الإركاس
جارٍ يَرتَدُّ على نَفسِه حتّى يَدخُلَ أوَّلُه في آخِرِه، ثُمَّ يُحصَرُ فيما ارتَدَّ إلَيه. والجَذرُ لا يَرِدُ في القرآنِ كُلِّه إلّا مَرَّتَين، في آيَتَينِ مُتَقارِبَتَينِ من سورةِ النِّساء، وفي المَرَّتَينِ يَقَعُ الفِعلُ على القَومِ ولا يَصدُرُ عَنهُم.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثَلاثةُ حُروف:
- ر: خَفَقاتٌ مُتَوالِياتٌ خَفيفاتٌ لِطَرَفِ اللِّسانِ على اللِّثة، والنَّفَسُ يَجري من تَحتِها جَرَياناً لا يَحتَبِس. شِحنَتُه: الجَرَيانُ المُستَرسِل.
- ك: التِقاءٌ غائِرٌ لِأقصى اللِّسانِ بِأقصى الحَنَكِ يَكتِمُ النَّفَسَ مَضغوطاً ثُمَّ يَنفَتِحُ عنه انفِتاحاً مَهموساً قاطِعاً. شِحنَتُه: الالتِقاءُ الغائِرُ والتَّداخُل.
- س: حَصرٌ دَقيقٌ لِلنَّفَسِ في مَجرًى ضَيِّقٍ بَينَ أسَلةِ اللِّسانِ والثَّنايا، يَجري فيه جَرَياناً مُتَّصِلاً مَهموساً صافِراً. شِحنَتُه: الحَصرُ والضِّيقُ والدِّقّة.
النَّواةُ رك (ر + ك) = جَرَيانٌ مُستَرسِلٌ يَغورُ فيَتَداخَلُ بَعضُه في بَعض. والجاري إذا التَقى بِنَفسِه لِقاءً غائِراً دَخَلَ مُقَدَّمُه فيما خَلفَه، فانعَطَفَ على ما مَضى مِنه ولم يَمضِ إلى أمام. والإغلاقُ بِـس يَحصُرُ هذا المُتَداخِلَ في مَضيقٍ فلا يَخرُجُ مِنه. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: جارٍ يَرتَدُّ على نَفسِه حتّى يَدخُلَ أوَّلُه في آخِرِه، ثُمَّ يُحصَرُ فيما ارتَدَّ إلَيه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: «رَكَسَ الشَّيءَ» إذا قَلَبَه فرَدَّ أوَّلَه على آخِرِه وجَعَلَ أعلاه أسفَلَه، و«ارتَكَسَ» إذا عادَ فوَقَعَ فيما كانَ خَرَجَ مِنه. والوَجهانِ حَرَكةٌ واحِدةٌ تُرى من جِهَتَين: القَلبُ ارتِدادُ الشَّيءِ على نَفسِه، والعَودُ ارتِدادُه إلى المَوضِعِ الذي خَرَجَ مِنه، والسّينُ في الحالَينِ تَحصُرُه حَيثُ ارتَدّ.
الشِّحنةُ الجامِعةُ لِلجَذرِ ر-ك-س: ارتِدادٌ يَقلِبُ الأوَّلَ على الآخِرِ ويَحصُرُ المُرتَدَّ فيما رَجَعَ إلَيه. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في مَوضِعَيها في مَسألَتَين:
الأولى: لِماذا يَلي الإركاسُ الرَّدَّ في جُملةٍ واحِدة. في ٤:٩١ يَتَعاقَبُ فِعلانِ مَبنِيّانِ لِما لَم يُسَمَّ فاعِلُه: «رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ» ثُمَّ «أُرْكِسُوا فِيهَا». والرَّدُّ يَبلُغُ بِأصحابِه غايةً تُسَمّيها «إلى» ويَقِفُ عِندَها، والإركاسُ يَبدَأُ حَيثُ وَقَفَ الرَّدّ: انقِلابٌ في داخِلِ الغاية، و«فيها» تُسَمّي الظَّرفَ الذي يُحصَرونَ فيه، وهو عَمَلُ السّينِ في آخِرِ الجَذر. فالفِعلانِ حَرَكَتانِ مُتَتابِعَتان: وُصولٌ، ثُمَّ انقِلابٌ يَحصُرُ الواصِلَ حَيثُ وَصَل.
الثّانية: لِماذا يُترَكُ مَوضِعُ الإركاسِ بِلا اسمٍ في ٤:٨٨. الآيةُ تَقولُ «وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا» فتُسَمّي السَّبَبَ بِالباء، وتَترُكُ ما رُدّوا إلَيه بِلا اسم. والحُروفُ تَحمِلُ المَوضِعَ في الفِعلِ نَفسِه: الجاري يَرتَدُّ على نَفسِه وإلى ما خَرَجَ مِنه، فلا يَحتاجُ الفِعلُ إلى ظَرف. والسَّبَبُ المُسَمّى كَسبُهُم، والكَسبُ جَذبٌ إلى النَّفسِ يَلزَمُها (kasb)، فالمُرتَدُّ على نَفسِه يُرَدُّ على ما جَمَعَه إلَيها. وحينَ ظَهَرَ الظَّرفُ في ٤:٩١ ظَهَرَ مَعَ رَدٍّ يُسَمّي غايةً غَيرَ النَّفس: الفِتنة.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- أَرْكَسَهُم (ماضٍ على وَزنِ أفعَلَ، فاعِلُه اسمُ الجَلالةِ مُقَدَّماً مُبتَدَأً في جُملةٍ حالِيّة، ومَفعولُه ضَميرُ الغائِبين): ٤:٨٨. الوَزنُ يَجعَلُ الإركاسَ فِعلاً يوقِعُه فاعِلٌ على غَيرِه، والباءُ بَعدَه تَشُدُّه إلى سَبَبِه.
- أُرْكِسُوا (ماضٍ مَبنيٌّ لِما لَم يُسَمَّ فاعِلُه من أفعَلَ، نائِبُ فاعِلِه واوُ الجَماعة، ومَعَه «فيها»): ٤:٩١. البِناءُ يَطوي الفاعِلَ ويَصرِفُ النَّظَرَ إلى ما يَقَعُ لِلقَوم، و«كُلَّ ما» قَبلَه تَجعَلُه حَدَثاً يَتَكَرَّرُ مَعَ كُلِّ رَدّ.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الارتِدادُ على النَّفسِ والانحِصارُ فيه من الحُروف.
والوَزنُ في المَوضِعَينِ واحِد، أفعَلَ، يُضيفُ أنَّ هذا الارتِدادَ يوقَعُ
على أصحابِه. فلا يَرِدُ في القرآنِ ثُلاثيٌّ مُجَرَّدٌ لِلجَذرِ ولا افتِعالٌ
مُطاوِع، والقَومُ في المَوضِعَينِ مَفعولٌ بِه أو نائِبُ فاعِل، ولا يَكونونَ
فاعِلَ الفِعلِ في مَوضِع. وتَفتَرِقُ الصّيغَتانِ في الفاعِل: مُسَمًّى في
الأولى، ومَطوِيٌّ في الثّانية.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
لا فَرعَ لِلجَذرِ في المُعجَم. والمُجاوِرُ من جُذورٍ أُخرى:
irtidad(ر-د-د): من جَذرِه «رُدُّوا» الذي يَسبِقُ الإركاسَ في
٤:٩١. الرَّدُّ عَودةٌ تَبلُغُ غايةً تُسَمّيها «إلى»، والإركاسُ انقِلابٌ يَقَعُ داخِلَ تِلكَ الغايةِ ويَحصُرُ صاحِبَه فيها.
dalal(الضَّلال، ض-ل-ل): يُجاوِرُ الإركاسَ في ٤:٨٨ مُسنَداً إلى اللهِ
مِثلَه. والضَّلالُ انتِشارٌ يَفقِدُ فيه السّائرُ مَوضِعَه، والإركاسُ ارتِدادٌ يُحصَرُ فيه المُرتَدُّ في مَوضِعٍ واحِد، فالحَرَكَتانِ مُتَعاكِستانِ في الصّورة.
- النَّكس (ن-ك-س): لا مَفهومَ لَه في المُعجَم، وجَذرُه في المَنشورِ مَرّةً
واحِدة: «وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ» (٣٦:٦٨). يَشتَرِكُ مَعَ ر-ك-س في الكافِ والسّينِ وفي تَعَلُّقِ الفِعلِ بِـ«في»، ويَفتَرِقانِ في المَقلوب: النَّكسُ رَدُّ الخَلقِ على أوَّلِه مَعَ طولِ العُمُر، والإركاسُ رَدُّ قَومٍ إلى ما خَرَجوا مِنه بِما كَسَبوا.
المَواضع: مَواقعُ الإركاسِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٤:٨٨ ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَذرُ يَدخُلُ المُصحَفَ فِعلاً ماضِياً على أفعَلَ، فاعِلُه اسمُ الجَلالةِ مُقَدَّماً في جُملةٍ حالِيّةٍ بِالواو، تَصِفُ القَومَ ساعةَ سُئِلَ المُخاطَبونَ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾. الجَديدُ: يُذكَرُ الإركاسُ حُكماً قد تَمَّ في القَومِ قَبلَ السُّؤالِ عن هِدايَتِهِم، ويُشَدُّ بِالباءِ إلى كَسبِهِم، ولا يُسَمّى مَوضِعٌ رُدّوا إلَيه، فالمَردودُ فيه ما جَمَعوه هُم إلى أنفُسِهِم. ثُمَّ يَليه في الآيةِ نَفسِها ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، فيَتَجاوَرُ فِعلانِ مُسنَدانِ إلى اللهِ مُتَعاكِسانِ في الصّورة: ارتِدادٌ يَحصُرُ في مَوضِع، وإضلالٌ يَنتَشِرُ فيه السّائرُ بِلا مَوضِع. انظُر الكَسب.
- ٤:٩١ ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾: الفِعلُ يَعودُ ماضِياً مَبنِيّاً لِما لَم يُسَمَّ فاعِلُه، جَواباً لِـ«كُلَّ ما» في وَصفِ قَومٍ ﴿يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾. الجَديدُ: يُسَمّى لِأوَّلِ مَرّةٍ ما يُرَدّونَ إلَيه، الفِتنة، ويَنفَصِلُ الرَّدُّ عن الإركاسِ في جُملةٍ واحِدة: «إلى» تَحُدُّ غايةَ الرَّدّ، و«فيها» تَحصُرُ الإركاسَ داخِلَ الغاية، وهو ما تَحمِلُه السّينُ في آخِرِ الجَذر. وكانَ في ٤:٨٨ حُكماً ماضِياً مَرّةً واحِدةً فاعِلُه اسمُ الجَلالة، فصارَ بِـ«كُلَّ ما» عادةً تَتَكَرَّرُ مَعَ كُلِّ رَدٍّ ويُطوى فاعِلُها. ثُمَّ يُشتَرَطُ عَلَيهِم في الآيةِ نَفسِها ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾، فيَجتَمِعُ في القَومِ انقِلابٌ يَقَعُ عَلَيهِم وإمساكٌ يُطلَبُ مِنهُم. انظُر الفِتنة والكَفّ.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ الكَسب في ٤:٨٨: الإركاسُ مَشدودٌ بِالباءِ إلى «بِمَا كَسَبُوا»،
واللَّفظانِ مُتَجاوِرانِ يَجتَمِعُ فيهِما الكافُ والسّينُ مُتَتابِعَتَين. والجَذرانِ يَنتَهِيانِ إلى صاحِبِهِما: الكَسبُ جَذبٌ إلى النَّفسِ يَلزَمُها، والإركاسُ ارتِدادٌ على النَّفسِ يَحصُرُها فيما لَزِمَها.
- مَعَ النِّفاق في ٤:٨٨: أوَّلُ مَن يَقَعُ عَلَيهِمُ الإركاسُ في المُصحَفِ
المُنافِقونَ الذينَ انقَسَمَ فيهِمُ المُخاطَبونَ فِئَتَين. والنِّفاقُ في جَذرِه مَسلَكٌ ذو فَتحَتَين يَدخُلُ صاحِبُه من إحداهُما ويَخرُجُ من الأُخرى، والإركاسُ يَقَعُ عَلَيهِمُ ارتِداداً يَحصُرُهُم في مَوضِعٍ واحِد.
- مَعَ الضَّلال في ٤:٨٨: فِعلانِ مُسنَدانِ إلى اللهِ في آيةٍ واحِدة،
الإركاسُ والإضلال، ثُمَّ خِتامٌ «فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا»: المُركَسُ مَحصورٌ فيما ارتَدَّ إلَيه، والضّالُّ فاقِدٌ لِمَوضِعِه، وكِلاهُما بِلا سَبيل.
فيها. والفِتنةُ اختِبارٌ يُظهِرُ ما في الجَوهَر، فالمَردودُ إلَيها يَنقَلِبُ فيها كُلَّما أُعيد، ويَظهَرُ من انقِلابِه ما هو عَلَيه.
- مَعَ الأَمن في ٤:٩١: القَومُ يُريدونَ أن يَسكُنوا من الجِهَتَين،
والآيةُ تَصِفُ حالَهُم مَعَ الفِتنةِ انقِلاباً يَتَكَرَّر، فما يُطلَبُ سُكوناً في جِهَتَينِ يَقَعُ انقِلاباً في مَوضِعٍ واحِد.
- مَعَ الكَفّ في ٤:٩١: الجَذرانِ في آيةٍ واحِدة، وكِلاهُما رُجوعٌ عن
وِجهة: الإركاسُ يَقَعُ على القَومِ فيَرُدُّهُم على أنفُسِهِم، والكَفُّ يُشتَرَطُ عَلَيهِم في أيديهِم فيَرُدُّها عن غَيرِهِم.
الإشكالات المَفتوحة
- إلى أيِّ شَيءٍ أُركِسوا في ٤:٨٨؟ الآيةُ تُسَمّي السَّبَبَ وتَترُكُ
المَوضِعَ بِلا اسم، والحُروفُ تَجعَلُ المَوضِعَ ما خَرَجَ مِنه المُرتَدّ. فيُقرَأُ الإركاسُ هُناكَ رَدّاً إلى حالٍ سابِقةٍ كانوا عَلَيها، و«بِمَا كَسَبُوا» تَجعَلُ تِلكَ الحالَ من صُنعِهِم، والآيةُ تَترُكُها بِلا وَصف. مَفتوح.
- لِماذا يُطوى الفاعِلُ في ٤:٩١ بَعدَ أن سُمِّيَ في ٤:٨٨؟ البِناءُ لِما
لَم يُسَمَّ فاعِلُه يَشمَلُ الرَّدَّ والإركاسَ مَعاً، و«كُلَّ ما» تَجعَلُ الحَدَثَ عادةً تَتَكَرَّر. فالقِراءةُ القائِمةُ أنَّ طَيَّ الفاعِلِ يَصرِفُ النَّظَرَ إلى التَّكرارِ نَفسِه: كُلُّ رَدٍّ يَتلوه انقِلاب. والحُروفُ لا تَفصِلُ في هذا، فالانقِلابُ فيها واحِدٌ مَهما كانَ مُوقِعُه. مَفتوح.
- هل لُزومُ وَزنِ أفعَلَ خاصّةٌ في الجَذر؟ الجَذرُ في القرآنِ كُلِّه مَرّتانِ
لا غَير، وكِلتاهُما على أفعَلَ يَقَعُ فيه الفِعلُ على القَوم. ومَوضِعانِ لا يَكفِيانِ لِتَقريرِ أنَّ الجَذرَ لا يُسنَدُ إلى صاحِبِه، والمُصحَفُ لا يَزيدُ عَلَيهِما شاهِداً يُختَبَرُ بِه. مَفتوح.