الكَسب

kasb جذر · ك-س-ب 15 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
**ما اجتُلِبَ إلى النَّفسِ فلَزِمَها**. لَيسَ الكَسبُ في الجَذرِ حَرَكةً تَصدُرُ عن صاحِبِها، بَل قَبضاً يُجَرُّ بِه الشَّيءُ إليه ثُمَّ يَلتَصِقُ بِه فلا يُفارِقُه. ولِذلك أُسنِدَ في القرآنِ إلى **القَلب**، وهو لا مَخرَجَ لَه، ولم يُسنَد إلى اليَدِ في مَوضِعٍ واحِدٍ مِمّا نُشِر.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • ك: التِقاءٌ غائِرٌ لِأقصى اللِّسانِ بِأقصى الحَنَكِ يَكتِمُ النَّفَسَ

مَضغوطاً ثُمَّ يَنفَتِحُ عنه انفِتاحاً مَهموساً قاطِعاً. شِحنَتُه: أخذٌ من الغَورِ وإمساكٌ ثُمَّ قَطعٌ يُخرِجُ ما أُمسِك.

  • س: حَصرٌ دَقيقٌ لِلنَّفَسِ في مَجرىً ضَيِّقٍ بَينَ أسَلةِ اللِّسانِ

والثَّنايا، يَجري فيه مُتَّصِلاً صافِراً ثُمَّ يَنفُذُ من بَينِ الأسنانِ خارِجاً. شِحنَتُه: نَفاذٌ دَقيقٌ في مَجرىً ضَيِّق.

  • ب: التِقاءٌ رَخوٌ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ مُحتَبَساً ثُمَّ

يَنفَتِحُ عنه خارِجاً. شِحنَتُه: اتِّصالٌ وتَمَسُّكٌ مَعَ احتِباس.

النَّواةُ كَس (ك + س) = قَبضٌ من غَورٍ يُسحَبُ في مَضيق: لا يَقَعُ الأخذُ على ما هو حاضِرٌ مَبذول، بَل يُنتَزَعُ الشَّيءُ من مَوضِعِه ثُمَّ يُمَرُّ في مَجرىً ضَيِّقٍ حتّى يَصِلَ إلى آخِذِه. والإغلاقُ بِـب يُلصِقُ هذا المَجرورَ بِمَن جَرَّه ويَحبِسُه عِندَه، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: اجتِلابٌ إلى الذّاتِ يَنتَهي إلى لُزوم.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • الكَسب: ما يُجمَعُ إلى النَّفسِ من رِزقٍ وغَيرِه. والنَّظَرُ فيه إلى

ما دَخَلَ لا إلى الحَرَكةِ التي أدخَلَتْه.

  • كَسَبَ أهلَه مالاً: جَلَبَه إليهِم. والفِعلُ يَنصِبُ مَفعولَين:

المَجلوبَ ومَن جُلِبَ إليه، فجِهَةُ الوُصولِ ظاهِرةٌ في بِنيَةِ الفِعلِ نَفسِها.

  • الكَواسِب: الجَوارِحُ التي تَصيدُ فتَجلِبُ ما صادَت إلى صاحِبِها.

الصَّيدُ خارِجٌ عنها، والكَسبُ رَدُّه إلى اليَدِ التي أرسَلَتْها.

  • الكُسْب: ثُفلُ ما عُصِرَ دُهنُه. هو ما احتُبِسَ ولَزِمَ بَعدَ أن جَرى

الدُّهنُ وخَرَج، فهو الوَجهُ المَحسوسُ لِلُّزومِ الذي في ب.

  • الكَسيبة: ما يُكتَسَب، أي المَجلوبُ نَفسُه لا الجَلب.

الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ك-س-ب: جَذبٌ إلى النَّفسِ يَلزَمُها. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآن، ويُفَسِّرُ أربَعةً لا تُعطيها الصّورةُ العامّةُ لِلفِعلِ والجَزاء:

أوَّلاً، إسنادُه إلى القَلب («بِما كَسَبَتْ قُلوبُكُم»، ٢:٢٢٥). القَلبُ لا جارِحةَ لَه تُبرِزُ شَيئاً إلى خارِج، فلا يَستَقيمُ أن يُسنَدَ إليه ما يَصدُرُ ويَظهَر، ويَستَقيمُ أن يُسنَدَ إليه ما يُدخَلُ ويُمسَك. فالجِهَةُ التي يَنظُرُ إليها الجَذرُ هي التي أجازَتِ الإسناد، وهي نَفسُها التي مَنَعَت أن يُقالَ في المَنشورِ «كَسَبَت أيديهِم».

ثانياً، احتِمالُه الطَّرَفَينِ مَعاً («لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيها ما اكتَسَبَتْ»، ٢:٢٨٦). لو كانَت شِحنَةُ الجَذرِ حُكماً لَما احتَمَلَتِ اللّامَ وعلى في نَفَسٍ واحِد. الشِّحنةُ جِهةُ حَرَكةٍ لا قيمة: كُلُّ ما جُذِبَ إلى النَّفسِ فقد لَزِمَها، ثُمَّ يُقَرَّرُ بَعدَ ذلك ألَها هو أم عَلَيها.

ثالثاً، التَّوفِيَة («تُوَفّى كُلُّ نَفسٍ ما كَسَبَتْ»، ٢:٢٨١). لا يُوَفّى إلّا ما استَقَرَّ في ذِمّة، ولا يَستَقِرُّ في الذِّمّةِ إلّا ما لَزِم. فالتَّوفِيَةُ مُقتَضى ب في آخِرِ الجَذر، ولِذلك لم يَرِد في المَنشورِ أن يُوَفّى أحَدٌ عَمَلَه، وإنَّما يُوَفّى ما كَسَب.

رابعاً، بُطلانُه بِانتِفاءِ الثُّبوت («لا يَقدِرونَ على شَيءٍ مِمّا كَسَبوا»، ٢:٢٦٤). المَثَلُ المَضروبُ لَه حَجَرٌ أملَسُ عليه تُرابٌ أصابَه وابِلٌ فتَرَكَه صَلداً: الخَلَلُ في اللُّزومِ نَفسِه، فما لم يَلتَصِق لم يَبقَ. والصّورةُ العامّةُ تَقولُ إنَّ عَمَلَهُم ذَهَب، وقِراءةُ الجَذرِ تَقولُ كَيفَ ذَهَب.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

  • كَسَبَ (ماضي الثُّلاثيّ): يَرِدُ مَرّةً ناصِباً مَفعولَه الظّاهِرَ

ومَرّةً بِلا مَفعولٍ مَذكور، فيُقرَأُ الأوَّلُ في المَكسوبِ بِعَينِه والثّاني في الكَسبِ جُملةً.

  • كَسَبَتْ (الماضي مُسنَداً إلى مُؤَنَّث): أكثَرُ الصِّيَغِ وُروداً،

ولا تُسنَدُ في المُسَجَّلِ إلّا إلى «نَفس» أو «قُلوب» أو «أُمّة»، أي إلى الجامِعِ الذي يَحوي لا إلى الجارِحةِ التي تُبرِز.

  • كَسَبْتُمْ (الماضي لِلمُخاطَبين): يَحضُرُ مَعَها المَكسوبُ بَينَ

أيدي المُخاطَبينَ حتّى يُؤمَرَ بِالإنفاقِ منه.

  • كَسَبُوا (الماضي لِلغائِبين): لا تَرِدُ في المُسَجَّلِ إلّا ومَعَها

التَّبعيضُ («نَصيبٌ مِمّا»، «شَيءٍ مِمّا»، «بِبَعضِ ما»)، فالمَكسوبُ يُعامَلُ مُعامَلةَ المَجموعِ الذي يُقتَطَعُ منه بَعضُه.

  • يَكْسِبُونَ (المُضارِع): مَوضِعانِ، وكِلاهُما في مَقامِ الشَّهادةِ

على الفاعِلِ لا في مَقامِ الإخبارِ عنه، وفي أحَدِهِما مَسبوقاً بِـ«كانوا» فيَصيرُ عادةً مُمتَدّةً لا واقِعةً مُفرَدة.

  • اكْتَسَبَتْ (على وَزنِ افتَعَل): مَوضِعٌ واحِد، ومَعَه الثُّلاثيُّ

في الجُملةِ نَفسِها. وزيادةُ المَبنى تَنقُلُ الفِعلَ إلى الأخذِ لِلنَّفسِ بِمُعالَجة، فيَظهَرُ فيه تَكَلُّفٌ لَيسَ في المُجَرَّد.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ في الصِّيَغِ كُلِّها واحِدة (جَذبٌ إلى

النَّفسِ يَلزَمُها)، والصِّيَغُ تُوَزِّعُ جِهاتِ النَّظَرِ إليه: الماضي

يَنظُرُ إلى المَجذوبِ وقد لَزِم، والمُضارِعُ إلى الجَذبِ وهو قائِم،

ووَزنُ افتَعَلَ إلى الجَذبِ وقد بُذِلَ فيه جُهدٌ زائِد. ولا تَقلِبُ

صيغةٌ منها وِجهةَ الحَرَكة: كُلُّها إلى الدّاخِل.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • amal (العَمَل، ع-م-ل): أقرَبُ ما يُجاوِرُ هذا الجَذرَ، وكانَ

الفَرقُ بَينَهُما مُعَلَّقاً حتّى تُجمَعَ مَواضِعُ ك-س-ب. والذي يَشهَدُ بِه النَّصُّ أنَّ العَمَلَ يُنظَرُ إليه من جِهَةِ ما يَصدُرُ عن صاحِبِه، والكَسبَ من جِهَةِ ما يُجتَلَبُ إليه. وأدِلَّتُه أربَعة: (أ) الآيةُ الواحِدةُ تَجمَعُهُما ولِكُلٍّ حَرفُه، ففي ٢:١٣٤ و٢:١٤١ «لَها ما كَسَبَت ولَكُم ما كَسَبتُم» بِاللّامِ، ثُمَّ «ولا تُسأَلونَ عَمّا كانوا يَعمَلون» بِـ«عن»: المَكسوبُ يُملَكُ ويَلزَم، والمَعمولُ يُسأَلُ عنه. (ب) الجارِحة: العَمَلُ يُسنَدُ إلى الأيدي في ٣٦:٣٥ و٣٦:٧١، والكَسبُ لا يُسنَدُ إلى يَدٍ في المَنشورِ كُلِّه بَل إلى القُلوبِ في ٢:٢٢٥، وفي ٣٦:٦٥ تَشهَدُ الأرجُلُ بِما كانوا يَكسِبون: فالجارِحةُ آلةُ العَمَلِ وشاهِدةٌ على الكَسب. (ج) فِعلُ الحِساب: العَمَلُ يُرى ويوجَدُ مُحضَراً ويوزَنُ بِمِثقالِ ذَرّة، والكَسبُ يُوَفّى ويُقسَمُ نَصيباً ويُنفَقُ منه، ولَيسَ في المَنشورِ تَوفِيَةٌ لِعَمَلٍ ولا نَصيبٌ من عَمَل. (د) المَحَلُّ من صاحِبِه: العَمَلُ يَتَمَيَّزُ عنه حتّى يُواجِهَه، والكَسبُ يَلزَمُه حتّى يُحيطَ بِه في ٢:٨١ ويُجَرَّ بِه في ٣:١٥٥. فالفَرقُ جِهةُ نَظَرٍ إلى الفِعلِ الواحِد، لا انقِسامٌ في الأفعال.

  • sa3y (السَّعي، س-ع-ي): الحَرَكةُ من جِهَةِ بَذلِها. والكَسبُ من

جِهَةِ ما حَصَلَ بِها ولَزِم. فقد يَسعى السّاعي ولا يَكسِب، ولا يَكونُ الكاسِبُ كاسِباً حتّى يَصيرَ لَه شَيء.

  • rizq (الرِّزق، ر-ز-ق): ما يُساقُ إلى صاحِبِه من غَيرِ اجتِلابٍ

منه. والكَسبُ ما جَرَّه هو إلى نَفسِه. وقد قَسَمَ النَّصُّ بَينَهُما قِسمةً صَريحةً في ٢:٢٦٧: «ما كَسَبتُم» و«ما أخرَجنا لَكُم مِنَ الأرض».

  • ajr (الأجر، أ-ج-ر): ما يُحبَسُ لِصاحِبِ العَمَلِ ثُمَّ يُطلَقُ

إليه. فالأجرُ آتٍ من خارِجٍ إلى النَّفس، والكَسبُ مَجذوبٌ بِالنَّفسِ إلى نَفسِها، ويَجتَمِعانِ في التَّوفِيَة: يُوَفّى هذا ويُوَفّى ذاك.

  • الغُلولُ (غ-ل-ل) لا يَملِكُه مَفهومٌ في المُعجَمِ بَعد، وهو أخذُ ما

لَيسَ لِلآخِذِ فيه حَقّ. والفَرقُ ظاهِرٌ في ٣:١٦١: الغُلولُ يُؤتى بِه مَحمولاً، والكَسبُ يُوَفّى مَحسوباً. فما لم يَلزَم لَزِمَ حَملُه.

المَواضع: مَواقعُ الكَسب في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:٧٩ ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الجَذرُ يَدخُلُ القرآنَ في وَيلٍ ثانٍ مَعطوفٍ على وَيلٍ أوَّل: الأوَّلُ على ما كَتَبَته أيديهِم وهو ما خَرَجَ منهُم، والثّاني على ما يَكسِبونَ وهو ما دَخَلَ عليهِم بِه. فتُفصَلُ الجِهَتانِ في أوَّلِ مَوضِعٍ وتُجعَلُ لِكُلِّ واحِدةٍ عُقوبَتُها. والمَكسوبُ في السِّياقِ «ثَمَناً قَليلاً»، فأوَّلُ كَسبٍ في القرآنِ شِراء، ووَصفُه بِالقِلّةِ يَضَعُ المِقدارَ في مُقابَلةِ ما بُذِلَ فيه. انظُر الثَّمَن.
  • ٢:٨١ ﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: أوَّلُ مَفعولٍ صَريح. الجَديدُ: يَنصِبُ الفِعلُ مَفعولَه لِأوَّلِ مَرّة، والمَفعولُ سَيِّئة، فيَثبُتُ أنَّ الجَذرَ لا يَحمِلُ حُكماً في نَفسِه بَل يَقبَلُ ما جُذِبَ بِه. ثُمَّ يَنقَلِبُ الوَضعُ في الجُملةِ نَفسِها: الذي جُذِبَ إلى النَّفسِ يَصيرُ مُحيطاً بِها. فاللُّزومُ الذي في آخِرِ الجَذرِ يُقرَأُ هُنا من جِهَةِ المَكسوبِ لا من جِهَةِ الكاسِب، وهو أوَّلُ انقِلابٍ في هذا المَفهوم. انظُر السَّيِّئة والخَطيئة.
  • ٢:١٣٤ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾: الجَذرانِ في آيةٍ واحِدة. الجَديدُ: يَجتَمِعُ الكَسبُ والعَمَلُ في آيةٍ واحِدةٍ ولِكُلٍّ حَرفُه: الكَسبُ بِاللّامِ في الجُملَتَينِ المُتَقابِلَتَين، ثُمَّ العَمَلُ بِـ«عن» في «ولا تُسأَلونَ عَمّا كانوا يَعمَلون». فيُملَكُ الأوَّلُ ويُسأَلُ عن الثّاني، وهذا أوضَحُ ما في المَنشورِ في تَمييزِ الجَذرَين. ووُقوعُه خِتاماً لِذِكرِ أُمّةٍ قد خَلَت يَجعَلُ الكَسبَ هو الحَدَّ الذي لا يَعبُرُ بَينَ جيلٍ وجيل. انظُر العَمَل والأُمَّة.
  • ٢:١٤١ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾: الجُملةُ تَعودُ بِنَصِّها. الجَديدُ: تُعادُ حَرفاً بِحَرفٍ في السّورةِ نَفسِها ولِدَعوى غَيرِ الأولى: تِلكَ بَعدَ الاحتِجاجِ بِمِلّةِ الآباء، وهذه بَعدَ دَعوى أنَّ الأنبِياءَ كانوا هوداً أو نَصارى. فيَتَبَيَّنُ أنَّها لَيسَت جَواباً لِواقِعةٍ بِعَينِها بَل قاعِدةً تُرَدُّ بِها كُلُّ دَعوى في المِيراثِ والانتِساب: ما لَزِمَ نَفساً لا يَنتَقِلُ إلى غَيرِها بِنَسَبٍ ولا بِاسم. انظُر المِلَّة.
  • ٢:٢٠٢ ﴿أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا﴾: المَكسوبُ مَجموعٌ يُقتَطَعُ منه. الجَديدُ: تَدخُلُ «مِن» التَّبعيضِيّةُ على المَكسوبِ لِأوَّلِ مَرّة، فيُعامَلُ مُعامَلةَ الكُثرِ الذي يُؤخَذُ منه قِسمٌ لا مُعامَلةَ الواقِعةِ التي تُجازى بِمِثلِها. ووُقوعُه بَعدَ ذِكرِ السّائِلينَ حَسَنةً في الدُّنيا وحَسَنةً في الآخِرةِ يَجعَلُ النَّصيبَ مَقسوماً من كَسبِهِم أنفُسِهِم، فيُرَدُّ الدّاعي إلى ما جَمَعَ. انظُر الجَزاء.
  • ٢:٢٢٥ ﴿وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: الكَسبُ يُسنَدُ إلى القُلوب. الجَديدُ: يُنسَبُ الفِعلُ إلى القَلبِ لا إلى صاحِبِه ولا إلى جارِحَتِه، وهو المَوضِعُ الوَحيدُ في المَنشورِ الذي يُسَمّى فيه مَحَلُّ الكَسب. ويُقابَلُ بِاللَّغوِ في الأيمانِ الذي رُفِعَت عنه المُؤاخَذة: فما جَرى على اللِّسانِ ولم يَنعَقِد في القَلبِ لا يُؤاخَذُ بِه، وما انعَقَدَ فيه يُؤاخَذُ ولَو لم يَظهَر. فيُقرَأُ الكَسبُ إمساكاً في الباطِنِ قَبلَ أن يَكونَ حَرَكةً في الظّاهِر. انظُر القَلب.
  • ٢:٢٦٤ ﴿لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا﴾: مَكسوبٌ لا يَثبُت. الجَديدُ: يُنفى عن أصحابِه أن يَقدِروا على شَيءٍ مِمّا جَرّوه إلى أنفُسِهِم، والمَثَلُ المَضروبُ صَفوانٌ عليه تُرابٌ أصابَه وابِلٌ فتَرَكَه صَلداً. فالخَلَلُ في اللُّزوم: التُّرابُ لم يَتَماسَك مَعَ الحَجَرِ فذَهَبَ بِأوَّلِ ماء. وهذا أوَّلُ مَوضِعٍ يَضيعُ فيه المَكسوب، وضَياعُه بِعَدَمِ الالتِصاقِ لا بِفَسادٍ بَعدَ ثُبوت. والسِّياقُ إبطالُ الصَّدَقةِ بِالمَنِّ والأذى، فيَصيرُ المَنُّ هو الذي يَمنَعُ ما بُذِلَ أن يَعلَقَ بِباذِلِه. انظُر الصَّدَقة.
  • ٢:٢٦٧ ﴿أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾: يُنفَقُ مِنَ المَكسوب. الجَديدُ: يُؤمَرُ بِالإنفاقِ من الكَسبِ نَفسِه، فيَثبُتُ أنَّ المَكسوبَ عَينٌ يُمكِنُ إخراجُ بَعضِها، وهذا ما لا يَستَقيمُ في حَرَكةٍ تَمُرُّ وتَنقَضي. ويُقابَلُ بِما أُخرِجَ لَهُم من الأرض، فتُقسَمُ مادّةُ الإنفاقِ قِسمَينِ بِحَسَبِ جِهَةِ وُصولِها: ما جَرَرتُموه إلَيكُم وما سيقَ إلَيكُم. وهو أدَقُّ تَحديدٍ لِلكَسبِ في المَنشور، لِأنَّه تَحديدٌ بِالقِسمةِ لا بِالوَصف. انظُر الإنفاق والرِّزق.
  • ٢:٢٨١ ﴿ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: التَّوفِيَة. الجَديدُ: يُسنَدُ إلى المَكسوبِ فِعلُ التَّوفِيَة، وهي إيصالُ الحَقِّ تامّاً، لا إظهارُ العَينِ ولا وَزنُها. فيُقرَأُ الكَسبُ ذِمّةً تُصَفّى لا شَيئاً يُعرَض. ويُذيَّلُ بِنَفيِ الظُّلمِ فيُجعَلُ المَقصودُ بِالتَّوفِيَةِ انتِفاءَ النَّقص. ووُقوعُ الآيةِ خِتاماً لِآياتِ الرِّبا يَضَعُ لَفظَ الحِسابِ التّامِّ حَيثُ كانَ الكَلامُ في زيادةٍ لا تَحِلّ. انظُر النَّفس والظُّلم.
  • ٢:٢٨٦ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾: الصّيغَتانِ في نَفَسٍ واحِد. الجَديدُ: يَجتَمِعُ المُجَرَّدُ والمَزيدُ في جُملَتَينِ مُتَقابِلَتَين، وتُقسَمُ الجِهَتانِ بِاللّامِ وعلى. فيَظهَرُ أنَّ الجَذرَ يَحمِلُ الطَّرَفَينِ ولا يَنحازُ إلى أحَدِهِما، وأنَّ المُقابَلةَ نَفسَها هي التي تُنَزِّلُ كُلَّ صيغةٍ في جانِبِها. ووُقوعُه بَعدَ «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفساً إلّا وُسعَها» يَربِطُ التَّكليفَ بِالوُسعِ والحِسابَ بِالكَسب، فلا يُحاسَبُ أحَدٌ إلّا على ما جَرَّه إلى نَفسِه. وهو المَوضِعُ الذي تُقرَأُ عليه سائِرُ المَواضِع. انظُر النَّفس.
  • ٣:٢٥ ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: التَّوفِيَةُ بِصيغةِ الماضي. الجَديدُ: تَنتَقِلُ الجُملةُ من المُضارِعِ إلى الماضي، وتَقَعُ داخِلَ استِفهامٍ عن حالِهِم يَومَ يُجمَعون، فيُخبَرُ عن التَّوفِيَةِ وقد تَمَّت في ضِمنِ ما يُطلَبُ تَصَوُّرُه. وتَقديمُ الجَمعِ عليها يُرَتِّبُ المَشهَد: يُجمَعُ الخَلقُ أوَّلاً ثُمَّ تُصَفّى ذِمّةُ كُلِّ نَفسٍ على حِدَة، فلا يَمنَعُ الاجتِماعُ إفرادَ الحِساب. انظُر اليَوم.
  • ٣:١٥٥ ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾: المَكسوبُ مَقبِضاً. الجَديدُ: يُجعَلُ الكَسبُ سَبَباً يُستَزَلُّ بِه صاحِبُه، فيَنتَقِلُ من كَونِه مالاً في الذِّمّةِ إلى كَونِه مَوضِعاً يُمسَكُ منه. واللُّزومُ الذي يَشُدُّ المَكسوبَ إلى صاحِبِه هو نَفسُه ما جَعَلَه صالِحاً لِأن يُجَرَّ بِه. و«بِبَعضِ» تَكفي: لا يَحتاجُ الجارُّ إلى كَسبِهِم كُلِّه بَل إلى ما يَقبِضُ عليه منه. انظُر الشَّيطان.
  • ٣:١٦١ ﴿ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: التَّوفِيَةُ بِجانِبِ الغُلول. الجَديدُ: تَعودُ جُملةُ التَّوفِيَةِ بِلَفظِها، وتَقَعُ هذه المَرّةَ بَعدَ «ومَن يَغلُل يَأتِ بِما غَلَّ يَومَ القِيامة». فيَتَقابَلُ أخذانِ ولِكُلٍّ فِعلُه: ما أُخِذَ بِغَيرِ حَقٍّ يُحمَلُ ويُؤتى بِه عَيناً، وما كُسِبَ يُوَفّى حِساباً. فالفَرقُ لَيسَ في الحُكمِ وَحدَه بَل في نَحوِ التَّعَلُّق: الغُلولُ يَبقى غَريباً يُحمَل، والكَسبُ يَصيرُ ذِمّةً تُصَفّى.
  • ٣٦:٦٥ ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: الجَوارِحُ تَشهَدُ على الكَسب. الجَديدُ: تُذكَرُ الأيدي والأرجُلُ مَعَ هذا الجَذرِ لا فاعِلةً بَل شاهِدة، والسّورةُ نَفسُها تُسنِدُ العَمَلَ إلى الأيدي إسناداً صَريحاً في ٣٦:٣٥. فتُقرَأُ العَلاقَتانِ في سِياقٍ واحِد: الجارِحةُ تَعمَل، وتَشهَدُ على ما كُسِب. و«كانوا يَكسِبون» تُحَوِّلُ الكَسبَ عادةً مُمتَدّةً لا واقِعةً مُفرَدة، فتَقَعُ الشَّهادةُ على السّيرةِ لا على الحادِثة. انظُر الشَّهيد / الشُّهَداء واليَدانِ.
  • ١١١:٢ ﴿مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾: الكَسبُ لا يُغني. الجَديدُ: يُعطَفُ المَكسوبُ على المالِ في نَفيٍ واحِد، فيُجعَلانِ صِنفَينِ لِشَيءٍ واحِدٍ هو ما جُمِعَ إليه. ويُقاسُ المَكسوبُ هُنا بِمِعيارٍ لم يُقَس بِه قَبلُ: لا بِتَوفِيَةٍ ولا بِمِلكٍ بَل بِالإغناءِ عن صاحِبِه، والجَوابُ نَفي. فما جُذِبَ إلى النَّفسِ لا يَقومُ دونَها في مَوضِعِ الحاجة. ويُتَرَكُ «وما كَسَبَ» بِلا مَفعولٍ كَما تُرِكَ «يَكسِبون» في أوَّلِ المَواضِع، فيُختَمُ الجَذرُ بِما فُتِحَ بِه. انظُر المال / الأَموال.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ العَمَل في ٢:١٣٤ و٢:١٤١ و٣٦:٦٥: الجَذرانِ يَلتَقِيانِ في آيةٍ

واحِدةٍ مَرَّتَينِ وفي سورةٍ واحِدةٍ مَرّةً ثالِثة، ولا يَتَرادَفانِ في مَوضِعٍ منها: لِلكَسبِ اللّامُ والتَّوفِيَة، ولِلعَمَلِ «عن» والسُّؤالُ والإحضار.

  • مَعَ الأجر في ٢:٢٨١ و٣:٢٥: التَّوفِيَةُ تَقَعُ على الكَسبِ كَما

تَقَعُ على الأجر، فيَنتَظِمُ الحِسابُ طَرَفَين: ما جَرَّه العَبدُ إلى نَفسِه، وما حُبِسَ لَه عِندَ رَبِّه، ويُوَفَّيانِ في يَومٍ واحِد.

قِسمَينِ بِحَسَبِ جِهَةِ وُصولِه، فتُعرَفُ حُدودُ الكَسبِ من جِهَةِ ما لَيسَ منه.

  • مَعَ الصَّدَقة في ٢:٢٦٤: إبطالُ الصَّدَقةِ بِالمَنِّ والأذى يُصاغُ

في لَفظِ الكَسب، فيُقرَأُ فَسادُ الصَّدَقةِ انتِفاءَ ثُبوتِ ما كُسِبَ بِها لا نُقصانَ ثَوابِها.

القَلبِ ولا يُسنَدُ إلى اليَد، واليَدُ تَشهَدُ عليه. فالتَّقابُلُ بَينَ المَحَلِّ والشّاهِدِ هو صورةُ الكَسبِ في المَنشور.

  • مَعَ الشَّيطان في ٣:١٥٥: الاستِزلالُ يُعَدّى بِالباءِ إلى الكَسب،

فيُقرَأُ تَسَلُّطُ الشَّيطانِ من جِهَةِ ما تَعَلَّقَ بِالنَّفسِ لا من جِهَةِ قُدرَتِه المُجَرَّدة.

الإشكالات المَفتوحة

  • **هل الفَرقُ بَينَ «كَسَبَت» و«اكتَسَبَت» في ٢:٢٨٦ راجِعٌ إلى الوَزنِ أم

إلى المُقابَلة؟** المُقابَلةُ بِاللّامِ وعلى صَريحةٌ في الآية، وزيادةُ المَبنى في افتَعَلَ تَحتَمِلُ زيادةَ المُعالَجة. ولَيسَ في المَنشورِ مَوضِعٌ آخَرُ لِهذا الوَزنِ من هذا الجَذرِ يُقاسُ عليه، فالمَسأَلةُ مَفتوحةٌ حتّى يَرِدَ نَظير.

  • «وما كَسَب» في ١١١:٢: أهو الكَسبُ أم المَكسوب؟ شِحنةُ الجَذرِ

تَقبَلُ الوَجهَينِ لِأنَّ آخِرَها لُزومٌ يَجعَلُ الفِعلَ وأثَرَه مُتَلازِمَين، وعَطفُه على «مالُه» أقرَبُ إلى المَكسوب. مَفتوح.

  • إسنادُ الكَسبِ إلى القَلبِ في ٢:٢٢٥ وحدَه: أهو مَخصوصٌ بِمَقامِ

الأيمانِ حَيثُ يَكونُ العَقدُ باطِناً، أم هو الأصلُ في الجَذرِ وسائِرُ المَواضِعِ مَحمولةٌ عليه؟ قِراءةُ الحُروفِ تُرَجِّحُ الثّاني، ومَوضِعٌ واحِدٌ لا يَكفي لِلقَطع. مَفتوح.

  • هل يَكونُ الشَّيءُ الواحِدُ عَمَلاً وكَسباً مَعاً؟ ظاهِرُ ٢:١٣٤ أنَّ

الجِهَتَينِ تَقَعانِ على مَوصوفٍ واحِد، غَيرَ أنَّ الآيةَ تَنسِبُ الكَسبَ إلى المُخاطَبينَ والعَمَلَ إلى الأُمّةِ الخالِية، فلا تَقطَعُ بِاتِّحادِ المَحَلّ. مَفتوح.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن