النصر · الآية 3

﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا

الفاءُ تَكشِفُ المَنطِق: لمَ ساعةُ النَّصرِ ساعةُ التَّسبيحِ والاستغفار

الفاءُ هنا فاءُ تَفريع، وليست عَطفَ تَتابُع، وما قبلَها يَفرِضُ ما بعدَها. وهذا التَّفريعُ يَكشِفُ مَنطِقاً غَريباً عن الذَّوقِ البَشَريِّ المُجرَّد، فحين يَكتَمِلُ الإنجازُ تَلوحُ في القَلبِ خُطورتان لا تَكادان تَنفَكّان عنه: الأُولى أن يَنسُبَ النَّصرَ إلى نَفسِه، فيَنفَصِلَ عن مَنبَعِه، والثانية أن يَتَلوَّثَ القَلبُ بما تَسَلَّلَ إليه في زَحمَةِ السَّعي، فلا يَنتَبِهَ إليه إلّا حين يَستَريحُ من العَمَل.

وثَلاثةُ الأَوامرِ في الآيةِ تَدفَعُ هاتَين الخُطورتَين دَفعةً واحدة: التَّسبيح يَنفي عن المَنبَعِ ما لَيسَ مِنه، والحَمد يَرُدُّ الثَّناءَ إلى أَهلِه، والاستِغفار يَطلبُ تَغطيةَ ما تَلَوَّثَ به القَلبُ في طَريقِ الإنجاز، والأَمرُ الأوّلُ يَحفَظُ المَنبَع، والثاني يَحفَظُ النِّسبة، والثالث يَحفَظُ المَحَلّ.

«سَبِّح بحَمد»: الباءُ تَجمَعُ الفِعلَين في حَركةٍ واحدة

والجذرُ س-ب-ح يَدلُّ على جَريانٍ نَزيهٍ يَنفُذُ بانسِيابٍ ثُمَّ يَنحَني بَعيداً عَمّا لا يَليقُ بمَوضِعِه، والسِّينُ فيه صَفيرٌ سائلٌ مُمتَدٌّ، والباءُ اتّصالٌ يَلتَصِق، والحاءُ نَفَسٌ حَلقيٌّ حارٌّ يَحوي. والنَّواةُ سَب جَريانٌ مُتَّصِلٌ يَلتَصِقُ بمَوضِعِه، والإكمالُ بالحاء يُضيفُ الإحاطةَ الحَيّة، ومنه «السَّبح» في الماءِ، وهو الانسِياب. فالتَّسبيحُ في أصلِه إجراءُ تَنزيهٍ يَجري انسِياباً يُبعِدُ عَنِ الاسمِ ما لَيسَ مِنه. ووَزنُ التَّفعيلِ على هذا الجَذرِ يُضيفُ شِحنةَ التَّكرارِ والمُلازَمة، فـ«سَبِّح» حَركةٌ مُسَبِّحةٌ مُتَواصِلة تَجري بدَواءٍ على الاسمِ كلَّما هَدَّدَه ادِّعاءٌ من قارِئ، وليست تَنزيهةً واحدة. وما بَعدَه هنا مَجرورٌ بالباء: «بِحَمدِ رَبِّك»، والباءُ في العربيّةِ حَرفُ المُصاحَبَة، تَجعَلُ الفِعلَين يَجريانِ مُلتَصِقَين، فالمُرادُ تَنزيهٌ مَصحوبٌ بثَناءٍ يُؤَكِّدُ ما يَستَحقُّه الاسم، وليس تَنزيهاً يَنفي ثُمَّ يَنتَهي.

وفي هذا التَّركيبِ حِفظٌ من خَطَأَين مُتَناقِضَين: فالتَّسبيحُ وَحدَه قد يَنحَدِرُ إلى نَفيٍ بارد، يَفصِلُ المُسَبِّحَ عَن المُسَبَّحِ بمَسافَةٍ من الإجلالِ يَفقِدُ فيها القَلبُ القُربَ، والحَمدُ وَحدَه قد يَنحَدِرُ إلى ثَناءٍ يَختَلِطُ فيه ما يَستَحقُّ الثَّناءَ بما يُنسَبُ إليه فيه، والباءُ تَمنَعُ الانفِصالَ والاختِلاطَ مَعاً، فيَكونُ تَنزيهاً مَصحوباً بثَناء، وثَناءً مَحفوظاً بتَنزيه.

وكأنَّ الآيةَ تُعيدُ القارئَ إلى آيةِ الفاتحة الثانية: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والكتابُ افتُتِحَ بالحَمد، وهو هنا يَختِمُ مَأموريَّةَ المُخاطَبِ بأمرٍ بالحَمد، وأوّلُ ما نَطَقَ به الكتابُ هو آخرُ ما يَستَودِعُه عَبدَه، وكلُّ شيءٍ يَنتَهي حَيث ابتَدَأ.

«رَبِّك»: المُربّي، لا السَّيِّدُ المالك

والاختيارُ «رَبِّك» دونَ «إلهِك» اختيارٌ مَقصود، ففي ساعةِ النَّصرِ يَحتاجُ القَلبُ إلى أن يَتَذَكَّرَ مَن أَخذَه من بَذرَةٍ إلى تَمام، زيادةً على مَن يُعبَدُ بَعد التَّمام. والجذرُ ر-ب-ب يَدلّ على المُلازَمةِ في النُّموّ، والربُّ هو المُلازِمُ في الطريقِ كلِّه، من ساعةِ الإقدامِ إلى ساعةِ الانتِصار. ولذلك يُذَكَّرُ المُخاطَبُ في خاتمةِ مَأموريَّتِه بأنَّ الذي قابَلَ أعداءَه مَعَه ساعةَ الضِّيقِ هو الذي قابَلَ النَّصرَ مَعَه ساعةَ السَّعَة. ولَم يَكُن وَحدَه في طَريقِ التَّربية، فلا يَكونُ وَحدَه في خاتِمَتِها.

وضَميرُ المُخاطَبِ في «رَبِّك» يُفرِدُه بهذا التَّذكير، فساعةَ يَدخُلُ الناسُ مَوجاً بَعد مَوج يَجِدُ نَفسَه أمامَ جَماعَةٍ هائلةٍ تَنسُبُ إليه نَجاحَها، والآيةُ تَأخُذُه من هذا الجَمعِ إلى نِسبَةٍ أَفرَدَ: «رَبِّكَ أنت»، والجَماعةُ تَدخُل، والمُخاطَبُ يَرجِعُ إلى مَن أَخرَجَه إلى هذا اليَوم.

«واستَغفِره»: التَّغطِيَةُ ساعةَ الكَمال، لا ساعةَ الخَطَأ

غَريبٌ أن يُؤمَرَ المَنصورُ بالاستِغفارِ في ساعةِ نَصرِه، وهذه الغَرابةُ هي مَوضعُ التَّعليم، فالاستِغفارُ حِفظٌ لِما لا يَنتَبِهُ القَلبُ إلى تَلَوُّثِه به في زَحمَةِ السَّعي، ولا يَقِفُ عِندَ لَحظَةِ السُّقوط. وأصلُ غ-ف-ر التَّغطية، أي تَغطيَةُ الشَّيءِ بما يَفصِلُه عَن مُحيطِه فلا يَتَلَوَّثُ به ولا يُلوِّثُه.

وفي ساعةِ النَّصرِ كَثيرٌ يَنبَغي أن يُغطّى: خاطِرُ تَكَبُّرٍ مَرَّ، ونَظرَةُ احتِقارٍ خَطَفَت، وإغفالٌ لجانبٍ ما، وانشِغالٌ عن صَلاةٍ، وتَأخيرٌ عن قَولِ كَلِمَة. وكلُّ هذا يَتَراكَمُ تَحتَ زَحمَةِ السَّعي، ولا يَنتَبِهُ إليه القَلبُ إلّا حين يَستَريحُ من العَمَل، والاستِغفارُ هنا يَطلبُ من اللهِ أن يُغَطِّيَه قَبل أن يَستَفحِل، فَيَفصِلَ المَنصورَ عمّا تَلَوَّثَ به في طَريقِه.

ولِذلكَ يُسمَعُ هذا الاسمُ في البَقَرَةِ ساعةَ تَمامِ السَّعي: إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، وساعةَ التَّمامِ يُستَدعى هذا الاسمُ بعَينه، وحينَ تَخرُجُ مَأموريَّةُ المُخاطَبِ إلى تَمامِها يُؤمَرُ بالاستِغفارِ من الاسمِ نَفسِه، وخاتِمَةُ كلِّ سَعيٍ وكلِّ نَصرٍ طَلَبُ تَغطيةٍ مِن الذي يَرجِع.

«إنَّه كان تَوّاباً»: الرَّبُّ يَرجِع، فاطمَئِنّ

والجذرُ ت-و-ب في اللسانِ مَعناهُ الرُّجوع، والتاءُ فيه ضَبطٌ ودِقّة، والواوُ وَصلٌ يَمتَدّ، والباءُ اتّصالٌ يَلتَصِق. والنَّواةُ تَو ضَبطٌ يَتَّصِلُ بمَوضِعٍ سابِق، والإكمالُ بالباء يُحَوِّلُ هذا الاتِّصالَ التِصاقاً بَعد رُجوع، فالجَذرُ يَحمِلُ صورةَ مَن انتَقَلَ ثُمَّ عادَ فَالتَصَقَ ثانيةً بمَوضِعِه. ومَعنى «تابَ العَبدُ» رَجَعَ إلى ربِّه، ومَعنى «تابَ الربُّ على عَبدِه» رَجَعَ عليه بالقَبول، والجذرُ نَفسُه يَشتَغِلُ في الاتِّجاهَين، وفِعلٌ واحدٌ يَدلّ على حَركةِ كِلَيهِما. وأمّا «تَوّاب» على وَزنِ فَعّال فيُضيفُ شِحنةَ المُبالَغةِ في صِفةٍ راسِخة، فهو رُجوعٌ مُتَكَرِّرٌ ثابِتٌ كحالٍ لازِمَة، وليس تَوبةً واحدة.

والصيغةُ «كانَ تَوّاباً» في الماضي مَعَ النَّاسخِ «كانَ» تَدلّ على ثَباتٍ في الماضي يَمتَدُّ إلى الحاضر، فلم يَتَوَقَّف رُجوعُه في يَومٍ من الأيّام، ولن يَتَوَقَّف. ولذلك يَأتي هذا الاسمُ في خاتِمَةِ السُّورةِ لأنَّه أَحَقُّ بالكَلِمَةِ الأخيرة. والكتابُ ابتُدِئَ في البَقَرةِ بآدمَ يَتَلَقَّى الكَلِماتِ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، ويُختَمُ هنا بالمُخاطَبِ يُؤمَرُ بالاستِغفارِ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، والاسمُ الذي رَدَّ آدمَ من سَقطَتِه هو الاسمُ الذي يَستَقبِلُ خاتمةَ المَأموريَّةِ في نَصرِها، والجَذرُ نَفسُه يَفتَحُ ويَختِم.

وفي هذه السُّورةِ إعلانٌ خَفِيٌّ بِقُربِ الرَّحيل، لأنَّ ساعةَ اكتِمالِ المَأموريَّةِ هي ساعةُ الاستِعدادِ للرُّجوع، ومَن أُمِرَ في ساعةِ نَصرِه أن يَستَغفِرَ ربَّه فَكأنَّه أُمِرَ أن يُهَيِّئَ نَفسَه للقاءٍ آخَر. وهي ثَلاثُ آياتٍ قِصار تَختِمُ المَأمورِيّةَ كُلَّها، وتَنحازُ جَميعُها إلى أمرٍ واحد: ارجِع.


حَصيلة

الفاءُ في «فَسَبِّح» فاءُ تَفريع لا عَطف: جاءَ النَّصرُ، وانكسَرَ الإغلاق، ودَخَلَ الناسُ مَوجاً بَعدَ مَوج، وما يَفعَلُه المَنصورُ بَعدَها على غَيرِ ما يَتَوَقَّعُه القَلبُ من احتفاء، فهي ثَلاثةُ أَوامرَ كلُّها أَفعالُ تَواضُع: سَبِّح، احمَد، استَغفِر. وساعةَ يُقالُ للمَرءِ «انتَصَرتَ فاستَرِح» يُقالُ لَه: «انتَصَرتَ فَتَنَزَّه». والتَّسبيحُ في جذرِه (س-ب-ح) سَريانٌ يَنفُذُ بدِقّة، ووَزنُ «فَعِّل» للتَّكرار، والباءُ في «بحَمدِ ربِّك» لِلمُصاحَبَة، تَجعَلُ التَّسبيحَ والحَمدَ يَجريانِ مَعاً، فلا تَنزيهٌ بارد، ولا ثَناءٌ يَختَلِطُ بأَسبابِ الأَرض. والحَمدُ (ح-م-د) ثَناءٌ راسخٌ على ما يَستَحقُّه الاسمُ لذاتِه، وهو أَعمُّ من الشُّكر، وقد افتُتِحَ الكتابُ بالحَمد في الفاتحة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهو يَختِمُ مَأموريَّةَ المُخاطَبِ بأَمرٍ بالحَمد. واختيارُ «ربِّك» دونَ «إلهِك» مَقصود، ففي ساعةِ النَّصر يَحتاجُ القَلبُ أن يَتَذَكَّرَ مَن لازَمَه من بَذرَةٍ إلى تَمام. ثُمَّ يَأتي الأَمرُ الغَريب: «استَغفِره»، والجذرُ غ-ف-ر مَعناه التَّغطيةُ التي تَفصِلُ المَحَلَّ عن مُحيطِه، والمَطلوبُ تَغطيةُ ما تَلَوَّثَ به القَلبُ في زَحمَةِ السَّعي (خاطِرُ تَكَبُّرٍ مَرّ، نَظرَةُ احتقار، إغفالُ صَلاةٍ)، لا تَوبةٌ من ذَنبٍ بعَينه. ثُمّ تَأتي الكَلِمةُ الأَخيرة: «تَوّاباً»، والجذرُ ت-و-ب يَعمَلُ في الاتِّجاهَين، فتابَ العَبدُ رَجَعَ إلى ربِّه، وتابَ الرَّبُّ رَجَعَ عليه بالقَبول، ووَزنُ «فَعّال» مُبالَغةٌ في صِفةٍ راسخة، و«كانَ» تُؤَكِّدُ ثَباتَها وامتِدادَها. والكتابُ ابتُدِئَ في البَقَرة بآدَمَ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ويُختَمُ هنا بالمُخاطَبِ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، والاسمُ الذي رَدَّ آدَمَ من سَقطَتِه هو الاسمُ الذي يَستَقبِلُ خاتِمةَ المَأموريَّةِ في نَصرِها: يَجيءُ النَّصرُ، فيَرجِعُ المَنصورُ إلى ربِّه، فيَرجِعُ الرَّبُّ إلى عَبدِه. وهي ثَلاثُ آياتٍ قِصار تَختِمُ المَأمورِيّةَ كُلَّها، وتَنحازُ جَميعُها إلى أَمرٍ واحد: ارجِع.