الدُّخول
**عُبورُ حَدٍّ نُفوذاً إلى حَيِّزٍ يَلتَحِقُ بِه الدّاخِل**. لَيسَ الدُّخولُ حَرَكةً مَكانيّةً فَحَسب، بَل زَوالَ الفَصلِ بَينَ داخِلٍ ومَجالٍ كانَ خارِجَه. لذلكَ يَصِحُّ لِلقَريةِ والبابِ والجَنّة، ويَصِحُّ بِالشِّحنةِ نَفسِها لِلسِّلمِ والدِّينِ وجَماعةِ العِباد.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- د: إطباقُ طَرَفِ اللِّسانِ على أُصولِ الثَّنايا يَحبِسُ النَّفَسَ
بِضَغطٍ ثابِت، ثُمَّ يَفتَحُه دَفعةً نافِذةً إلى الأَمام. شِحنَتُه: احتِباسٌ وضَغطٌ يَعقُبُه دَفعٌ نافِذ.
- خ: مَضيقٌ بَينَ أَقصى اللِّسانِ وأَقصى الحَنَك يَخترِقُه النَّفَسُ
جَرياناً خَشِناً مُتَّصِلاً، فيُخَلخِلُ ما يَمُرُّ فيه. شِحنَتُه: اختِراقٌ جارٍ يُخَلخِلُ الحاجِزَ ويَترُكُ فيه فَراغاً.
- ل: تَعَلُّقُ طَرَفِ اللِّسانِ بِأَصلِ الثَّنايا مَعَ جَريانِ الصَّوتِ
من جانِبَيه مُنساباً. شِحنَتُه: تَعَلُّقٌ والتِصاقٌ يَمتَدّ.
النَّواةُ دَخ (د + خ) = دَفعٌ يَنفُذُ في مَضيقٍ فيَعبُرُ ما كانَ حاجِزاً. والإغلاقُ بِـل لا يَترُكُ العابِرَ مُفارِقاً لِلطَّرَفَين، بَل يُلحِقُه بِالحَيِّزِ الذي نَفَذَ إليه. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: عُبورُ حَدٍّ بِالنُّفوذِ حتّى يَتَعَلَّقَ العابِرُ بِما وَراءَه.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- الدّاخِل: مَن عَبَرَ حَدَّ الحَيِّزِ فصارَ فيه، لا مَن قارَبَه.
- الدَّخيل: مَن انضَمَّ إلى قَومٍ لم يَكُن مِنهُم، فالمَكانُ هُنا
جَماعةٌ يَلتَحِقُ بِها.
- الدَّخَل: ما نَفَذَ إلى الشَّيءِ من فَسادٍ أو عَيبٍ فالتَبَسَ بِه،
وهو دُخولٌ لا تَنَقُّلٌ مَكانيّ.
- المَدخَل: مَوضِعُ عُبورِ الحَدّ، أو الجِهةُ التي يَصيرُ مِنها
الشَّيءُ في الحَيِّز.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ د-خ-ل: نُفوذٌ يَعبُرُ حَدّاً فيُلحِقُ العابِرَ بِالحَيِّزِ الذي وَراءَه. وهذه القِراءةُ تَدفَعُ تَوَهُّمَ أنَّ ٢:٢٠٨ و١١٠:٢ مَجازانِ مُستَثنَيان: السِّلمُ والدِّينُ حَيِّزانِ حُكميّانِ تَجري أَحكامُهُما على مَن يَعبُرُ إليهما، كَما تَجري أَحكامُ القَريةِ والجَنّةِ على مَن يَصيرُ فيهما. وهي تُفَسِّرُ بِنفسِها بُنيةَ ٣:٩٧: «مَن دَخَلَهُ» عَبَرَ إلى حَيِّزِ البَيت، فصارَ «آمِناً» بِحُكمِ ما التَحَقَ بِه، لا لِمُجَرَّدِ قُربِه منه.
الصِّيَغ: كيف تَردُ في القرآن
- ادْخُلُوا (أَمرٌ لِلجَمع): يَرِدُ لِلقَريةِ والبابِ والسِّلم،
فيَحمِلُ الأَمرُ نَفسُه العُبورَ المَكانيَّ والحُكميَّ.
- ادْخُلِ (أَمرٌ لِلمُفرد المُذَكَّر): يَرِدُ مَرّةً في ٣٦:٢٦،
ويَختَصِرُ الانتِقالَ كُلَّه في كَلِمةٍ واحِدة.
- فَادْخُلِي / وَادْخُلِي (أَمرٌ لِلمُفردة المُؤَنَّثة): يَرِدانِ
مُتَتابِعَين لِلنَّفسِ في ٨٩:٢٩ و٨٩:٣٠، أَوَّلُهُما في العِبادِ وثانيهِما في الجَنّة.
- يَدْخُلَ / تَدْخُلُوا / يَدْخُلُونَ (مُضارِع): يَجعَلُ العُبورَ
مُنتَظَراً أو مَرئيّاً وهو يَقَع، ويَرِدُ لِلجَنّةِ والدِّين.
- وَلِيَدْخُلُوا (مُضارِعٌ مَنصوبٌ بِلامِ التَّعليل): مَوضِعٌ واحِد،
يَجعَلُ العُبورَ غايةً يُبعَثُ لَها العابِر، لا حَدَثاً يَقَعُ مِنه ابتِداءً.
- يَدْخُلُوهَا (مُضارِعٌ مَعَ ضَميرِ الحَيِّز): يَجعَلُ المَساجِدَ
مَرجِعاً مَذكوراً قَبلَ الفِعل، ويَقصُرُ صِفةَ الدّاخِلينَ على الخَوف.
- دَخَلَ / دَخَلَهُ / دَخَلُوهُ (ماضٍ ثُلاثيّ): العُبورُ واقِعٌ مِنَ
الفاعِل، إلى المِحرابِ وإلى البَيتِ وإلى المَسجِد. والثّالِثُ وَحدَه جَمعٌ، ويُذكَرُ لِيُقاسَ عَلَيه عُبورٌ ثانٍ لا لِيُخبَرَ عَنه.
- أُدْخِلَ (ماضي أَفعَلَ مَبنيّاً لِلمَجهول): يُنقَلُ الفاعِلُ إلى
الحَيِّزِ بِفِعلِ غَيرِه، ويُحذَفُ المُدخِلُ لِيَبرُزَ الانتِقالُ ونَتيجتُه.
- تُدْخِلِ / وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ (مُضارِعُ أَفعَل): الأَوَّلُ في
دُعاءٍ يُسنِدُ إِدخالَ النّارِ إلى المُخاطَب، والثّاني وَعدٌ إِلهيٌّ مُؤَكَّدٌ بِاللّامِ والنّونِ بِإدخالِ الجَنّات.
- أَدْخِلْنِي (أَمرُ أَفعَلَ مُتَّصِلاً بِياءِ المُتَكَلِّم) ومُدْخَل
(اسمُ مَوضِعِ العُبور): يَجتَمِعانِ في مَوضِعٍ واحِد. الأَوَّلُ يَنقُلُ أَفعَلَ من الخَبَرِ إلى الطَّلَب، والثّاني هو اللَّفظُ الذي قَرَأَه القِسمُ الأَوَّلُ في كَلامِ العَرَبِ ثُمَّ وَرَدَ في المُدَوَّنةِ نَفسِها.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الثُّلاثيُّ يَنظُرُ إلى عُبورِ الدّاخِل، وأَفعَلَ
يَنظُرُ إلى القُوّةِ التي تَجعَلُه يَعبُر. لا يَتَغَيَّرُ الحَدُّ ولا
الحَيِّز، وإنَّما يَتَغَيَّرُ مَن يَملِكُ إِحداثَ الانتِقال.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
khurooj(الخُروج، خ-ر-ج): عُبورُ الحَدِّ من الحَيِّزِ إلى ما
خارِجَه. والدُّخولُ عُبورُه إلى الحَيِّز. الحَرَكةُ في كِلَيهِما تَقتَضي حَدّاً، لكنَّ مَرجِعَ النِّسبةِ مُتَقابِل.
bab(الباب، ب-و-ب): مَوضِعُ الانتِقالِ القابِلُ لِلفَتحِ
والإغلاق. البابُ هو الحَدُّ المُهَيَّأ لِلعُبور، والدُّخولُ هو وُقوعُ العُبور نَفسِه. وقد اجتَمَعا صَريحَين في ٢:٥٨.
jannah(الجَنّة، ج-ن-ن): حَيِّزٌ ساتِرٌ يَحتَوي مَن فيه، أمّا
الدُّخولُ فَفِعلُ الالتحاقِ بِالحَيِّز. ولِذلك يَصحُّ الدُّخولُ في الجَنّةِ والنّارِ بِجَذرٍ واحِد، ولا يَحمِلُ الجَذرُ حُكماً على المُنتَهى.
amn(الأَمن، أ-م-ن): استِقرارُ الطُّمَأنينةِ وزَوالُ التَّهديد.
لَيسَ الأَمنُ مُرادِفاً لِلدُّخول: ٣:٩٧ يَجعَلُه جَواباً لِشَرطِه، و٢:١١٤ يَذكُرُ دُخولاً مَعَ الخَوف، و٣:١٩٢ يَذكُرُ إِدخالَ النّار.
din(الدِّين، د-ي-ن): الحَيِّزُ الحُكميُّ الذي يَنتَظِمُ فيه
العَهدُ والسُّلوكُ والحِساب. الدُّخولُ في الدِّينِ هو العُبورُ إلى سَريانِ هذا الانتِظام، لا مُرادِفُ الدِّينِ نَفسِه.
المَواضع: مَواقعُ الدُّخول في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٥٨ ﴿ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح، وفيه يَتَكَرَّرُ الأَمرُ بِالدُّخولِ مَرَّتَين. الجَديدُ: الأَوَّلُ يَجعلُ القَريةَ حَيِّزاً واسِعاً يُؤكَلُ منه، والثّاني يَجعَلُ البابَ نُقطةَ العُبورِ المَخصوصةَ ويَقرِنُه بِهَيئةِ السُّجود. فلا يَكفي بُلوغُ الحَيِّز حتّى تَصحَّ جِهةُ العُبورِ وهَيئتُه. انظُر البَاب.
- ٢:١١١ ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾: الدُّخولُ يَرِدُ خَبَراً مُستَقبَليّاً مَحْصوراً في فِئتَين على أَلسِنةِ قائِليه. الجَديدُ: إمكانُ الدُّخولِ يَصيرُ دَعوى تَحتاجُ إلى بُرهان، فتَفصِلُ الآيةُ بَينَ حَقيقةِ العُبورِ وتَمَنِّي مَن يَحتَكِرُه. والمَقولُ لا يَمنَحُ صاحِبَه مِفتاحَ الحَيِّز. انظُر الجَنَّة.
- ٢:١١٤ ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾: الدُّخولُ إلى المَساجِدِ مَقرونٌ بِالخَوف. الجَديدُ: يُسلَبُ مِنَ السّاعينَ في خَرابِها دُخولُ التَّمَكُّن، فلا يَعبُرونَ حَدَّها إلّا وقد دَخَلَ الخَوفُ في حالِهِم. وهذا يَمنَعُ حَملَ الدُّخولِ نَفسِه على التَّشريفِ أو الأَمن، فحُكمُه من حُكمِ الحَيِّزِ والداخِل. انظُر الخَوف.
- ٢:٢٠٨ ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾: الحَيِّزُ حالٌ ونِظامٌ لا مَكان. الجَديدُ: التَّعديةُ بِـ«في» تُبقي بُنيةَ الدُّخولِ كامِلةً من غَيرِ جِدار، و«كافّة» تَمنَعُ البَقاءَ على الحَدّ أو إِدخالَ بَعضِ النَّفسِ دونَ بَعض. فالدُّخولُ انتقالٌ إلى سَريانِ حُكمِ السِّلمِ على الدّاخِلين. انظُر السِّلم.
- ٢:٢١٤ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم﴾: الدُّخولُ يُقابَلُ بِالحُسبان. الجَديدُ: الحَيِّزُ لا يُعبَرُ إليه بِتَصَوُّرِ العُبور، بَل يَسبِقُه مَسُّ البَأساءِ والضَّرّاءِ والزِّلزالُ وامتِدادُ طَلَبِ النَّصر. فتَجعَلُ الآيةُ لِلدُّخولِ ما قَبلَه، لا مَسافةً مَكانيّةً بَل ابتِلاءً. انظُر الجَنَّة.
- ٣:٣٧ ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾: الدُّخولُ يَتَكَرَّرُ بِـ«كُلَّما» ويَتعَدّى إلى مَريمَ بِـ«على» مَعَ ذِكرِ المِحراب. الجَديدُ: كُلُّ عُبورٍ إلى الحَيِّز يُعقِبُه وِجدانُ الرِّزقِ عِندَها، فتَصيرُ الحَرَكةُ المُتَكَرِّرةُ مِفتاحَ سُؤالٍ مُتَكَرِّرِ السَّبَب: «أَنّى لَكِ هذا». انظُر الرِّزق.
- ٣:٩٧ ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾: الدُّخولُ شَرطٌ والأَمنُ جَوابُه. الجَديدُ: لا يُذكَرُ الأَمنُ صِفةً قائِمةً خارِجَ البَيت، بَل يَجعلُه التَّركيبُ أَثَرَ العُبورِ نَفسِه: مَن صارَ في حَيِّزِه صارَ تَحتَ حُكمِ الأَمن. ويأتي بَعدَه الحَجُّ لِمَن استَطاعَ إليه سَبيلاً، فيَجتَمِعُ المَقصِدُ والطَّريقُ والعُبورُ في بُنيةٍ واحِدة. انظُر الأَمن والبَيت والحَجّ.
- ٣:١٤٢ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾: تَعودُ صِيغةُ ٢:٢١٤ ويَتَغَيَّرُ ما يَسبِقُ الدُّخول. الجَديدُ: بَدَلَ مَثَلِ السّابِقينَ وتَفاصيلِ بَأسائِهِم، يُذكَرُ تَمَيُّزُ المجاهِدينَ والصّابِرينَ بِالعِلم. فالحَدُّ هُنا لا يَعبُرُه حُسبانُ الجَماعةِ بِنَفسِها، بَل ما يَظهَرُ مِنها في الجِهادِ والصَّبر. انظُر العِلم.
- ٣:١٨٥ ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾: الدُّخولُ يَنتَقِلُ إلى أَفعَلَ المَبنيِّ لِلمَجهول. الجَديدُ: الفَوزُ يَقومُ على حَرَكَتَينِ مُتَقابِلَتَين، إِبعادٍ عن النّارِ وإِدخالٍ في الجَنّة، فلا يَكفي الخُروجُ من الأُولى دونَ الالتحاقِ بِالثّانية. وحَذفُ فاعِلِ الإِدخالِ يُبرِزُ المَنقولَ ونِهايةَ نَقلِه. انظُر النّار والجَنَّة.
- ٣:١٩٢ ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾: الإِدخالُ يُنسَبُ صَريحاً إلى المُخاطَبِ في دُعاء. الجَديدُ: تَتَّضِحُ جِهةُ أَفعَلَ التي حُذِفَت في ٣:١٨٥، ويَقَعُ الخِزيُ جَواباً لِلإدخالِ كَما وَقَعَ الأَمنُ جَواباً لِلدُّخولِ في ٣:٩٧. فيَثبُتُ أنَّ الجَذرَ يَنقُلُ إلى حُكمِ الحَيِّز، سواءٌ كانَ أَمناً أو خِزياً. انظُر النّار.
- ٣:١٩٥ ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: الإِدخالُ وَعدٌ بِلامِ القَسَمِ ونونِ التَّوكيد. الجَديدُ: يَصيرُ العُبورُ مَضموناً بِصِيغةِ الفاعِلِ المُؤَكَّدَة، ويَأتي بَعدَ تَكفيرِ السَّيِّئاتِ وقَبلَ تَسمِيَتِه ثَواباً. والجَنّاتُ جَمعٌ لا مُفرد، ويَجري مِن تَحتِها ما يَدُلُّ على أنَّ الحَيِّزَ المُدخَلَ إليه حَيٌّ جارٍ لا نِهايةٌ ساكِنة. انظُر الجَنَّة.
- ١٧:٧ ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: الدُّخولُ يَقَعُ مِمَّن لَيسَ من أهلِ الحَيِّز. الجَديدُ: يَجتَمِعُ في الجُملةِ الواحِدةِ دُخولانِ لِحَيِّزٍ واحِد، مُنتَظَرٌ بِلامِ التَّعليلِ وماضٍ وَقَعَ («أَوَّلَ مَرَّةٍ»)، ويُوصَلانِ بِـ«كَما»، فيَصيرُ المِعيارُ عُبوراً سابِقاً لا وَصفاً لِلحَدِّ ولا لِلحَيِّز. وهو المَوضِعُ الوَحيدُ في المُسَجَّلِ الذي يُذكَرُ فيه لِلدُّخولِ نَظيرٌ يُقاسُ عَلَيه. ولا تَحمِلُ الحَرَكةُ هُنا إذناً ولا تَشريفاً: اللّامُ نَفسُها تَسوقُ قَبلَها «لِيَسوءوا» وبَعدَها «لِيُتَبِّروا»، فالدّاخِلُ داخِلٌ بِحُكمِ ما أُرسِلَ لَه. انظُر المَسجِد.
- ١٧:٨٠ ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: الإِدخالُ يَنتَقِلُ إلى الطَّلَب. الجَديدُ: كانَ أَفعَلُ خَبَراً مَحذوفَ الفاعِل (٣:١٨٥) أو دُعاءً على الغَيرِ (٣:١٩٢) أو وَعداً مُؤَكَّداً (٣:١٩٥)، وهو هُنا سُؤالٌ يَسأَلُه الدّاخِلُ لِنَفسِه، فتُسنَدُ القُدرةُ على الإعبارِ إلى المَدعُوِّ ويَبقى العُبورُ لِلطّالِب. ويَرِدُ مُدْخَل اسماً لِمَوضِعِ العُبور، وهو اللَّفظُ الذي قَرَأَه القِسمُ الأَوَّلُ في كَلامِ العَرَب. ولا يُسَمّى المَدخولُ إليه بِمَكان، بَل يُنعَتُ المَدخَلُ نَفسُه بِـ«صِدق» ويُقابَلُ في النَّفَسِ نَفسِه بِـ«مُخرَجِ صِدق»: فالمَطلوبُ استِقامةُ العُبورِ في الجِهَتَينِ لا بُلوغُ حَيِّزٍ بِعَينِه. انظُر الخُروج والصِّدق.
- ٣٦:٢٦ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾: أَمرُ دُخولٍ لِمُفردٍ بَعدَ انقِضاءِ خِطابِه لِقَومِه. الجَديدُ: لا تُذكَرُ مَسافةٌ ولا بابٌ ولا مُدّة، ويُبنى القَولُ لِلمَجهول، فيَختَصِرُ «ادخُل» العُبورَ كُلَّه. وأَوَّلُ ما يَنطِقُ بِه الدّاخِلُ لَيسَ وَصفَ ما دَخَل، بَل تَمَنّي عِلمِ قَومِه بِما غُفِرَ لَه. انظُر الجَنَّة والعِلم.
- ٨٩:٢٩ ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾: المَدخولُ فيه جَماعةٌ لا مَكان. الجَديدُ: يُعادُ دُخولُ الحَيِّزِ الحُكميِّ الذي ظَهَرَ في السِّلم، لكنَّ العُبورَ هُنا إلحاقُ نَفسٍ مُفردةٍ بِجَماعةٍ مَنسوبةٍ إلى المُتَكَلِّم. والفاءُ تَجعَلُه أَثَرَ الرُّجوعِ والرِّضا، لا بُلوغاً جُغرافيّاً. انظُر العِبادة.
- ٨٩:٣٠ ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾: أَمرٌ ثانٍ يَتلو دُخولَ العِباد. الجَديدُ: يَنفَصِلُ الالتحاقُ بِأَهلِ الحَيِّزِ عن العُبورِ إلى الحَيِّزِ نَفسِه، ويُضافُ كِلاهُما إلى المُتَكَلِّم: «عِبادي» ثُمَّ «جَنّتي». فالدُّخولانِ مُتَتابِعانِ لا لَفظٌ واحِدٌ مُعاد. انظُر الجَنَّة.
- ١١٠:٢ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾: الدُّخولُ في الدِّينِ مَرئيٌّ حالَ وُقوعِه وجَماعيٌّ في هَيئتِه. الجَديدُ: يَتَّسِعُ الحَيِّزُ الحُكميُّ من أَمرٍ لِجَماعةِ المُؤمِنينَ في ٢:٢٠٨ إلى مَشهَدِ النّاسِ يَعبُرونَ أَفواجاً، فلا يُمحى الفَردُ بَل يَدخُلُ ضِمنَ مَوجةٍ مُتَتابِعة. و«في» تَجعَلُ الدِّينَ مَجالاً تَسري أَحكامُه على مَن التَحَقَ بِه. انظُر الدِّين.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ البَاب في ٢:٥٨: الدُّخولُ فِعلُ العُبور، والبابُ مَوضِعُه،
والسُّجودُ هَيئتُه. فالمَوضعُ الأَوَّلُ يَمنَعُ اختِزالَ الدُّخولِ في بُلوغِ القَريةِ بِأَيِّ طَريق.
- مَعَ السِّلم في ٢:٢٠٨: السِّلمُ يَصيرُ حَيِّزاً حُكميّاً بِدُخولِه،
والدُّخولُ يَصيرُ كُلِّيّاً بِـ«كافّة». كُلُّ جَذرٍ يَمنَعُ قِراءةَ الآخَرِ على أَنَّه شِعارٌ خارِجيّ.
الإِدخالِ إلى الحَيِّزَين، والنتيجتانِ مُتَقابِلَتان. فالقِيمةُ في المُنتَهى لا في حَرَكةِ العُبور.
والحَجُّ قَصدُه، والدُّخولُ عُبورُ حَدِّه، والأَمنُ ما يَسري على مَن صارَ فيه. الآيةُ تَجمَعُ المَراحِلَ ولا تُرادِفُ بَينَها.
- مَعَ الرِّزق في ٣:٣٧: تَكرارُ الدُّخولِ يَكشِفُ تَكرارَ وِجدانِ
الرِّزق، فيَكونُ العُبورُ إلى المِحرابِ طَريقَ المُشاهَدةِ لا سَبَبَ الرِّزق.
- مَعَ الخُروج في ٣:١٩٥ و١٧:٨٠: الجَذرانِ يَلتَقِيانِ في
آيَتَينِ لا في واحِدة. في ٣:١٩٥ يَقَعانِ مُتَباعِدَين: إخراجٌ مَبنيٌّ لِلمَجهولِ من الدِّيارِ وإدخالٌ مَوعودٌ إلى الجَنّات، فالأوَّلُ ما وَقَعَ بِهِم والثّاني ما يُوعَدونَه. وفي ١٧:٨٠ يَقَعانِ مُتَلاصِقَين على وَزنٍ واحِدٍ وبِاسمِ مَوضِعٍ واحِدٍ ونَعتٍ واحِد: «مُدخَلَ صِدق» و«مُخرَجَ صِدق». فما هو في §٣ فَرقٌ في مَرجِعِ النِّسبةِ يَظهَرُ هُناكَ طَلَبَينِ مُتَلازِمَين: لا يَصِحُّ عُبورٌ إلى الحَيِّزِ ولا مِنه إلّا بِالوَصفِ نَفسِه.
- مَعَ المَسجِد في ٢:١١٤ و١٧:٧: الحَيِّزُ من جِنسٍ واحِدٍ
والدّاخِلُ مُختَلِف. في ٢:١١٤ يُسلَبُ السّاعونَ في خَرابِها دُخولَ التَّمَكُّن، وفي ١٧:٧ يَقَعُ الدُّخولُ مِمَّن بُعِثَ لِيَسوءَ ويُتَبِّر. فالجَذرُ لا يُعطي حُكماً على الدّاخِلِ ولا يَستَمِدُّه من حُرمةِ الحَيِّز.
والدِّينُ حَيِّزانِ لا جِدارَ لَهُما، ويَصحُّ فيهِما الدُّخولُ لِأنَّ العُبورَ يُغيِّرُ نِسبةَ الدّاخِلِ وما يَسري عليه.
الإشكالات المَفتوحة
- **الدُّخولانِ في ٢:٥٨: أهما مَرحَلَتانِ، دُخولُ القَريةِ ثُمَّ دُخولُ
الباب، أم إِعادةُ الأَمرِ نَفسِه مَعَ تَعيينِ الهَيئة؟** تَوسُّطُ الأَكلِ بَينَهُما يُقَوّي التَّعدُّد، لكنَّ البابَ في العادةِ سابِقٌ لِما في القَرية. تَرتيبُ العِبارةِ يَفتَحُ السُّؤالَ ولا يَحسِمُه. مَفتوح.
- **«وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِناً» في ٣:٩٧: أَحُكمٌ تَكليفيٌّ يَجبُ على
النّاسِ حِفظُه، أم حَقيقةٌ يَمنَحُها الحَيِّزُ لِلدّاخِل؟** التَّركيبُ الخَبَريُّ يَجعَلُ الأَمنَ جَوابَ الشَّرط، لكنَّ المَواضِعَ المُسَجَّلةَ لا تَحسِمُ جِهةَ هذا الأَمن. مَفتوح.
- **«كافّة» في ٢:٢٠٨: أَتَصِفُ الدّاخِلينَ جَميعاً أم الدُّخولَ بِجَميعِ
الوُجوه؟** القِراءتانِ تَلتَقِيانِ في نَفيِ البَقاءِ على الحَدّ، لكنَّ الفَرقَ النَّحويَّ يُغَيِّرُ جِهةَ الكُلِّيّة. مَفتوح.
- **التَّتابُعُ في ٨٩:٢٩ و٨٩:٣٠: هل دُخولُ العِبادِ شَرطٌ مُستَقِلٌّ
قَبلَ دُخولِ الجَنّة، أم الجُملَتانِ تَفصيلانِ لِرُجوعٍ واحِد؟** العَطفُ والفَصلُ بَينَ الآيَتَين يُثبِتانِ التَّتابُعَ في اللَّفظ، ولا يَكفيانِ وَحدَهُما لِإثباتِ تَرتيبٍ زَمَنيّ. مَفتوح.