آل عمران · الآية 147

﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ

«وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا»: قَولُهم كُلُّه رُجوعٌ ودُعاء

وتَعطِفُ الواوُ وصفاً للربيّينَ الذين سبقَت نفياتُهم، وتَدخُلُ «ما» على «كان» ويأتي «إلا» ليَحصُرَ قولَهم في «أن قالوا». والقولُ من ق-و-ل، ومادّتُه إطلاقٌ قاطِعٌ يُخرِجُ الصَّوتَ من الفَمِ ويَمتَدُّ ويَبقى مُتَعَلِّقاً بصاحِبِه، فيَحمِلُ معنىً يَخرُجُ في لفظٍ متّصل. والضميرُ يَعودُ إلى الجماعة، والماضي يُثبِتُ صدورَ الكلامِ منها. والمحصورُ هو قولُهم، ولا تُضيفُ الآيةُ خُطباً أو شعاراتٍ أخرى.

«رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا»: النِّداءُ يَفتَحُ طلبَ السِّتر

ويَبدأُ القولُ بـ«ربّنا»، وهو اسمٌ مضافٌ إلى ضميرِ الجماعةِ يَحملُ علاقةَ الربوبيةِ والقرب، ثمّ يأتي الأمرُ في صورةِ دعاء: اغفر لنا. وفي غ-ف-ر يَهبطُ الساترُ إلى غورِ الخللِ ويَجري عليه، واللامُ تَجعلُ الجماعةَ متلقيةً لهذا الستر. ومفعولُ الطلبِ «ذنوبنا» من ذ-ن-ب، وهو أثرٌ تالٍ يتصلُ بصاحبه، وبإضافةِ الذنوبِ إليهم يَبدأُ الدعاءُ باعترافٍ يَحملُ مسؤوليةَ الماضي.

«وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا»: التَّجاوُزُ يُعتَرَفُ به داخِلَ أَمرِهم

وتَعطفُ الواوُ «إسرافنا» على الذنوبِ مفعولاً آخرَ للمغفرة. والإسرافُ من س-ر-ف، وأصلُه حصرٌ دقيقٌ يجري مسترسلاً ثمّ يَفتحُ شقاً، فيَحملُ حركةً تتجاوزُ الحدَّ وتَخرجُ من ضبطِ المجرى. والإضافةُ تُبقي التجاوزَ منسوباً إليهم، و«في أمرنا» يَحصرُه في شأنهم المجموعِ المتحرك، وبذلك يَتسعُ الاعترافُ من الذنبِ إلى تجاوزِ الحدِّ داخلَ الأمر.

«وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا»: الدُّعاءُ يَنتقلُ من السِّترِ إلى إقامةِ المَوضِع

ثمّ تَعطِفُ الواوُ طلباً جديداً: ثبّت أقدامنا. والثباتُ من ث-ب-ت تَجَمُّعٌ كَثيفٌ دَقيقٌ يَتَّصِلُ بِمَوضِعِه ويَتَمَسَّكُ بِه ثمّ يُطبَقُ عَلَيه، فيَحمِلُ قَدَماً تَلزَمُ مَوقِفَها، وصيغةُ التفعيلِ تَحمِلُ شحنةً متكرّرةً في الإقامة. والأقدامُ من ق-د-م، ومدارُها على عقدٍ يَدفَعُ نافذاً ثمّ يَضمُّ في لقاء، فتَحمِلُ ما يَتقدّمُ ويَستقرُّ عليه الجسد، والإضافةُ تَربطُها بالجماعةِ الداعية. والمطلوبُ تثبيتُ الأقدامِ نفسُه، ولا يُحوَّلُ اللفظُ إلى خطةٍ ميدانيّة.

«وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ»: الخاتمةُ تَطلُبُ عَوناً على جماعةٍ موصوفة

وتُضيفُ الواوُ الطلبَ الأخير: انصرنا. وفي ن-ص-ر يَجتمعُ العونُ في باطنٍ صلبٍ ثمّ يَجري إلى صاحبه حاملاً القوةَ إليه. و«على» تَجعلُ القومَ الجهةَ المقابلة، ويَصفُهم «الكافرين» بفعلِ الحجبِ القائمِ فيهم. ويَجيءُ طلبُ العونِ من الربِّ بعدَ المغفرةِ والتثبيت، فتَنتقلُ الحركةُ من سترِ الماضي وإقامةِ الحاضرِ إلى مددٍ للمواجهة.


حَصيلة

يَحصرُ التركيبُ قولَ الجماعةِ في دعاءٍ يبدأُ بالاعترافِ وينتهي بطلبِ العون. وهم يَطلبونَ من ربّهم أن يَغفرَ ذنوبَهم وإسرافَهم في أمرهم، فيَنسبونَ الخللَ إلى أنفسهم، ثمّ يَطلبونَ تثبيتَ أقدامهم بصيغةٍ تَحملُ إقامةً متكررة، ويَطلبونَ النصرَ على القومِ الموصوفينَ بالكفر. فتَسيرُ الحركةُ من سترِ الماضي إلى تثبيتِ الحاضر، ثمّ إلى عونٍ يُطلبُ للمواجهة.