النساء · الآية 21

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا

«وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ»: سُؤالٌ عن الهَيئةِ بَعدَ السُّؤالِ عن الفِعل

تَصِلُ الآيةُ استِفهامَها بِاستِفهامِ سابِقَتِها: هُناكَ «أتَأخُذونَه»، وهُنا «وكَيفَ تَأخُذونَه». والأوَّلُ يَسأَلُ عن وُقوعِ الأخذ، والثّاني يَسأَلُ عن الهَيئةِ التي يَقَعُ عَلَيها، و«كَيفَ» سُؤالٌ عن الصّورةِ التي يَكونُ فيها الفِعل. فالآيةُ تَنقُلُ الإنكارَ من الفِعلِ إلى صورَتِه، وتَطلُبُ من المُريدِ أن يَتَصَوَّرَ أخذَه في الهَيئةِ التي سَتَذكُرُها، فإذا تَصَوَّرَه كذلك لم يَجِدْ لَه صورةً تَستَقيم. والواوُ في «وقَد» تَفتَحُ وَصفَ تِلكَ الهَيئة، و«قَد» مَعَ الماضي تُثبِتُ أنَّ ما بَعدَها وَقَعَ وتَمّ.

«وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ»: وُصولٌ يُرفَعُ فيه الحاجِز

والإفضاءُ من ف-ض-و، والفَضاءُ المَكانُ الواسِعُ الخالي من الحَواجِز، و«أفضى إلى الشَّيءِ» وَصَلَ إلَيه وُصولاً لم يَبقَ بَينَه وبَينَه ما يَحجُبُه، ومنه «أفضى إلَيه بِسِرِّه» إذا أوصَلَه إلَيه كُلَّه ولم يُبقِ مِنه شَيئاً. فالعِبارةُ تُسَمّي ما كانَ بَينَ الزَّوجَينِ بِوُصولٍ يَبلُغُ فيه كُلٌّ مِنهُما الآخَرَ وقد رُفِعَ ما بَينَهُما من حاجِز، وتَكتَفي بِالفِعلِ عن تَفصيلِ ما يَقَعُ عَلَيه.

و«بَعضُكُم إلى بَعضٍ» تَجمَعُ الرَّجُلَ والمَرأةَ في ضَميرٍ واحِد، «كُم»، ثُمَّ تَقسِمُه إلى بَعضَين. والبَعضُ من ب-ع-ض، جُزءٌ من كُلٍّ يَبقى مُتَّصِلاً بِه، فالزَّوجانِ في العِبارةِ بَعضانِ من «أنتُم» واحِد، وكُلٌّ مِنهُما أفضى إلى صاحِبِه. واللَّفظُ يُسنِدُ الفِعلَ إلى «بَعضِكُم» فيَصدُقُ على كُلٍّ من الطَّرَفَين، فالإفضاءُ في الآيةِ مُتَبادَل. وفي هذا صَدىً لِأوَّلِ السّورة، حَيثُ رُدَّ النّاسُ جَميعاً إلى أصلٍ واحِد: مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، فالإفضاءُ وُصولُ بَعضٍ إلى بَعضٍ يَرجِعانِ إلى ذلك الأصل.

«وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا»: الآخِذاتُ هُنَّ النِّساء

ثُمَّ يَنقَلِبُ الفِعلُ الذي بُنِيَت عَلَيه الآيَتان: كانَ «تَأخُذونَه» فِعلَ الرِّجالِ في المال، فصارَ «أخَذنَ» فِعلَ النِّساءِ في المِيثاق. فالمُخاطَبونَ الذينَ يُريدونَ أن يَأخُذوا قد أُخِذَ مِنهُم من قَبل، ونونُ النِّسوةِ في «أخَذنَ» تَجعَلُ النِّساءَ آخِذات، والرِّجالَ مَأخوذاً مِنهُم: «مِنكُم». والمِيثاقُ من و-ث-ق، والوَثاقُ ما يُشَدُّ بِه الشَّيءُ فلا يَنفَلِت، فالمِيثاقُ عَهدٌ مَشدودٌ يَربِطُ صاحِبَه بِما عاهَدَ عَلَيه، ومنه «وَثِقَ بِه» اطمَأنَّ إلَيه كأنَّه شَدَّ نَفسَه إلى حَبلٍ يَصمُدُ ولا يَنقَطِع.

و«غَليظاً» من غ-ل-ظ، والغِلَظُ الثَّخانةُ والشِّدّة، والحَبلُ الغَليظُ ما كَثُفَ فعَسُرَ قَطعُه. والوَصفُ «مِيثاقاً غَليظاً» يَرِدُ في الكِتابِ في مَوضِعَينِ آخَرَينِ بِلَفظٍ واحِد: وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾، مَرّةً لِعَهدٍ أخَذَه اللهُ من النَّبيّين، ومَرّةً في هذه السّورةِ لِعَهدٍ أخَذَه من الذينَ رَفَعَ فَوقَهُمُ الطّور، والآخِذُ في المَوضِعَينِ الله، والآخِذاتُ هُنا النِّساء، فالعَهدُ بَينَ الزَّوجَينِ يُوصَفُ بِالصِّفةِ التي وَصَفَ بِها اللهُ ما أخَذَه من أنبيائه ومن الذينَ رَفَعَ فَوقَهُمُ الطّور.

فالحالانِ اللَّتانِ جاءَتا بَعدَ «كَيفَ» تُجيبانِ عن السُّؤالِ نَفسِه: وُصولٌ تَمَّ بَينَ البَعضَين، وعَهدٌ غَليظٌ أُخِذَ من الرِّجال، وكِلاهُما ماضٍ مُحَقَّقٌ بِـ«قَد» وبِصيغةِ المُضِيّ. والمالُ الذي يُرادُ أخذُه يَقِفُ في الآيةِ بَينَ هذَين: قُربٍ رُفِعَ فيه الحاجِزُ بَينَ الطَّرَفَين، وعَهدٍ شَدَّ الرَّجُلَ إلى المَرأةِ شَدّاً يَعسُرُ قَطعُه، فمَن أرادَ أن يَأخُذَ وَجَدَ أمامَه ما أُخِذَ مِنه.


حَصيلة

تَنقُلُ الآيةُ إنكارَ الأخذِ من السُّؤالِ عن وُقوعِه إلى السُّؤالِ عن هَيئَتِه: «وكَيفَ تَأخُذونَه»، ثُمَّ تَضَعُ أمامَ السُّؤالِ حالَينِ ماضِيَتَين: إفضاءً، من ف-ض-و، وُصولاً رُفِعَ فيه الحاجِزُ بَينَ «بَعضِكُم» و«بَعضٍ»، والبَعضُ من ب-ع-ض جُزءٌ من كُلٍّ واحِدٍ يَرجِعُ إلى النَّفسِ الواحِدةِ في أوَّلِ السّورة، ومِيثاقاً، من و-ث-ق، عَهداً مَشدوداً، وَصَفَته بِـ«غَليظاً»، من غ-ل-ظ، الصِّفةِ التي وُصِفَ بِها عَهدُ اللهِ من النَّبيّينَ ومن الذينَ رُفِعَ فَوقَهُمُ الطّور. ويَنقَلِبُ في الآيةِ فِعلُ الأخذ: الرِّجالُ يُريدونَ أن يَأخُذوا المال، والنِّساءُ قد أخَذنَ مِنهُم العَهد، فالآخِذُ المُريدُ مَأخوذٌ مِنه من قَبل، والمالُ مَحفوظٌ بَينَ قُربٍ تَمَّ وعَهدٍ غَليظ.