الاستِغفار
الاستِغفارُ من غ-ف-ر، والجَذرُ سَترٌ يُبعِدُ ما يُغَطّيه ويَمتَدُّ عَلَيه. والاستِغفارُ طَلَبُ هذا السَّتر: «استَغفَرَ» على وَزنِ استَفعَلَ.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- غ: غُؤورٌ يَستُر. ويَظهَرُ مِنه هُنا وَسَطُه: غِطاءٌ يَقَعُ على الشَّيءِ فيُخفيه، وهو سَتر. وهذا وَجهُ «السَّترِ والتَّغطيةِ بِالكَثافة».
- ف: نَفاذٌ بِقُوّةٍ يُبعِد. ويَظهَرُ مِنه هُنا آخِرُه: ما نَفَذَ يَبعُدُ عَمّا كانَ فيه، وهو إبعاد. وهذا وَجهُ «التَّفريقِ والإبعاد».
- ر: استِرسالٌ مع تَماسُكٍ ما. ويَظهَرُ مِنه هُنا جَرَيانُه المُستَرسِل: يَنفُذُ على الشَّيءِ ويَمتَدُّ عَلَيه، وهو امتِداد. وهذا وَجهُ «الجَرَيانِ المُستَرسِلِ (النَّفاذِ والامتِداد)».
النَّواةُ غف (غ + ف) = سَترٌ يُبعِدُ ما يُغَطّيه. والإتمامُ بـر يَمُدُّ هذا السَّترَ على ما يُغَطّيه. فالجَذرُ غ-ف-ر حرفيّاً: سَترٌ يُبعِدُ ما يُغَطّيه ويَمتَدُّ عَلَيه.
وما يُبعِدُه السَّترُ يَبقى بَعيداً عَمَّن سُتِرَ لَه. ولِذلك يُقابِلُ القُرآنُ الغَفرَ بِالعَذاب: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ (٢:٢٨٤). والفِعلُ يُسَمّي بِمَفعولِه ما يُستَرُ ويُبعَد، وبِاللّامِ مَن يُستَرُ لَه: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ (٢:٥٨).
اختِبارُ المَعنى على مَواضِعِ الجَذرِ كُلِّها. يَرِدُ الجَذرُ في القُرآنِ في مِئَتَينِ وأربَعةٍ وثَلاثينَ مَوضِعاً (٢٣٤)، على أربَعَ عَشرةَ صيغة، اثنانِ وسِتّونَ مِنها في السُّوَرِ المَنشورةِ هُنا. وهذه الصِّيَغُ كُلُّها، لِكُلِّ صيغةٍ عَدَدُ مَواضِعِها وشاهِد:
- غَفَرَ ماضِياً (٤): ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ (٢٨:١٦): يَطلُبُ القائِلُ سَتراً يُبعِدُ عَنه ما فَعَل، فيُستَرُ لَه. ويَفعَلُه النّاسُ بَينَهُم: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤٢:٤٣).
- يَغفِرُ مُضارِعاً (٤٢): ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ (٤٥:١٤): الفاعِلُ هُنا النّاس، يَستُرونَ ما يَلقَونَه من غَيرِهِم ويُبعِدونَه عَن أنفُسِهِم، وتُتِمُّ الآيةُ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فيُترَكُ الجَزاءُ لله. ومِثلُه ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (٤٢:٣٧): ما أغضَبَهُم يُستَرُ ويُبعَد. وفي ﴿كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ (٧١:٧) يُدعى القَومُ إلى سَترٍ يُبعِدُ عَنهُم ذُنوبَهُم، فيَتَغَطَّونَ بِثِيابِهِم ويَجعَلونَ أصابِعَهُم في آذانِهِم، فيَبعُدُ عَنهُم الدُّعاءُ نَفسُه. و«استَغشَوا» من جَذرٍ آخَر، غ-ش-ي، ويَعودُ الجَذرُ بَعدَها أمراً بِطَلَبِ السَّترِ في ٧١:١٠.
- يُغفَرُ مَبنيّاً لِلمَجهول (٢): ﴿إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ (٨:٣٨): ما سَلَفَ يُستَرُ ويُبعَدُ عَنهُم إن انتَهَوا، والسّاتِرُ مَطويّ. ومِثلُه ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ (٧:١٦٩)، يَقولُه قَومٌ عَن أنفُسِهِم.
- اغفِرْ أمراً (١٧): ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ (٧:١٥١): دُعاءٌ يَطلُبُ هذا السَّترَ لِلدّاعي ولِأخيه.
- مَغفِرة (٢٨): ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٥٣:٣٢): السَّترُ نَفسُه، والسَّعةُ صِفةُ امتِدادِه. ويَكونُ بَينَ النّاس: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ (٢:٢٦٣).
- غُفران (١): ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ (٢:٢٨٥): السَّترُ يُطلَبُ بِاسمِه، مُضافاً إلى المَسؤول.
- غافِر (٢): ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ (٤٠:٣): مَن يَستُرُ الذَّنبَ ويُبعِدُه، مَقروناً بِقَبولِ التَّوب. وجَمعُه في ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ (٧:١٥٥).
- غَفور (٩١): ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣٩:٥٣): مَن يَكثُرُ مِنه هذا السَّتر، وهو هُنا يَمتَدُّ على الذُّنوبِ جَميعاً.
- غَفّار (٥): ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (٧١:١٠): صيغةٌ أُخرى لِكَثرةِ هذا السَّتر، يُعَلَّلُ بِها الأمرُ بِطَلَبِه.
- استَغفَرَ ماضِياً (٥): ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٣٨:٢٤): وَزنُ استَفعَلَ يَجعَلُ السَّترَ مَطلوباً، والمَفعولُ مَن يُطلَبُ مِنه.
- يَستَغفِرُ مُضارِعاً (١٦): ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٥١:١٨): طَلَبُ السَّترِ يُسَمّى وَقتُه.
- استَغفِرْ أمراً (١٩): ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ﴾ (١٢:٢٩): الأمرُ بِالطَّلَب، واللّامُ تُسَمّي ما يُطلَبُ سَترُه.
- استِغفار (١): ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ (٩:١١٤): الطَّلَبُ نَفسُه، يُطلَبُ هُنا لِغَيرِ الطّالِب.
- مُستَغفِر (١): ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (٣:١٧): مَن قامَ بِه هذا الطَّلَب.
من خارِجِ التَّركيب:
- من المُعجَم: الغَفرُ التَّغطية، والمِغفَرُ ما يُلبَسُ على الرَّأسِ في الحَربِ فيَستُرُه.
- عِندَ جَبَل في النَّواةِ غف: «قلة ما يكون على جانب عريض من الشيء». ووَصفُه لِلحَرفَين: الغَينُ «تخلخل مع شيء من رخاوة وكثافة»، والفاءُ «طرد وإبعاد ونفاذ بقوة».
وما يَزيدُه الاستِغفار: يَجعَلُ وَزنُ استَفعَلَ هذا السَّترَ مَطلوباً، فالمُستَغفِرُ يَطلُبُه، لِنَفسِه أو لِغَيرِه (القِسمُ الثّاني).
الصِّيَغ
- استَغفَرَ، يَستَغفِرُ، استَغفِرْ (استَفعَلَ): طَلَبُ هذا السَّتر. المَفعولُ مَن يُطلَبُ مِنه (٣٨:٢٤، ٤:٦٤)، واللّامُ ما يُطلَبُ سَترُه (٣:١٣٥، ١٢:٢٩) أو مَن يُطلَبُ لَه (٣:١٥٩، ٩:١١٤).
- استِغفار (مَصدَر): الطَّلَبُ نَفسُه (٩:١١٤).
- مُستَغفِر، مُستَغفِرون (اسمُ فاعِل): مَن قامَ بِه هذا الطَّلَب (٣:١٧).
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: سَترٌ يُبعِدُ ما يُغَطّيه ويَمتَدُّ عَلَيه. ووَزنُ استَفعَلَ يَجعَلُه مَطلوباً: الفِعلَ، أو الطَّلَبَ نَفسَه، أو صاحِبَه.
الفُروق المَعنويّة
ghufran(الغُفران): الجَذرُ نَفسُه. الغُفرانُ اسمُ هذا السَّتر، والاستِغفارُ طَلَبُه. انظُر الغُفران.tawba(التَّوبة): من ت-و-ب. يَقتَرِنانِ في ٤:٦٤ و١١٠:٣، والاستِغفارُ فيهِما يَتلوه ذِكرُ التَّوبةِ صِفةً لله. انظُر التَّوبة.
المَواضع: مَواقعُ الكَلِمةِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣:١٣٥ ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ الاستِغفارُ فِعلاً ماضياً يَلي ذِكرَ اللهِ بِالفاء، بَعدَ فاحِشةٍ أو ظُلمٍ لِلنَّفس: يَذكُرونَ اللهَ فيَطلُبونَ سَتراً يُبعِدُ عَنهُم ذُنوبَهُم، واللّامُ تُسَمّي ما يُطلَبُ سَترُه. وتَقصُرُ الآيةُ الغَفرَ بَعدَه على الله، وتَذكُرُ تَركَ الإصرارِ على ما فَعَلوا. انظُر الغُفران والذِّكر.
- ٣:١٤٧ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الطَّلَبُ دُعاءً بِفِعلِ الأمرِ من غَيرِ وَزنِ استَفعَلَ، وهو قَولُهُم كُلُّه في الآية. ويُعطَفُ على الذُّنوبِ إسرافُهُم في أمرِهِم، فيُطلَبُ السَّترُ لِما جاوَزوا فيه الحَدَّ في تَدبيرِهِم. ويُوصَلُ بِطَلَبِ تَثبيتِ الأقدامِ والنَّصر: السَّترُ لِما مَضى، والتَّثبيتُ لِما يَأتي. انظُر الإسراف.
- ٣:١٥٩ ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: الجَديدُ: يُطلَبُ السَّترُ لِأوَّلِ مَرّةٍ لِغَيرِ الطّالِب: يُؤمَرُ المُخاطَبُ أن يَستَغفِرَ لِمَن حَولَه، بَينَ العَفوِ عَنهُم ومُشاوَرَتِهِم في الأمر. والأوامِرُ الثَّلاثةُ تُعقِبُ لِيناً جاءَ رَحمةً من الله. انظُر العَفو واللِّين.
- ٤:٦٤ ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾: الجَديدُ: يَجتَمِعُ في الشَّرطِ طَلَبان: الذينَ ظَلَموا أنفُسَهُم يَطلُبونَ السَّترَ من اللهِ بَعدَ مَجيئِهِم إلى المُخاطَب، والرَّسولُ يَطلُبُه لَهُم. وكانَ الطَّلَبُ لِلغَيرِ في ٣:١٥٩ أمراً، وهو هُنا فِعلٌ واقِعٌ فاعِلُه «الرَّسول». والجَوابُ أن يَلقَوا اللهَ بِالتَّوبةِ والرَّحمة، فالطَّلَبُ يَنتَهي إلى لِقاء. انظُر التَّوبة والرَّسول.
- ٤:١٠٦ ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾: الجَديدُ: يُؤمَرُ المُخاطَبُ الواحِدُ بِالاستِغفارِ عَقِبَ نَهيِه عن أن يَكونَ لِلخائِنينَ خَصيماً، والمَفعولُ اسمُ اللهِ وَحدَه، وما يُطلَبُ سَترُه مَطويّ. ويُعَلَّلُ الأمرُ بِصِفَتَينِ تُثبِتُهُما «كانَ»، فالمُستَغفِرُ يَتَوَجَّهُ إلى مَن يَكثُرُ مِنه السَّترُ قَبلَ أن يَسأَل. انظُر الخِيانة.
- ٤:١١٠ ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾: الجَديدُ: الأمرُ الذي وُجِّهَ إلى الواحِدِ في ٤:١٠٦ يَعودُ شَرطاً مَفتوحاً لِكُلِّ عامِل، ويُسَمّى ما يُطلَبُ سَترُه: سوءٌ يُعمَلُ أو نَفسٌ تُظلَم. و«ثُمَّ» تَترُكُ بَينَ الفِعلِ والطَّلَبِ مُهلة، والجَوابُ أن يَلقى الطّالِبُ السَّترَ الذي طَلَبَه. انظُر الغُفران.
- ١١٠:٣ ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾: الجَديدُ: يَأتي الأمرُ بِالاستِغفارِ جَواباً لِشَرطٍ يَذكُرُ نَصرَ اللهِ والفَتحَ ودُخولَ النّاسِ في الدّينِ أفواجاً، وكانَ في ٣:١٣٥ و٤:٦٤ و٤:١١٠ يَتلو فاحِشةً أو ظُلماً أو سوءاً. ويُعطَفُ على التَّسبيحِ بِحَمدِ الرَّبّ، ويَتَعَدّى إلى ضَميرِه، ويُعَلَّلُ بِصِفةِ التَّوّاب. والسّورةُ تَترُكُ ما يُطلَبُ سَترُه مَطويّاً. انظُر التَّسبيح والتَّوبة.
التَّقاطُعات
tawba: «إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا»: الله يُقابِلُ الاستِغفارَ بِالتَّوبِ.tasbih: التَّسبيحُ والاستِغفارُ مُقتَرِنانِ في ١١٠:٣: «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ».hamd: «بِحَمْدِ رَبِّكَ»: التَّسبيحُ يَجري «بِالحَمد».fath: الفَتحُ ما أَفضى إلى هذا الأَمر.
الإشكالات المَفتوحة
- هل الاستِغفارُ في ١١٠:٣ على ذَنبٍ خاصّ؟ السّورةُ تَترُكُه مَطويّاً. الأمرُ فيها يَأتي بَعدَ النَّصرِ والفَتح، مَعطوفاً على التَّسبيحِ بِحَمدِ الرَّبّ، والصَّفحةُ تَقِفُ عِندَ ذلك.