصيرُ هي المَنزِلةَ لِمَن أرادَ العاجِلة، فتُقرَأُ العَينُ الواحِدةُ في الخانَتَين.
- ١٧:١٢ ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾: جَعلانِ في آيةٍ واحِدة، والثّاني يَقَعُ على حاصِلِ الأوَّل. الجَديدُ: يُجعَلُ اللَّيلُ والنَّهارُ «آيَتَينِ» أوَّلاً، ثُمَّ تَصيرُ «آيةُ النَّهارِ» مَفعولاً أوَّلَ لِجَعلٍ ثانٍ يُنزِلُها مَنزِلةَ المُبصِرة. فالمَنزِلةُ المَوضوعةُ تَصلُحُ أن تُؤخَذَ مَجعولاً في جَعلٍ بَعدَها، وهذا أوَّلُ تَراكُبٍ لِلفِعلِ على أثَرِه في المُصحَفِ المَنشور. والمَجعولُ مُثَنّىً والمَنزِلةُ مُثَنّاةٌ مَعَه، ثُمَّ يُفَرَّقُ بَينَ الاثنَينِ بِمَحوٍ وإبصار.
- ١٧:٢٢ ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ﴾: النَّهيُ يَنزِلُ من الجَمعِ إلى الواحِد. الجَديدُ: كانَ النَّهيُ في ٢:٢٢ و٢:٢٢٤ لِجَماعةٍ («لا تَجعَلوا»)، وهُنا يُفرَدُ المُخاطَبُ فيَصيرُ إثباتُ المَنزِلةِ فِعلاً يُحاسَبُ عليه الواحِد. والحَيِّزُ حَرفُ مُصاحَبةٍ («مَعَ اللهِ») لا لامُ انتِفاعٍ ولا ظَرفُ عُلُوّ، وهو وَجهٌ رابِعٌ لِلخانةِ نَفسِها. ويُعادُ النَّهيُ بِلَفظِه في ١٧:٣٩ وجَوابُه هُناكَ إلقاءٌ في جَهَنَّمَ وهُنا قُعودٌ مَذموم. وهذا وخَمسةُ مَواضِعَ أُخَرَ في السّورَتَينِ تُخرِجُ جَعلَ البَشَرِ عن الخَمسةِ المَحصورةِ في مَدخَلِ ٢:٢٢٤، وذلك العَدَدُ مَجرودٌ على السُّوَرِ السِّتِّ كَما في قَيدِ القِسمِ السّابِع.
- ١٧:٢٩ ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾: نَهيٌ عن وَضعٍ حِسِّيّ. الجَديدُ: الوَضعُ الحِسِّيُّ في ٢:١٩ و٢:٢٦٠ لم يُلَمْ عليه أحَد، والمَلومُ إنَّما كانَ إثباتَ المَنزِلة. وهُنا يُنهى عن وَضعٍ صورَتُه صورةُ ٢:١٩ نَفسُها، عُضوٌ يُنقَلُ إلى حَيِّزٍ بِحَرفِ «إلى»، فتَنكَسِرُ القِسمةُ بَينَ وَضعٍ لا يُلامُ ومَنزِلةٍ يُلامُ عليها. ويُقرَأُ اللَّومُ من الحالِ لا من مُجَرَّدِ النَّقل: اليَدُ مَغلولةٌ فالمَنزِلةُ ثابِتةٌ فيها، ويُنهى في الآيةِ نَفسِها عن الطَّرَفِ المُقابِلِ فيَكونُ المَنهِيُّ عنه طَرَفَي الحال.
- ١٧:٣٣ ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾: الجَعلُ جَواباً لِشَرطٍ فِعلُه من البَشَر. الجَديدُ: يَتَرَتَّبُ الجَعلُ على واقِعةٍ يَصنَعُها النّاسُ لا على ابتِلاءٍ سابِقٍ كَما في ٢:١٢٤، ويُصَدَّرُ بِـ«فَقَد» جَواباً لِلشَّرط. والمَجعولُ «سُلطاناً» لَيسَ عَيناً قائِمةً قَبلَ الفِعل، فيُقرَأُ حَقّاً يَثبُتُ لِصاحِبِه، وهو من جِنسِ إشكالِ ٩٠:٨ المُسَجَّلِ في القِسمِ السّادِس. والمَجعولُ لَه ثالِثٌ لا القاتِلُ ولا المَقتول، فتُنقَلُ المَنزِلةُ إلى مَن لم تَقَع الواقِعةُ بِه.
- ١٧:٦٠ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾: نَفيٌ مَعَه استِثناء. الجَديدُ: يُنفى الجَعلُ ثُمَّ يُستَثنى منه واحِدٌ، فلا يُنفى الفِعلُ في نَفسِه بَل تُحصَرُ المَنزِلة: لم تُوضَعِ الرُّؤيا في مَوقِعٍ غَيرِ الفِتنة. وهو أوَّلُ حَصرٍ لِلمَجعولِ فيه في المُصحَفِ المَنشور، ويُفارِقُ نَفيَ ٣:١٧٦ الذي لا استِثناءَ فيه. والمَجعولُ مُسَمّىً بِفِعلٍ سابِقٍ («أرَيناكَ») كَما في ١٧:٢، ويُعطَفُ عليه ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ فتَشتَرِكُ عَينانِ مُختَلِفَتانِ في مَنزِلةٍ واحِدة.
- ١٧:٨٠ ﴿وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾: دُعاءٌ يُسَمّي الجِهةَ التي منها يُجعَل. الجَديدُ: لم تُسَمَّ في المُسَجَّلِ جِهةُ المَجعولِ بِـ«مِن» إلّا في ٣٦:٨٠، وتِلكَ مادّةٌ يُخرَجُ منها وهذه جِهةٌ يُؤتى منها، فتَتِمُّ لِلحَرفِ وَظيفَتانِ لا واحِدة. والمَجعولُ «سُلطاناً» هو لَفظُ ١٧:٣٣ بِعَينِه: هُناكَ يُوضَعُ لِلوَليِّ بِغَيرِ طَلَبٍ منه، وهُنا يُطلَبُ لِلنَّفسِ بِصيغةِ الأمر. فيَجتَمِعُ لِلمَنزِلةِ الواحِدةِ وَجهانِ في سورةٍ واحِدة: تُوضَعُ وتُسأَل.
- ١٧:٩٩ ﴿قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا﴾: اجتِماعُ الجَذرَينِ في آيةٍ واحِدة. الجَديدُ: هو المَوضِعُ الذي أسقَطَ إطلاقَ «لا يَجتَمِعانِ في آيةٍ واحِدة» في القِسمَينِ الثّالِثِ والخامِس، وقد حُمِلَ ذلك الإطلاقُ على السُّوَرِ السِّتِّ المَجرودة. والفَرقُ قائِمٌ في الآيةِ نَفسِها كَما وُصِف: الخَلقُ بِمَفعولٍ واحِدٍ («مِثلَهُم») والجَعلُ بِلامِ انتِفاعٍ ومَنزِلة («لَهُم أجَلاً»). والمَجعولُ هُنا أمَدٌ لا عَينٌ ولا وَصف، وهو أبعَدُ ما بَلَغَه المَجعولُ في تَجَرُّدِه، ويُوصَفُ بَعدَه بِأنَّه لا رَيبَ فيه فيَثبُتُ الأمَدُ كَما تَثبُتُ الأعيان.
- ٢٠:٢٩ ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي﴾: أوَّلُ دُعاءٍ تُطلَبُ فيه مَنزِلةٌ لِغَيرِ الدّاعي. الجَديدُ: طَلَبُ ٢:١٢٦ كانَ لِبَلَد، وطَلَبُ ٢:١٢٨ لِلدّاعي وذُرِّيَّتِه، وهُنا يُطلَبُ الجَعلُ لِشَخصٍ آخَرَ يُسَمّى في الآيةِ التّالِيَة. والحَيِّزُ لامانِ لا لامٌ واحِدة: «لي» لِمَن يَنتَفِعُ بِالمَنزِلة، و«مِن أهلي» لِلجِهةِ التي يُؤخَذُ منها المَجعول، فتَعودُ صورةُ ١٧:٨٠ في السّورةِ التّالِيَةِ لَها بِمَجعولٍ هو إنسان.
- ٢٠:٥٣ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾: الصِّلةُ نَفسُها والمَجعولُ نَفسُه ومَنزِلةٌ أُخرى. الجَديدُ: هو لَفظُ ٢:٢٢ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ حَرفاً بِحَرفٍ إلى المَفعولِ الثّاني، ثُمَّ يُبدَلُ «فِراشاً» بِـ«مَهداً». فيَثبُتُ في اللَّفظِ ما بُنِيَ عليه هذا المَفهومُ كُلُّه: المَنزِلةُ لَيسَت ذاتَ المَجعول، إذ لو كانَت ذاتَه لَما احتَمَلَ مَنزِلَتَينِ في مُصحَفٍ واحِد. وتَتلوه أفعالُ سَلكٍ وإنزالٍ وإخراج، فيَقَعُ الجَعلُ أوَّلَ السِّلسِلةِ لا آخِرَها كَما وَقَعَ في ٨٧:٥.
- ٢٠:٥٨ ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ﴾: أمرٌ بِالجَعلِ من إنسانٍ لِإنسان. الجَديدُ: يَقولُ القِسمُ الثّاني إنَّ الإنسانَ لا يُؤمَرُ في المُسَجَّلِ بِأن يُثبِتَ مَنزِلةً قَطُّ، وذلك حُكمٌ مَجرودٌ على السُّوَرِ السِّتِّ كَما في قَيدِ القِسمِ السّابِع، وهُنا يُؤمَرُ بَشَرٌ من بَشَرٍ فلا يُمنَعُ ولا يُلام. والمَجعولُ «مَوعِداً» نِسبةٌ مَحضةٌ بَينَ طَرَفَين، وحَيِّزُه ظَرفٌ يُسَمّي الطَّرَفَينِ («بَينَنا وبَينَك»)، فيَبلُغُ الجَعلُ أدَقَّ ما يَبلُغُه: لا عَينٌ تُنقَلُ ولا صِفةٌ تُثبَت، بَل مَوقِعٌ يَتَواضَعُ عليه اثنان.
- ٣٦:٨٠ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾: تَسميةُ المادّةِ بِـ«مِن». الجَديدُ: تَعودُ صيغةُ ٢:٢٢ بِلَفظِها («الَّذي جَعَلَ لَكُم») وتُزادُ عليها مادّةٌ مُصَرَّحٌ بِها، وبَينَ المادّةِ والحاصِلِ تَضادٌّ (أخضَرُ ونار). فيَبلُغُ الجَعلُ أقصى ما يَبلُغُه من التَّحويلِ وهو لا يَزالُ ناقِلاً لا مُنشِئاً: النّارُ لَم تُخلَق هُنا، بَل أُخرِجَت مِمّا هو قائِم. ويَتلوها في الآيةِ التّاليةِ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ بِالصِّلةِ نَفسِها وبِلا مادّةٍ ولا مَنزِلة، فتَقَعُ الصِّلَتانِ مُتَجاوِرَتَينِ لِلمَرّةِ الثّانيةِ في المُصحَفِ المَنشور. انظُر الشَّجَرة.
- ٨٧:٥ ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ﴾: الجَعلُ نازِلاً. الجَديدُ: تَنتَهي سِلسِلةُ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾ و﴿قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ و﴿أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ﴾ بِالجَعل، فيَقَعُ آخِرَ أفعالِ السِّلسِلةِ ويَقَعُ على آخِرِ ما أنتَجَتْه. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ تَكونُ فيه المَنزِلةُ أدنى مِمّا كانَ عليه المَجعول: مَرعىً يَصيرُ غُثاءً. فيَثبُتُ أنَّ الجَعلَ لا يَحمِلُ في نَفسِه تَشريفاً ولا وَضعاً، وأنَّ الخَلقَ في هذه السّورةِ لا يُتبَعُ إلّا بِتَسوِيَةٍ وهِدايةٍ ولا يُتبَعُ بِانحِطاط. انظُر الخَلق.
- ٩٠:٨ ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾: أقرَبُ مَواضِعِه إلى الخَلق. الجَديدُ: المَجعولُ هُنا لَيسَ قائِماً قَبلَ الجَعلِ في ظاهِرِ اللَّفظ، فيَقتَرِبُ الفِعلُ من الإنشاء. غَيرَ أنَّ الحَيِّزَ مَذكورٌ ولا يَسقُط («لَه»)، فالعَينانِ مَجعولَتانِ لِصاحِبِهِما لا مُنشَأتَينِ في ذاتِهِما، ولم يُقَل «ألَم نَخلُقْ لَه عَينَين». وصيغةُ الاستِفهامِ التَّقريريِّ تَجعَلُ الجَعلَ دَيناً يُطالَبُ بِه لا خَبَراً يُساق، وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يُحتَجُّ فيه بِالجَعلِ على المَجعولِ لَه.
- ١٠٥:٥ ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾: آخِرُ مَواضِعِ الجَذرِ في المُصحَفِ المَنشور. الجَديدُ: يَقومُ مَقامَ المَفعولِ الثّاني تَشبيهٌ بِالكاف («كَعَصفٍ») لا اسمٌ صَريح، فتُبلَغُ المَنزِلةُ بِأبعَدِ ما تُبلَغُ بِه: لا وَصفاً ولا مَوضِعاً بَل مِثالاً. والمَجعولونَ بَشَرٌ أحياء، بَعدَ أن كانَ المَجعولُ في ٨٧:٥ نَباتاً. وقَبلَه في السّورةِ ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾: جَعلٌ يَقَعُ على فِعلِهِم لا على ذَواتِهِم فيَرُدُّه عليهِم. فتَختِمُ السّورةُ الجَذرَ بِجَعلَينِ يُجيبانِ سُؤالَ أوَّلِها ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾. انظُر الكَيد.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ الخَلق في ٢:٢١ و٢:٢٢ ثُمَّ ٣٦:٨٠ و٣٦:٨١ ثُمَّ ٨٧:٢ و٨٧:٥:
ثَلاثةُ مَواضِعَ يَتَجاوَرُ فيها الجَذرانِ في آيَتَينِ مُتَتالِيَتَين، ولا يَجتَمِعانِ في آيةٍ واحِدةٍ في السُّوَرِ السِّتِّ المَجرودة، وقد اجتَمَعا في ١٧:٩٩ مِمّا نُشِرَ بَعدَها. والتَّجاوُرُ في مَوضِعَينِ منها بِصِلةِ «الَّذي» نَفسِها، فيَصيرُ الفَرقُ بَينَهُما مَقروءاً من التَّركيبِ لا مَحمولاً عليه.
- مَعَ الفِعل في ١٠٥:١ و١٠٥:٢ و١٠٥:٥: تَفتَتِحُ السّورةُ
بِسُؤالٍ عن الفِعلِ بِـ«كَيفَ»، وتُجيبُ عنه بِـجَعلَين. فالفِعلُ يُسَمّي الحَدَثَ جُملةً والجَعلُ يُفَصِّلُ ما وَقَعَ فيه، وهو أوضَحُ مَوضِعٍ في المُصحَفِ المَنشورِ يَتَوَزَّعُ فيه الجَذرانِ عَمَلَهُما.
سورةٍ واحِدةٍ وبِاسمِ الفاعِلِ نَفسِه، وفي كِلَيهِما تُنازَعُ المَنزِلةُ أو تُقَيَّد: هُناكَ اعتِراضُ المَلائِكة، وهُنا مَنعُ الظّالِمينَ من العَهد.
- مَعَ الشِّرك في ٢:٢٢ و٢:٢٢٤: النَّهيانِ الوَحيدانِ عن جَعلِ
البَشَرِ في المُسَجَّل، وفي كِلَيهِما المَنزِلةُ تُوضَعُ في حَقِّ اللهِ نَفسِه: نِدّاً مَرّةً وعُرضةً مَرّة.
أصابِعَه في أُذُنَيه، ثُمَّ يُجعَلُ من بَينِ يَدَيه سَدٌّ ومِن خَلفِه سَدٌّ فلا يُبصِر. فِعلٌ واحِدٌ يَقَعُ على الحاسّةِ مَرّةً من صاحِبِها ومَرّةً عليه.
- مَعَ الآيات في ٢:٢٥٩ و٣:٤١: المَجعولُ آيةٌ مَرّةً بِغَيرِ
طَلَبٍ ومَرّةً بِطَلَب، فيُقرَأُ الجَعلُ في البابَينِ واحِداً وإن اختَلَفَ المُبتَدِئُ بِه.
الإشكالات المَفتوحة
- ٩٠:٨ ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾: أهو نَقلٌ أم إنشاء؟ إن كانَ
إنشاءً سَقَطَ الفَرقُ الذي قامَ عليه هذا المَفهومُ بَينَ الجَعلِ والخَلق، وإن كانَ إثباتاً لِعُضوٍ في صاحِبِه بَقِيَ الفَرق. والقَرينةُ اللَّفظيّةُ («لَه») تُرَجِّحُ الثّاني، ولَيسَ في المُسَجَّلِ ما يَقطَعُ بِه. مَفتوح.
- خُلُوُّ الجَذرِ من المَصدَرِ والجَمعِ: سَبعةٌ وعِشرونَ مَوضِعاً بِلا
مَصدَرٍ ولا جَمعٍ ولا صيغةِ مُبالَغة، بَينَما لِلخَلقِ «الخَلق» و«الخَلّاق» ولِلفِعلِ «فَعّال». أهذا حُكمٌ في الجَذر (لِأنَّ حاصِلَه نِسبةٌ لا عَين) أم أثَرُ ما نُشِرَ من السُّوَرِ فَحَسب؟ يُختَبَرُ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ جَديدة. مَفتوح.
- ٢:٣٠: أالمَجعولُ ذاتٌ أم مَنزِلة؟ «جاعِلٌ في الأرضِ خَليفةً»
يَحتَمِلُ أن يَكونَ «خَليفةً» مَفعولاً أوَّلَ لِذاتٍ تُنشَأ، ويَحتَمِلُ أن يَكونَ المَنزِلةَ لِذاتٍ مَعلومة. وسُؤالُ المَلائِكةِ عن السّيرةِ («مَن يُفسِدُ فيها») لا عن الإيجادِ يُرَجِّحُ الثّاني. مَفتوح.
- ٣:٦١ ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾: الفاعِلُ
جَماعةٌ من البَشَرِ والمَوضوعُ لَعنةُ الله. أهو نَقضٌ لِقاعِدةِ أنَّ الإنسانَ لا يُثبِتُ مَنزِلةً إلّا مَلوماً، أم تَأكيدٌ لَها لِأنَّ المَوضوعَ لَيسَ من عِندِهِم وإنَّما يُستَنزَل؟ مَفتوح.