الأَمن
الاستِقرارُ في الوُجودِ الذي تَنتَفي فيه التَّهديداتُ الداخِليَّةُ والخارِجيَّة. ليسَ مُجَرَّدَ غِيابِ الخَطَرِ بَل الانكِشافُ الطَّليقُ بِلا حِرز، تَجَمُّعُ الذَّاتِ في مَركَزِها دُونَ تَشَتُّت.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- أ :: انطِباقٌ تامٌّ يَقطَعُ مَجرى النَّفَسِ ثُمَّ يَنفَتِحُ عَنه
دَفعةً واحِدة، وصِفَتُه التَّوكيدُ والتَّقوِية. فالمَبدَأُ قَطعٌ يُثبِتُ ما بَعدَه.
- م :: انطِباقٌ ضامٌّ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ في جَوفٍ
مُغلَق، ووَجهُه الامتِساكُ والاحتِواءُ الباطِن. فالوَسَطُ ضَمٌّ يَحوي.
- ن :: احتِباسٌ جَوفيٌّ يَمتَلِئُ رَنيناً لَطيفاً، **يَنفُذُ في
الآنِ نَفسِه مُنبَعِثاً من مَنفَذٍ ضَيِّق. فالمُنتَهى رَنينٌ يَخرُجُ ولا يَنفَضُّ المَحويّ**.
فالتَّركيبُ: تَوكيدٌ، فضَمٌّ يَحوي، فانبِعاثٌ لَطيفٌ مِمّا حُوِيَ. وهذه ثَلاثُ خَصائِصَ لِلأمنِ لا تُوجَدُ في مُجَرَّدِ ارتِفاعِ الخَوف: أنَّه مُثبَتٌ بِفِعلٍ لا حاصِلٌ بِارتِفاعِ سَبَب، وأنَّه احتِواءٌ لا سُور، وأنَّه يُشِعُّ فيَبلُغُ مَن دَخَل.
وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ ٢:١٢٥ تَجعَلُ البَيتَ نَفسَه «وَأَمْنًا» بِالمَصدَرِ لا بِالنَّعت، ثُمَّ يَسأَلُ إبراهيمُ في ٢:١٢٦ «بَلَدًا آمِنًا» بِاسمِ الفاعِل. ولَو كانَ الجَذرُ اسماً لِانتِفاءِ الخَطَرِ لَكانَ الأوَّلُ فاسِداً في المَعنى، إذ لا يُقالُ لِلمَوضِعِ إنَّه انتِفاءُ خَطَر. وعلى هذا الأصلِ يَستَقيمُ الوَجهانِ ويَفتَرِقان: البَيتُ مَصدَرُ الرَّنينِ فسُمِّيَ بِالمَصدَر، والبَلَدُ حامِلٌ لَه فسُمِّيَ بِاسمِ الفاعِل. ولِذلك قُرِنَ الأمنُ في المَوضِعَينِ بِالمَثابةِ ثُمَّ بِالرِّزق، وكِلاهُما وارِدٌ إلى المَوضِعِ وصادِرٌ عَنه، ولِذلك سُئِلَ بِـ«اجْعَلْ» ولم يُبنَ: ما يُشِعُّ لا يُشادُ من خارِجِه.
الصِّيَغ
- أَمنٌ (مَصدَرٌ في سِياقِ الوَصفِ): البَيتُ مَوضِعُ الأَمن.
- بَلَداً آمِناً (نَعت): الأَمنُ وَصفٌ لِلبَلَد.
الفُروق المَعنويّة: الجَذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
iman(الإيمان): الفِعلُ الذي يُوصِلُ إلى الأَمن. انظُر الإيمان. الأَمنُ الحالةُ، والإيمانُ الفِعلُ.
المَواضع: مَواقِعُ الأَمنِ في القُرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٢٥ ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الأَمنُ ثانيةُ خاصِّيَّتَي البَيت (بَعدَ المَثابَة). والجَديدُ أنَّ الاسمَ يَقَعُ على البَيتِ بِالمَصدَرِ لا بِالنَّعت: لم يُقَلْ «آمِناً» بَل «وَأَمْنًا»، فجُعِلَ البَيتُ الأمنَ نَفسَه لا مَوصوفاً بِه. وهو الفَرقُ الذي بُنِيَ عليه القِسمُ الأوَّل: ما يُشِعُّ يُسَمّى بِمَصدَرِه، والمُقابَلةُ في الآيةِ تُؤَيِّدُه، إذ عُطِفَ الأمنُ على «مَثابَةً» وهي أيضاً اسمُ ما يُؤتى إليه لا وَصفُ ما فيه. فالخاصِّيَّتانِ واحِدةٌ في البِنية: وارِدٌ إلى المَوضِعِ وصادِرٌ عنه.
- ٢:١٢٦ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾: التَّطوُّرُ الثَّاني. إبراهيمُ يَدعو بِأن يَكونَ البَلَدُ آمِناً، مَطلوبٌ من الله لا مُحَقَّقٌ بِالقُوَّة. الأَمنُ هِبةٌ إلهيَّة: من أَعطاه أَمَّنَ مَن شاء. «وَارزُق أَهلَه مِنَ الثَّمَرات» مَقرونٌ بِالأَمنِ: الأَمنُ والرِّزقُ صِنوانِ في الدُّعاء.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
mathaba: الأَمنُ ومَثابةُ البَيتِ معاً في ٢:١٢٥: مَرجِعٌ آمِن.balad: في ٢:١٢٦ «بَلَداً آمِناً»: الأَمنُ صِفةٌ لِلبَلَد.iman: الجَذرُ المُشتَرَك: الأَمنُ والإيمانُ وَجهانِ للجَذرِ ذاتِه.
الإشكالات المَفتوحة
- هل الأَمنُ في ٢:١٢٥ وصفٌ لِمَكانٍ أم لِحالَة؟ مَوقِفُنا: كِلاهُما: الموضِعُ آمِنٌ والكائِنُ فيه في أَمان. الجَذرُ يَجمَعُهُما.