الإفضاء
شَقٌّ يَتَّسِعُ حتّى يُفضِيَ إلى ما وَراءَه. الإفضاءُ بُلوغُ الطَّرَفِ الطَّرَفَ الآخَرَ في مُتَّسَعٍ لا يَبقى فيه ما يَحجُز. ولا يَرِدُ الجَذرُ في القرآنِ إلّا مَرّةً واحِدة: وُصولٌ مُتَبادَلٌ بَينَ «بَعضِكُم» و«بَعضٍ».
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف، آخِرُها واو:
- ف: استِنادُ الشَّفةِ السُّفلى إلى أطرافِ الثَّنايا العُليا يَشُقُّ مَجرىً
ضَيِّقاً يَنفُذُ مِنه النَّفَس. شِحنَتُه: الشقُّ والانفتاحُ الضيّق.
- ض: انطِباقٌ عَريضٌ ثَقيلٌ لِحافّةِ اللِّسانِ يَحتَبِسُ تَحتَه النَّفَس، ثُمَّ
يَنفَرِجُ عَنه مُنبَسِطاً بِثِقَلِه. شِحنَتُه: الانفراجُ والانبساطُ والخروج.
- و: تَستَديرُ الشَّفَتانِ حَلقةً على مَجرى النَّفَسِ من غَيرِ سَدّ، ثُمَّ
تَنفَرِجُ الحَلقةُ فتُفضي بِالصَّوتِ إلى ما يَليه. شِحنَتُه: الانفراج والإفضاء.
النَّواةُ فض (ف + ض) = شَقٌّ يَنفَتِحُ ثُمَّ يَنفَرِجُ مُنبَسِطاً فيَتَّسِعُ ما كانَ ضَيِّقاً. ثُمَّ و (الانفراج والإفضاء) تَنفَرِجُ بِهذا المُتَّسَعِ فتُفضي بِه إلى ما وَراءَه. فالجذرُ ف-ض-و حرفيّاً شَقٌّ يَتَّسِعُ حتّى يُفضِيَ إلى ما وَراءَه، فلا يَبقى بَينَ الطَّرَفَينِ ما يَحجُز.
ومنه في كَلامِ العَرَب:
- الفَضاء: المَكانُ الواسِعُ الخالي، وفَضا المَكانُ: اتَّسَع. الشَّقُّ
وقد تَمَّ اتِّساعُه فصارَ مُتَّسَعاً لا حاجِزَ فيه.
- أفضى إلى الشَّيء: وَصَلَ إلَيه وُصولاً لم يَبقَ بَينَهُما حائِل، و**أفضى
بِيَدِه إلى الأرض**: مَسَّها بِباطِنِ كَفِّه بِلا حائِل. المُتَّسَعُ يُعبَرُ فيُبلَغُ ما وَراءَه.
- أفضى إلَيه بِسِرِّه: أوصَلَه إلَيه كُلَّه. الباطِنُ يَنفَتِحُ لِلآخَرِ
فيَبلُغُ ما فيه.
الشِّحنةُ الجامِعةُ لِلجَذرِ ف-ض-و: مُتَّسَعٌ يَنفَتِحُ حتّى يَبلُغَ الطَّرَفُ الطَّرَفَ الآخَرَ بِلا حائِل. فالفَضاءُ هو المُتَّسَعُ نَفسُه، والإفضاءُ إلى الشَّيءِ عُبورُه إلى ما وَراءَه، والإفضاءُ بِالسِّرِّ فَتحُ الباطِنِ لِمَن يُفضى إلَيه: مَعنىً واحِدٌ يَتَغَيَّرُ فيه ما يُفتَح. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في مَوضِعِها الوَحيدِ في ثَلاثِ مَسائِل:
الأولى: لِماذا يَتَعَدّى الفِعلُ بِـ«إلى» لا بِنَفسِه. الجَذرُ اتِّساعٌ يَنتَهي إلى ما وَراءَه، فلا يَقَعُ الفِعلُ على مَفعولٍ يُتَناوَل، ولَه مُنتَهىً يُبلَغ. و«إلى» تُسَمّي هذا المُنتَهى: «إِلَىٰ بَعْضٍ».
الثّانية: لِماذا يُسنَدُ إلى «بَعضُكُم» ويَنتَهي إلى «بَعضٍ». ما دامَ الجَذرُ زَوالَ ما يَحجُزُ بَينَ طَرَفَين، فالفِعلُ لا يَقَعُ من جِهةٍ واحِدة: إذا اتَّسَعَ ما بَينَ اثنَينِ بَلَغَ كُلٌّ مِنهُما الآخَر. فجاءَ الفاعِلُ والمُنتَهى من جِنسٍ واحِد، بَعضانِ من «كُم» واحِد، ولا يُسَمّى في العِبارةِ واصِلٌ ولا مَوصولٌ إلَيه.
الثّالثة: لِماذا يُكتَفى بِالفِعلِ عن تَفصيلِ ما وَقَع. الجَذرُ يُسَمّي زَوالَ ما بَينَ الطَّرَفَينِ ولا يُسَمّي ما يَعبُرُ المُتَّسَع، فالعِبارةُ تُسَمّي القُربَ بِما رُفِعَ فيه ولا تُفَصِّلُ ما جَرى فيه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- أَفْضَىٰ (ماضٍ على أفعَل، لازِمٌ يَتَعَدّى بِـ«إلى»، فاعِلُه «بَعضُكُم»،
مَسبوقٌ بِـ«قَد» في جُملةٍ حالِيّة): المَوضِعُ الوَحيدُ لِلجَذرِ في القرآنِ كُلِّه (٤:٢١). وَزنُ أفعَلَ هُنا صَيرورةٌ لا تَعدِية: الفاعِلُ يَصيرُ إلى المُتَّسَعِ فيَبلُغُ بِه ما وَراءَه، و«قَد» مَعَ الماضي تُثبِتُه تامّاً قَبلَ السُّؤال.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: المُتَّسَعُ الذي يُفضي من الحُروف، والوَزنُ يَجعَلُه
بُلوغاً يَقَعُ من الفاعِل. ولا يَرِدُ من الجَذرِ في القرآنِ اسمٌ ولا مُضارِعٌ
ولا أمر، ولَفظُ «الفَضاء» من كَلامِ العَرَبِ ولا يَرِدُ في القرآن.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
dukhul(الدُّخول، د-خ-ل): عُبورُ حَدٍّ إلى حَيِّزٍ يَلتَحِقُ بِه الدّاخِل،
والحَدُّ قائِمٌ والدّاخِلُ وَراءَه، والإفضاءُ اتِّساعٌ يَزولُ بِه ما بَينَ الطَّرَفَين. وفي السّورةِ نَفسِها يُسَمّى القُربُ بِالجَذرِ الآخَرِ في «دَخَلْتُم بِهِنَّ» (٤:٢٣).
mas(المَسّ، م-س-س): تَلاصُقٌ كَثيفٌ يَجتَمِعُ على الشَّيءِ حتّى يُحيطَ
بِه، والإفضاءُ بُلوغٌ لا يَبقى مَعَه حائِل. فالمَسُّ يُسَمّي ما يَلتَصِقُ ويَجتَمِع، والإفضاءُ يُسَمّي ما يُرفَعُ بَينَ الطَّرَفَين.
wasl(الوَصل، و-ص-ل): رِباطٌ مَتينٌ يَشُدُّ بَينَ شَيئَينِ ويَحمِلُ ثِقَلَ
ما بَينَهُما، والإفضاءُ زَوالُ ما بَينَهُما. فالوَصلُ يُبقي طَرَفَينِ يَربِطُهُما شَيء، والإفضاءُ يَبلُغُ فيه الطَّرَفُ الطَّرَفَ بِلا واسِطة.
المَواضع: مَواقعُ الإفضاءِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٤:٢١ ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح، والمَوضِعُ الوَحيدُ لِلجَذرِ في القرآن. «أفضى» ماضٍ مَسبوقٌ بِـ«قَد» في جُملةٍ حالِيّةٍ بَعدَ سُؤالٍ عن هَيئةِ الأخذ، فاعِلُه «بَعضُكُم» ومُنتَهاه «إِلَىٰ بَعْضٍ». الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ القرآنَ وُصولاً مُتَبادَلاً رُفِعَ فيه ما بَينَ الطَّرَفَين: يُسنَدُ إلى بَعضٍ من «كُم» ويَنتَهي إلى بَعضٍ مِنه، فلا يُسَمّى فيه واصِلٌ ولا مَوصولٌ إلَيه. ويَقِفُ حالاً تَمَّت أمامَ الأخذِ المُنكَر، ويَعقُبُه في الآيةِ مِيثاقٌ غَليظٌ أخَذَه النِّساء. انظُر البَعض / التَّبعيض.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ البَعض / التَّبعيض في ٤:٢١: «بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ» تَجمَعُ الطَّرَفَينِ في
ضَميرٍ واحِدٍ ثُمَّ تَقسِمُه، والإفضاءُ يُسَمّي ما يَنفَتِحُ بَينَ القِسمَين. فيَلتَقي جَذرٌ يَقسِمُ الواحِدَ بَعضَينِ وجَذرٌ يُزيلُ ما بَينَ البَعضَين.
حالانِ ماضِيَتانِ بَعدَ «كَيفَ»: إفضاءٌ رُفِعَ فيه ما بَينَ الطَّرَفَين، ومِيثاقٌ غَليظٌ شَدَّ أحَدَهُما إلى الآخَر، والأخذُ يَنقَلِبُ بَينَهُما: الذينَ يُريدونَ أن يَأخُذوا قد أُخِذَ مِنهُم. فالإفضاءُ يُسَمّي القُربَ بِما زالَ بَينَ الطَّرَفَين، والمِيثاقُ يُسَمّيه بِما شُدّ.
- مَعَ الإثم في ٤:٢٠: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ ثُمَّ
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾. سُؤالانِ مُتَتابِعانِ عن أخذٍ واحِد: الأوَّلُ يُسَمّيه إثماً مُبيناً، والثّاني يَسأَلُ عن هَيئَتِه ويَضَعُ الإفضاءَ أمامَه.
- مَعَ الزَّوج في ٤:٢٠: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ﴾.
الآيةُ السّابِقةُ تُسَمّي الطَّرَفَينِ زَوجاً يُستَبدَلُ مَكانَه زَوج، والإفضاءُ يُسَمّي ما كانَ بَينَ الزَّوجَينِ حينَ يُرادُ الاستِبدال.
الإشكالات المَفتوحة
- لِماذا يُسنَدُ الإفضاءُ إلى «بَعضُكُم» والخِطابُ لِمَن يُريدُ الأخذ؟
«تَأخُذونَه» خِطابٌ لِلمُريدينَ وَحدَهُم، ثُمَّ يُسنَدُ الإفضاءُ إلى بَعضٍ من المُخاطَبينَ مُنتَهِياً إلى بَعض، فيَدخُلُ الطَّرَفانِ في «كُم» واحِدة. والقِراءةُ هُنا أنَّ الجَذرَ لا يَقبَلُ جِهةً واحِدة: ما يَتَّسِعُ بَينَ اثنَينِ يَبلُغُ بِه كُلٌّ مِنهُما الآخَر. ولا مَوضِعَ ثانِيَ لِلجَذرِ يُختَبَرُ بِه إسنادُه إلى طَرَفٍ واحِد. مَفتوح.
- لِماذا لا يَرِدُ الجَذرُ إلّا مَرّةً واحِدة؟ يَرِدُ في القرآنِ لِهذا البابِ
لَفظانِ غَيرُه: «دَخَلْتُم بِهِنَّ» (٤:٢٣) و«مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ» (٢:٢٣٦)، ويَختَصُّ الإفضاءُ بِآيةٍ تُنكِرُ الأخذ. أيَكونُ الاختِصاصُ لِأنَّ الجَذرَ يُسَمّي ما رُفِعَ بَينَ الطَّرَفَين، ورَفعُ ما بَينَهُما هو ما يَقِفُ في وَجهِ الأخذ؟ مَوضِعٌ واحِدٌ لا يَحسِم. مَفتوح.