النساء · الآية 91

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا

«سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ»: أمنٌ يُطلَبُ من الجِهَتَين

تَبدَأُ الآيةُ بِخَبَرٍ عن آتٍ: «سَتَجِدونَ آخَرين»، والسّينُ تَجعَلُ اللِّقاءَ قَريباً مُقبِلاً، والوُجدانُ من و-ج-د لِقاءٌ يَنعَقِدُ على الشَّيءِ فيَثبُت، فالمُخاطَبونَ سَيَلقَونَ هؤلاءِ ويَتَبَيَّنونَهُم. و«آخَرين» تُفرِدُهُم عَمَّن سَبَقَ ذِكرُهُم في الآيَتَينِ السّابِقَتَين، والآيةُ تَصِفُهُم بِما يُمَيِّزُهُم: «يُريدونَ أن يَأمَنوكُم ويَأمَنوا قَومَهُم».

والأمنُ من أ-م-ن سُكونٌ يُمسَكُ في الباطِنِ فيَزولُ مَعَه الخَوف، و«أمِنَه» سَكَنَ من جِهَتِه فلم يَخَفْه. فهؤلاءِ يُريدونَ أن يَسكُنوا من الجِهَتَينِ مَعاً: من المُخاطَبين، ومن قَومِهِم. وأُعيدَ الفِعلُ مَعَ «قَومَهُم»، فصارَ لِكُلِّ جِهةٍ أمنٌ يُطلَبُ مِنها على حِدَة. وهُم في ذلك غَيرُ الذينَ «حَصِرَت صُدورُهُم» في الآيةِ السّابِقة: أولئكَ ضاقَت صُدورُهُم عن قِتالِ الجِهَتَين، وهؤلاءِ يَطلُبونَ الأمنَ من الجِهَتَين، والآيةُ تَمتَحِنُ ما يَطلُبونَه بِما يَفعَلون.

«كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا»: رَدٌّ يَتَكَرَّرُ وانقِلابٌ يَتَكَرَّر

ثُمَّ تَصِفُ الآيةُ حالَهُم: «كُلَّ ما رُدّوا إلى الفِتنةِ أُركِسوا فيها». و«كُلَّ ما» تَجعَلُ الأمرَ مُتَكَرِّراً: في كُلِّ مَرّةٍ يَقَعُ فيها الرَّدُّ يَقَعُ الإركاس. والفِتنةُ من ف-ت-ن، وأصلُها إدخالُ الذَّهَبِ النّارَ لِيَظهَرَ ما خالَطَه، ثُمَّ صارَت اسماً لِكُلِّ امتِحانٍ يَشتَدُّ على صاحِبِه فيُظهِرُ ما فيه. فهؤلاءِ كُلَّما أُعيدوا إلى مَوضِعِ الامتِحانِ انقَلَبوا فيه ولم يَثبُتوا لَه.

والفِعلانِ «رُدّوا» و«أُركِسوا» مَبنيّانِ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فالرّادُّ والمُركِسُ غَيرُ مُسَمَّيَينِ هُنا، وكانَ الإركاسُ في الآيةِ الثّامِنةِ والثَّمانينَ مُسنَداً إلى الله: «واللهُ أركَسَهُم بِما كَسَبوا». والجِذرُ ر-ك-س لا يَرِدُ في الكِتابِ إلّا في هذَينِ المَوضِعَين: في الأوَّلِ فِعلٌ ماضٍ مُسنَدٌ إلى الله، وفي الثّاني فِعلٌ يَتَكَرَّرُ مَعَ كُلِّ رَدّ. و«فيها» تَجعَلُ الفِتنةَ ظَرفاً يَنقَلِبونَ في داخِلِه: يُرَدّونَ إلَيها فيَنقَلِبونَ فيها على أعقابِهِم.

«فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ»: شُروطُ الآيةِ السّابِقةِ مَقلوبة

ثُمَّ يَأتي الشَّرطُ مُقابِلاً لِشَرطِ الآيةِ السّابِقة: هُناكَ «فإنِ اعتَزَلوكُم فلَم يُقاتِلوكُم وألقَوا إلَيكُمُ السَّلَم»، وهُنا «فإن لَم يَعتَزِلوكُم ويُلقوا إلَيكُمُ السَّلَمَ ويَكُفّوا أيدِيَهُم». و«لَم» تَنسَحِبُ على الأفعالِ الثَّلاثة، والنّونُ ساقِطةٌ من «يُلقوا» و«يَكُفّوا» عَلامةً على ذلك. والفِعلُ الثّالِثُ هُنا «يَكُفّوا أيدِيَهُم» في مَوضِعِ «فلَم يُقاتِلوكُم» هُناك، فالذي يُقابِلُ تَركَ القِتالِ كَفُّ الأيدي.

والكَفُّ من ك-ف-ف، قَبضٌ يَرُدُّ ما انبَسَطَ ويُمسِكُه، واليَدُ المَكفوفةُ مَقبوضةٌ عن أن تَمتَدّ. وقد جاءَ هذا الجِذرُ مَرَّتَينِ قَبلُ في هذا المَقطَع: في الآيةِ السّابِعةِ والسَّبعينَ إذ قيلَ لِقَومٍ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾، وفي الآيةِ الرّابِعةِ والثَّمانين: عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فالكَفُّ في المَقطَعِ ثَلاثُ صُوَر: أيدٍ أُمِرَ أصحابُها بِكَفِّها، وبَأسٌ يُرجى أن يَكُفَّه الله، وأيدٍ يُشتَرَطُ على هؤلاءِ أن يَكُفّوها.

«فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ»: أخذٌ عِندَ التَّمَكُّن

وجَوابُ الشَّرطِ «فخُذوهُم واقتُلوهُم حَيثُ ثَقِفتُموهُم»، وهو الأمرُ الذي جاءَ في الآيةِ التّاسِعةِ والثَّمانينَ مَعَ فَرقٍ في الفِعلِ الأخير: هُناكَ «حَيثُ وَجَدتُموهُم»، وهُنا «حَيثُ ثَقِفتُموهُم». والثَّقفُ من ث-ق-ف إدراكُ الشَّيءِ والظَّفَرُ بِه بِحِذقٍ وتَمَكُّن، ومنه «ثَقُفَ الرَّجُلُ» صارَ حاذِقاً فَطِناً، و«الثِّقاف» خَشَبةٌ تُقَوَّمُ بِها الرِّماح. فالوُجدانُ لِقاء، والثَّقفُ لِقاءٌ مَعَه قُدرةٌ على المَلقِيّ. والأمرُ في الآيةِ جَوابٌ لِذلك الشَّرطِ بِأفعالِه الثَّلاثة.

«وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا»: سُلطانٌ في مَوضِعِ السَّبيلِ المَنفيّ

وتُختَمُ الآيةُ بِـ«وأولئكُم جَعَلنا لَكُم عَلَيهِم سُلطاناً مُبيناً». و«أولئكُم» إشارةٌ لِلبَعيدِ اتَّصَلَت بِها كافُ الخِطابِ لِلجَماعة، تُشيرُ إلى هؤلاءِ الآخَرينَ الذينَ وُصِفوا في الآية. والسُّلطانُ من س-ل-ط، نُفوذٌ يَعلو ويُطبِقُ على ما وَقَعَ عَلَيه، ويَكونُ حُجّةً ويَكونُ قُدرة، و«مُبيناً» من ب-ي-ن، اسمُ فاعِلٍ من «أبانَ»: سُلطانٌ يُظهِرُ نَفسَه ولا يَخفى. ويَنتَقِلُ الكَلامُ في الفِعلِ من الاسمِ الظّاهِرِ في «جَعَلَ اللهُ» في الآيةِ السّابِقةِ إلى ضَميرِ المُتَكَلِّمِ في «جَعَلنا».

وفي الخِتامِ مُقابَلةٌ لِلآيةِ السّابِقة: هُناكَ «ولَو شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُم عَلَيكُم» و«فما جَعَلَ اللهُ لَكُم عَلَيهِم سَبيلاً»، وهُنا «جَعَلنا لَكُم عَلَيهِم سُلطاناً مُبيناً». فالجِذرُ س-ل-ط الذي سَمّى هُناكَ نُفوذاً لم يَشَأْه اللهُ لِأولئكَ على المُخاطَبين، صارَ هُنا سُلطاناً لِلمُخاطَبينَ على هؤلاء، وما نُفِيَ هُناكَ من سَبيلٍ يُقابِلُه هُنا سُلطانٌ مُبين. ويُفَرِّقُ بَينَ الحُكمَينِ فِعلُ القَومِ أنفُسِهِم: اعتِزالٌ ومُسالَمةٌ وكَفٌّ هُناك، وتَركٌ لِذلك كُلِّه هُنا.


حَصيلة

تُخبِرُ الآيةُ عن آخَرينَ سَيَلقاهُمُ المُخاطَبون، يُريدونَ الأمنَ، من أ-م-ن، من الجِهَتَينِ مَعاً، وكُلَّما رُدّوا إلى الفِتنة، من ف-ت-ن، وهي الامتِحانُ الذي يُظهِرُ ما في الباطِن، أُركِسوا فيها، من ر-ك-س، وهو جِذرٌ لا يَرِدُ في الكِتابِ إلّا هُنا وفي الآيةِ الثّامِنةِ والثَّمانين، ويُسنِدُه هُنا إلى فاعِلٍ غَيرِ مُسَمّى. ثُمَّ تَضَعُ لَهُم شَرطاً يُقابِلُ شَرطَ الآيةِ السّابِقة: إن لم يَعتَزِلوا ويُلقوا السَّلَمَ ويَكُفّوا، من ك-ف-ف، أيدِيَهُم، فخُذوهُم واقتُلوهُم حَيثُ ثَقِفتُموهُم، من ث-ق-ف، أي حَيثُ أدرَكتُموهُم مُتَمَكِّنينَ مِنهُم. وتَختِمُ بِسُلطانٍ مُبينٍ، من س-ل-ط، جُعِلَ لِلمُخاطَبينَ على هؤلاء، في مَوضِعِ السَّبيلِ الذي لم يُجعَلْ لَهُم على مَن ألقى إلَيهِمُ السَّلَم.