البَعض / التَّبعيض
**قِطعةٌ فُصِلَت من جُملةٍ بِضَغطٍ فقامَت بِعَرضِها ولَم تَنفَصِلْ عنها**. لَيسَ البَعضُ في الجَذرِ مِقداراً مُبهَماً كَـ«شَيءٍ منه»، بَل قَطعاً يَبقى مَنسوباً إلى ما قُطِعَ منه. ولِذلك لا يَكادُ يَرِدُ في المُسَجَّلِ مُفرَداً: يُعادُ في الجُملةِ الواحِدةِ مَرَّتَين، ويُوضَعُ بَينَ الطَّرَفَينِ حَرفٌ هو الذي يَحكُمُ على القِسمة.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ب: التِقاءٌ رَخوٌ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ مُحتَبَساً ثُمَّ
يَنفَتِحُ عنه خارِجاً. شِحنَتُه: احتِباسٌ في وِعاءٍ رَخوٍ يَعقُبُه انفِتاحٌ وخُروج.
- ع: قَبضٌ يَلتَحِمُ في أقصى الحَلقِ على رِقّة، يَجري فيه النَّفَسُ
المَجهورُ في أضيَقِ المَجاري وأعمَقِها فيَظهَرُ الصَّوتُ من العُمقِ إلى الخارِج. شِحنَتُه: ظُهورٌ من عُمقٍ عَبرَ مَضيق.
- ض: انطِباقٌ عَريضٌ ثَقيلٌ لِحافّةِ اللِّسانِ يُطبِقُ على الحَنَكِ
فيَحتَبِسُ النَّفَسُ تَحتَه مَضغوطاً بِكَثافة، ثُمَّ يَنفَرِجُ عنه مُنبَسِطاً بِثِقَلِه. شِحنَتُه: ضَغطٌ عَريضٌ كَثيفٌ ثُمَّ انفِراجٌ وانبِساط.
النَّواةُ بَع (ب + ع) = ما احتُبِسَ في وِعاءٍ ثُمَّ ظَهَرَ من عُمقِه: شَيءٌ كانَ داخِلاً فبَرَزَ. والإغلاقُ بِـض يَضغَطُ هذا الخارِجَ ضَغطاً عَريضاً ثُمَّ يَبسُطُه، فلا يَخرُجُ خَيطاً دَقيقاً بَل قِطعةً لَها عَرضٌ تَقومُ بِه. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: ما بَرَزَ من جُملَتِه بِضَغطٍ عَريضٍ فصارَ لَه قِوامٌ وبَقِيَ مَنسوباً إليها.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- بَعَّضَ الشَّيءَ: جَعَلَه أبعاضاً. والتَّبعيضُ فِعلٌ في الجُملةِ لا في
القِطعة: لا يُقالُ إلّا لِمَن كانَ عِندَه كُلٌّ فقَسَمَه.
- البَعض: القِطعةُ من الجُملةِ لا تُذكَرُ إلّا مُضافةً إلى جُملَتِها
أو مُقَدَّرةَ الإضافة. وهذا أثَرُ ض في اللَّفظ: انفِراجٌ لا انفِصال، يَنبَسِطُ ولا يَنقَطِعُ عن مَوضِعِه.
- البَعوضة: أصغَرُ ما يُضرَبُ بِه المَثَلُ من الحَيَوان، وسُمِّيَت
لِصِغَرِها. وهي في الجَذرِ أدَقُّ قِطعةٍ تَقومُ بِنَفسِها.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ب-ع-ض: قَطعٌ يَبقى مَوصولاً بِأصلِه. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآنِ ويُفَسِّرُ ما لا يُفَسِّرُه مَعنى «شَيءٍ منه»: لو كانَ البَعضُ مِقداراً لَجازَ أن يَقومَ وَحدَه في الكَلام، والمُسَجَّلُ يَأبى ذلك. من أربَعٍ وثَلاثينَ مَرّةً في تِسعَ عَشرةَ آيةً من المُصحَفِ المَنشورِ (البَقَرةُ وآلُ عِمرانَ والإسراءُ وطه)، تِسعٌ وعِشرونَ تَقَعُ في آياتٍ يُعادُ فيها اللَّفظُ في الجُملةِ الواحِدةِ مَرَّتَين، والخَمسُ الباقِيَةُ مُضافةٌ إلى كُلِّها مَذكوراً. فاللَّفظُ في الجَذرِ لا يُسَمّي كَمِّيّةً بَل نِسبةً بَينَ قِطعةٍ وجُملَتِها.
وعليه يَنكَشِفُ نِظامُ البابِ كُلِّه: اللَّفظُ ثابِتٌ في المَواضِعِ جَميعاً، والذي يَتَغَيَّرُ هو الحَرفُ الواقِعُ بَينَ البَعضَين، وهو الذي يُسَمّي جِهةَ العَلاقة. اللّامُ تَنصِبُ أحَدَهُما تُجاهَ الآخَر، وإلى تَجعَلُها خَلوة، والباءُ تَجعَلُ أحَدَهُما آلةً في الآخَر، وعَلى تَجعَلُها تَفضيلاً، ومِن تَجعَلُها نَسَباً، وتَعرِيَتُها من الحَرفِ تَجعَلُها مَحَلَّ أمانةٍ أو رُبوبِيّة. أمّا ما يَملَأُ الجِهةَ فمَنصوصٌ بَعدَ الحَرفِ لا مَحمولٌ فيه: اللّامُ نَفسُها تُفضي إلى «عَدُوٌّ» في ٢:٣٦ و٢٠:١٢٣ وإلى «ظَهِيرًا» في ١٧:٨٨. فالقِسمةُ في نَفسِها لا تَحمِلُ مَدحاً ولا ذَمّاً، ولا يَحمِلُهُما الحَرفُ وَحدَه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
الجَذرُ اسمٌ في المُسَجَّلِ كُلِّه: لا فِعلَ لَه ولا مَصدَرَ ولا وَصف، وإنَّما يَتَغَيَّرُ مَوقِعُه من الإعرابِ وما يُضافُ إليه.
- بَعْضٍ (مَجروراً مُنَكَّراً): الطَّرَفُ الثّاني من التَّركيبِ
المُزدَوَج. لا يَرِدُ مُنَكَّراً إلّا وقَبلَه بَعضٌ آخَرُ مُعَرَّفٌ بِالإضافة، فالتَّنكيرُ هُنا لَيسَ إبهاماً بَل مُقابَلة.
- بَعْضَ (مَنصوباً مُضافاً): يَقَعُ مَفعولاً ويُضافُ إلى الكُلِّ
المَقطوعِ منه، فيُذكَرُ الكُلُّ في اللَّفظِ نَفسِه («بَعْضَ يَوْمٍ»، «بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ»).
- بَعْضُكُمْ وبَعْضَهُمْ وبَعْضُهَا (مُضافاً إلى ضَميرِ
الجَماعة): الطَّرَفُ الأوَّلُ من التَّركيب. والضَّميرُ يُبقي الجُملةَ حاضِرةً في اللَّفظِ حتّى وهي مَقسومة.
- بِبَعْضٍ (مَجروراً بِالباء): يَنقُلُ الطَّرَفَ الثّانيَ من كَونِه
مُقابِلاً إلى كَونِه آلةً أو مُتَعَلَّقاً، وهو أكثَرُ الحُروفِ دَوَراناً عليه في المُسَجَّل.
- بَعُوضَةً (على وَزنِ فَعولة): الوَجهُ الآخَرُ لِلجَذر، مَوضِعٌ واحِد،
وفيه يَصيرُ المَعنى عَيناً تُرى بَعدَ أن كانَ نِسبةً تُعقَل.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدةٌ في المَواضِعِ كُلِّها (قَطعٌ
يَبقى مَوصولاً)، والإعرابُ وَحدَه يُوَزِّعُ الأدوار. ولِذلك لا يَحتاجُ
هذا المَفهومُ إلى قِسمةِ الصِّيَغِ التي تَحتاجُ إليها الجُذورُ ذاتُ
الأفعال: القِسمةُ هُنا في الحُروفِ الجارّةِ لا في الأوزان.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
juz2(الجُزء، ج-ز-أ): قِطعةٌ لَها حُدودٌ حازِمة. والفَرقُ بِنيَويٌّ
يُقرَأُ من آخِرِ حَرفٍ في كُلِّ جَذر: الجُزءُ يُختَمُ بِالهَمزةِ القاطِعةِ فيَنفَصِلُ انفِصالاً تامّاً، ولِذلك جاءَ في المُسَجَّلِ نَكِرةً مَوضوعةً على جَبَلٍ بَعيداً عن أصلِه؛ والبَعضُ يُختَمُ بِـض التي تَنفَرِجُ ولا تَقطَع، ولِذلك لا يَرِدُ إلّا مُضافاً أو مُقابَلاً بِبَعضٍ آخَر. فالجُزءُ يُفارِقُ والبَعضُ يَبقى مُعَلَّقاً.
- الفَريق (ف-ر-ق): قِطعةٌ فارَقَت جَماعَتَها فصارَت جَماعةً قائِمةً
بِنَفسِها. والشّاهِدُ على الفَرقِ داخِلَ آيةٍ واحِدة: في ٢:٨٥ يُقالُ «فَرِيقًا مِّنكُم» لِمَن أُخرِجَ من دِيارِه فصارَ طائِفةً مُتَمَيِّزة، ويُقالُ في الآيةِ نَفسِها «بِبَعْضِ الْكِتَابِ» لِما لَم يُفارِقْ كِتابَه وإنَّما اقتُطِعَ منه. ولا مَفهومَ لِـف-ر-ق في المُعجَمِ بَعد.
fadl(الفَضل، ف-ض-ل): زِيادةٌ تَفضُلُ عن المِقدار. والبَعضُ قِسمة،
والفَضلُ زِيادةٌ تَقَعُ على أحَدِ القِسمَين. ولِذلك جاءَ في ٢:٢٥٣ مُرَتَّباً على القِسمة: قُسِمَ أوَّلاً ثُمَّ فُضِّلَ بَعضٌ على بَعض، فلا تَفضيلَ قَبلَ قِسمة.
- الكُلّ (ك-ل-ل): لَيسَ ضِدّاً لِلبَعضِ في المُسَجَّلِ بَل شَرطاً لَه.
كُلُّ مَوضِعٍ من مَواضِعِ الجَذرِ يَذكُرُ الجُملةَ المَقطوعَ منها إمّا بِالإضافةِ («بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ») وإمّا بِالضَّمير («بَعْضُكُمْ»)، فلا يُترَكُ البَعضُ بِغَيرِ كُلٍّ يُنسَبُ إليه. ولا مَفهومَ لِـك-ل-ل في المُعجَمِ بَعد.
المَواضع: مَواقعُ البَعض في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٦ ﴿أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الجَذرُ يَدخُلُ المُسَجَّلَ عَيناً مُسَمّاةً لا نِسبةً بَينَ قِطعَتَين، وهو الوَجهُ الذي لا يَعودُ بَعدَه. والاسمُ نَفسُه هو مَعنى الجَذرِ مُجَسَّداً: أدَقُّ ما يَقومُ بِنَفسِه. والاعتِراضُ المَحكِيُّ بَعدَه («مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا») واقِعٌ على الصِّغَرِ نَفسِه، فيُقَرَّرُ من أوَّلِ مَوضِعٍ أنَّ قِلّةَ المِقدارِ لَيسَت نَقصاً في المَضروبِ بِه. و«فَمَا فَوْقَهَا» تَترُكُ السُّلَّمَ مَفتوحاً صاعِداً من الأقَلّ. انظُر المَثَل.
- ٢:٣٦ ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: التَّركيبُ المُزدَوَجُ يُفتَتَح. الجَديدُ: يَظهَرُ هُنا أوَّلَ مَرّةٍ البِناءُ الذي يَحكُمُ البابَ كُلَّه: لَفظانِ من الجَذرِ في جُملةٍ واحِدة، أوَّلُهُما مُضافٌ إلى المُخاطَبينَ وثانيهِما مُنَكَّرٌ، وبَينَهُما حَرفٌ يُسَمّي ما بَينَ الطَّرَفَين. والحَرفُ هُنا اللّامُ والحُكمُ عَداوة. ومَوقِعُه عِندَ أوَّلِ فُرقةٍ في تاريخِ الإنسانِ يَجعَلُ الكَلِمةَ لَفظَ الانقِسامِ الأوَّل: ما كانَ واحِداً أُهبِطَ أبعاضاً، وحُدَّتِ الأبعاضُ بِما تَكونُ عليه لِبَعضِها لا بِما هي في نَفسِها. انظُر الهُبوط والعَداوة.
- ٢:٨٥ ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: التَّبعيضُ نَفسُه يَصيرُ تُهمة. الجَديدُ: المَقطوعُ هُنا لَيسَ جَماعةً ولا جِسماً بَل كِتاباً نَزَلَ جُملةً واحِدة، والقَطعُ هو مَوضِعُ الإنكارِ لا المَقطوعُ بِعَينِه: الباءُ واحِدةٌ في الإيمانِ والكُفرِ مَعاً، فاستَوى الفِعلانِ في الصّورةِ واختَلَفا في الوِجهةِ فقَط، ولَيسَ بَينَهُما إلّا أيُّ بَعضٍ أُخِذَ. ويُترَكُ البَعضُ الثّاني مُنَكَّراً لا يُسَمّى، فلا تَتَعَلَّقُ التُّهمةُ بِحُكمٍ بِعَينِه رُدَّ، بَل بِأنْ جُعِلَ ما جاءَ كُلّاً أبعاضاً يُختارُ منها. وهذا أصلُ المَفهومِ وأقوى ما فيه. انظُر الكِتاب والإيمان والكُفر.
- ٢:٢٥١ ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾: القِسمةُ تَصيرُ حِفظاً. الجَديدُ: الصّورةُ هي صورةُ ٢:٣٦ بِعَينِها، بَعضٌ في مُواجَهةِ بَعض، والحُكمُ عليها مَقلوب: بِها تَنتَفي الفَسادُ عنِ الأرضِ لا بِها تَقَع. والفاعِلُ اللهُ والفِعلُ دَفعٌ يَجري بِالأبعاضِ لا عليها، فالباءُ آلةٌ لا مُقابَلة. فيَثبُتُ أنَّ الشَّكلَ لا يَحمِلُ حُكماً في نَفسِه: ما كانَ في ٢:٣٦ قَضاءَ مَوقِفٍ لا صِفةً لازِمةً لِلقِسمة. انظُر الدَّفع والنّاس.
- ٢:٢٥٣ ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾: الحَرفُ عَلى يُدخِلُ التَّفاوُت. الجَديدُ: القِسمةُ تَقَعُ على الرُّسُلِ وهُمُ الجَماعةُ التي لا يُتَوَقَّعُ فيها انقِسام، فيُعلَمُ أنَّ التَّبعيضَ لَيسَ أثَرَ نَقصٍ في المَقسوم. و«عَلى» تَنقُلُ العَلاقةَ من التَّقابُلِ إلى الدَّرَجة، والتَّفضيلُ يَتبَعُ القِسمةَ ولا يَسبِقُها: قُسِمَ أوَّلاً ثُمَّ فُضِّل. وفي الآيةِ نَفسِها بَعضٌ ثالِثٌ بِلا مُقابِلٍ مَذكور («وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ»)، وهو المَوضِعُ الوَحيدُ في المُسَجَّلِ يَقِفُ فيه طَرَفٌ من التَّركيبِ وَحدَه، فيُرفَعُ بَعضٌ على كُلٍّ لا يُسَمّى. انظُر الفَضل والرَّسول.
- ٢:٢٥٩ ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾: مِقدارٌ خالِصٌ بِلا مُقابِل. الجَديدُ: هذا وَحدَه في المُسَجَّلِ يَستَعمِلُ اللَّفظَ في مَعنى الكَمِّيَّةِ المُجَرَّدةِ من غَيرِ نِسبةٍ بَينَ طَرَفَين، والمَقسومُ فيه زَمانٌ لا جَماعةٌ ولا كِتاب. وهو مَعَ ذلك مَوضوعٌ في فَمِ رَجُلٍ يُقَدِّرُ مُدَّةَ نَفسِه، ويُرَدُّ عليه في الجُملةِ التّاليَةِ بِأنَّه لَبِثَ مِائةَ عام. فالمَوضِعُ الوَحيدُ الذي صارَ البَعضُ فيه مِقداراً هو المَوضِعُ الذي أُبطِلَ فيه المِقدار، وهذا ضابِطٌ لِلقِراءةِ كُلِّها لا استِثناءٌ منها. انظُر اليَوم.
- ٣:٣٤ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾: الحَرفُ مِن يَجعَلُ القِسمةَ أصلاً. الجَديدُ: البِناءُ هو البِناءُ نَفسُه الذي أفادَ العَداوةَ في ٢:٣٦، ولَم يَتَغَيَّرْ منه إلّا الحَرف، فأفادَ الصُّدورَ والنَّسَب: لا يَتَقابَلُ البَعضانِ بَل يَخرُجُ أحَدُهُما من الآخَر. وهذا أوضَحُ دَليلٍ في المَفهومِ على أنَّ الحُكمَ في الحَرفِ لا في اللَّفظ. وفيه أيضاً أنَّ التَّبعيضَ يوصَفُ بِه المُتَّصِلُ اتِّصالَ الوِلادة، فالقَطعُ الذي في الجَذرِ لا يُنافي البَقاءَ على الأصل. انظُر الذُّرِّيَّة.
- ٣:٥٠ ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾: التَّبعيضُ يَقَعُ مِمَّن وَضَعَ الكُلّ. الجَديدُ: المَقطوعُ حُكمٌ لا جَماعةٌ ولا جِسمٌ ولا زَمان، والقاطِعُ هو صاحِبُ الحُكم. فتَنضَبِطُ المَسأَلةُ التي فُتِحَت في ٢:٨٥: الفِعلُ واحِدٌ في الصّورةِ ومُختَلِفٌ في المَوقِع، فأخذُ بَعضِ ما نَزَلَ كُلّاً كُفرٌ مِمَّن لَم يُنَزِّلْه، وتَحليلُ بَعضِ ما حُرِّمَ إذنٌ مِمَّن حَرَّم. فلَيسَ التَّبعيضُ مَذموماً لِذاتِه، إنَّما يُنظَرُ فيه إلى مَن بِيَدِه الجُملة. انظُر الحَلال.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
يُعَدَّيانِ بِحَرفٍ واحِدٍ إلى لَفظٍ واحِد، فيُقرَأُ الفَرقُ بَينَهُما في هذا المَوضِعِ من جِهَةِ القِسمةِ لا من جِهَةِ التَّصديقِ والتَّكذيب.
أشخاصٍ مُعَيَّنينَ بَل إلى أبعاضٍ من جُملةٍ واحِدة، فتُقرَأُ صِفةَ عَلاقةٍ لا صِفةَ ذَوات.
- مَعَ الدَّفع في ٢:٢٥١ وبِإزاءِ ٢:٣٦: الآيَتانِ تَحمِلانِ الصّورةَ
نَفسَها وتَختَلِفانِ في الحُكم، وهُما مَعاً الشّاهِدُ الحاسِمُ على أنَّ الجَذرَ لا يَحمِلُ مَدحاً ولا ذَمّاً.
سابِقةٍ عليه، فيَنتَقِلُ البَحثُ من مَراتِبِ الرُّسُلِ إلى شَرطِ المُفاضَلةِ نَفسِه.
- مَعَ الذُّرِّيَّة في ٣:٣٤: النَّسَبُ يوصَفُ بِلَفظِ القِسمة، فيُقرَأُ
التَّتابُعُ في الذُّرِّيّةِ اتِّصالَ أبعاضٍ لا تَعاقُبَ آحاد.
- مَعَ الحَلال في ٣:٥٠ وبِإزاءِ ٢:٨٥: المَوضِعانِ يَضَعانِ حَدَّ
المَفهوم: مَن يَملِكُ الجُملةَ يَملِكُ تَبعيضَها، ومَن لا يَملِكُها يَكونُ تَبعيضُه اعتِداءً عليها.
ثَلاثةُ حُروفٍ أُخرى تَدخُلُ على التَّركيبِ المُزدَوَجِ فتُعطي نَفياً لِلتَّبَعِيَّةِ وخَلوةً وأمانة، وهي مَواضِعُ مَسحٍ لا مَواضِعُ تَسجيلٍ هُنا (انظُر القِسمِ السّابِع).
الإشكالات المَفتوحة
- أَمِنَ الجَذرِ «البَعوضة»؟ تَبويبُ الجُذورِ في صَفحةِ ٢:٢٦ يَرُدُّها
إلى ب-ع-ض، وعليه بُنِيَ تَسجيلُ المَوضِعِ هُنا، والمَعنى يوافِقُه (أدَقُّ قِطعةٍ تَقومُ بِنَفسِها). ولَو صَحَّ رَدُّها إلى غَيرِه لَسَقَطَ المَوضِعُ ولَم تَسقُطِ القِراءة، لِأنَّ الثَّمانيَ عَشرةَ الباقِيَةَ تَكفي. مَفتوح.
- «بَعْضَ يَوْمٍ» في ٢:٢٥٩: أمِقدارٌ خالِصٌ أم فيه مَعنى القَطع؟
السِّياقُ يَحتَمِلُ أن يَكونَ الرَّجُلُ قَدَّرَ قِطعةً من نَهارٍ بِعَينِه لا كَمِّيّةً مُبهَمة، وحينَئِذٍ لا يَخرُجُ المَوضِعُ عنِ الباب. ولا مَوضِعَ آخَرَ في المُسَجَّلِ يُشبِهُه فيُقاسَ عليه. مَفتوح.
- هل يَقتَضي التَّركيبُ المُزدَوَجُ تَساوِيَ الطَّرَفَين؟ ظاهِرُه
المُقابَلة، و٢:٢٥٣ يُدخِلُ عليه التَّفاوُتَ بِحَرفِ «عَلى» من غَيرِ أن يُغَيِّرَ بِنيَتَه. فهل التَّساوي في اللَّفظِ أم في الحُكم؟ مَفتوح.
- ٢:٨٥: أالمَذمومُ التَّبعيضُ أم اختِيارُ ما يُوافِقُ الهَوى؟ الآيةُ لا
تُسَمّي المَأخوذَ ولا المَتروك، وهو ما رُجِّحَ بِه الأوَّلُ هُنا. ولَو سُمِّيَ أحَدُهُما في مَوضِعٍ آخَرَ لَتَغَيَّرَ التَّرجيح. مَفتوح.