النساء · الآية 88

﴿۞ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا

«فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ»: سُؤالٌ يَستَنكِرُ الانقِسام

تَبدَأُ الآيةُ بِالفاءِ وسُؤال: «فما لَكُم»، والسُّؤالُ بِـ«ما لَكُم» يَقِفُ على حالٍ قائمةٍ بِالمُخاطَبينَ فيَستَنكِرُها ويَطلُبُ عِلَّتَها، وقد جاءَ مِثلُه في هذا المَقطَعِ في الآيةِ الخامِسةِ والسَّبعين: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. والهَيئةُ المُستَنكَرةُ هُنا «فِئَتَين»: المُخاطَبونَ صاروا في شَأنِ المُنافِقينَ طائفَتَين. والفِئةُ الجَماعةُ من النّاس، و«فِئَتَينِ» مَنصوبةٌ على الحال، فالسُّؤالُ واقِعٌ على هذه الهَيئةِ نَفسِها، يَسأَلُ عن سَبَبِها ويُنكِرُها.

وقد سَمّى الكِتابُ في مَوضِعٍ آخَرَ فِئَتَينِ هُما طَرَفا لِقاءٍ في قِتال: فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾، أمّا الفِئَتانِ هُنا فمِنَ المُخاطَبينَ أنفُسِهِم، انقَسَموا في أمرِ غَيرِهِم. والمُنافِقُ من ن-ف-ق، مَن جَعَلَ لِنَفسِه في الأمرِ مَسلَكَين، يَدخُلُ من أحَدِهِما ويَخرُجُ من الآخَر، فذو المَسلَكَينِ صارَ المُخاطَبونَ في شَأنِه فِئَتَين.

«وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا»: رَدٌّ على الأعقابِ بِما جَمَعَتِ الأيدي

ثُمَّ تَأتي جُملةٌ بِالواوِ تَصِفُ ما عَلَيه أمرُ القَومِ ساعةَ انقِسامِ المُخاطَبينَ فيهِم: «واللهُ أركَسَهُم بِما كَسَبوا»، فهُم مُنقَسِمونَ في قَومٍ قد رُدّوا على أعقابِهِم. والإركاسُ من ر-ك-س، وهو رَدُّ الشَّيءِ على عَقِبِه حتّى يَنقَلِبَ أوَّلُه على آخِرِه، يُقالُ «رَكَسَ الشَّيءَ» إذا قَلَبَه فجَعَلَ أعلاه أسفَلَه، و«ارتَكَسَ في الأمرِ» إذا عادَ فوَقَعَ فيما كانَ خَرَجَ مِنه. ولا يَرِدُ هذا الجِذرُ في الكِتابِ إلّا في هذه الآيةِ وفي الآيةِ الحادِيةِ والتِّسعين: كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾.

والباءُ في «بِما كَسَبوا» تَشُدُّ الإركاسَ إلى كَسبِهِم، والكَسبُ من ك-س-ب مَدُّ اليَدِ إلى الشَّيءِ وإمساكُه وضَمُّه إلى صاحِبِه. فالآيةُ تُسنِدُ الرَّدَّ إلى الله، وتَجعَلُ ما رُدّوا بِه ما ضَمّوه هُم إلى أنفُسِهِم بِأيديهِم. ويَتَجاوَرُ اللَّفظانِ «أركَسَهُم» و«كَسَبوا»، ويَجتَمِعُ فيهِما الكافُ والسّينُ مُتَتابِعَتَين، فيُسمَعُ الإركاسُ في اللَّفظِ صَدىً لِلكَسب.

«أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ»: هِدايةٌ تُرادُ لِمَن رُدّ

ثُمَّ يَأتي سُؤالٌ ثانٍ: «أتُريدونَ أن تَهدوا مَن أضَلَّ الله»، وهو يُسَمّي إرادةً قائمةً في المُخاطَبينَ أو في بَعضِهِم: أن يَهدوا هؤلاءِ الذينَ أُركِسوا. والهِدايةُ من ه-د-ي تَقَدُّمٌ لَيِّنٌ يَمضي أمامَ السّائرِ ويَصحَبُه على طَريقِه، والضَّلالُ من ض-ل-ل خُروجٌ إلى فَضاءٍ واسِعٍ لا مَعلَمَ فيه يُمسِكُ السّائر. و«أضَلَّ» على «أفعَل» وفاعِلُه الله، وقد جاءَ قَبلَه في الآيةِ نَفسِها أنَّ الرَّدَّ كانَ «بِما كَسَبوا»، فالإضلالُ المُسنَدُ إلى اللهِ واقِعٌ في آيةٍ تَربِطُ ما أصابَهُم بِما صَنَعوا.

«وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا»: حُكمٌ عامٌّ يَختِمُ السُّؤال

ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ من المُعَيَّنِ إلى العامّ: «ومَن يُضلِلِ اللهُ فلَن تَجِدَ لَه سَبيلاً»، ويَتَحَوَّلُ الخِطابُ من الجَمعِ في «أتُريدون» إلى المُفرَدِ في «تَجِدَ»، فيَتَوَجَّهُ الحُكمُ إلى مُخاطَبٍ واحِد، كالمُخاطَبِ بِـ«فقاتِلْ» في الآيةِ الرّابِعةِ والثَّمانين، أو إلى كُلِّ مَن يَسمَعُه على حِدَة، والآيةُ تَترُكُ ذلك مَفتوحاً. و«لَن» تَنفي في المُستَقبَل، و«سَبيلاً» نَكِرةٌ تَعُمُّ كُلَّ طَريق، والسَّبيلُ من س-ب-ل مَجرىً مَفتوحٌ مَمدودٌ يُسلَكُ إلى غايَتِه، فمَن تُرِكَ في الفَضاءِ الواسِعِ بِلا مُمسِكٍ فلا يَجِدُ لَه أحَدٌ مَجرىً مَفتوحاً يَخرُجُ مِنه.

وقد جاءَ مِثلُ هذا التَّركيبِ في الآيةِ الثّانيةِ والخَمسينَ من هذه السّورة: وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾، ويَعودُ بِلَفظِه في الآيةِ الثّالِثةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئةِ عَقِبَ وَصفِ قَومٍ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾، ولا يَرِدُ «ومَن يُضلِلِ اللهُ فلَن تَجِدَ لَه سَبيلاً» في غَيرِ هذَينِ المَوضِعَين. وفي خِتامِ الآيةِ بِـ«سَبيلاً» ما يَصِلُها بِما بَعدَها، فالسَّبيلُ يَتَرَدَّدُ في الآيَتَينِ التّالِيَتَين: فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.


حَصيلة

تَسأَلُ الآيةُ المُخاطَبينَ عن انقِسامِهِم فِئَتَينِ في شَأنِ المُنافِقين، وهُم من ن-ف-ق أهلُ المَسلَكَين، وتُنكِرُ هذا الانقِسامَ بِأنَّ أمرَ هؤلاءِ قد رُدّ: أركَسَهُمُ الله، من ر-ك-س، وهو جِذرٌ لا يَرِدُ في الكِتابِ إلّا هُنا وفي الآيةِ الحادِيةِ والتِّسعين، أي رَدَّهُم على أعقابِهِم مُنقَلِبين، بِما كَسَبوا، من ك-س-ب، أي بِما ضَمَّته أيديهِم إلى أنفُسِهِم. ثُمَّ تَسأَلُ عن إرادةِ هِدايةِ مَن أضَلَّه الله، والهِدايةُ من ه-د-ي مُضِيٌّ أمامَ السّائرِ في طَريقِه، والضَّلالُ من ض-ل-ل خُروجٌ إلى فَضاءٍ بِلا مُمسِك، وتَختِمُ بِحُكمٍ عامٍّ يَنتَقِلُ فيه الخِطابُ إلى المُفرَد: مَن أضَلَّه اللهُ فلَن يُوجَدَ لَه سَبيل، من س-ب-ل، وهو حُكمٌ يَعودُ بِلَفظِه في الآيةِ الثّالِثةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئة، ويَفتَحُ على السَّبيلِ الذي يَتَرَدَّدُ في الآيَتَينِ بَعدَه.