الخِيانة
التَّعريف الجَذريّ
نَقصٌ يَسري في باطِنِ ما كانَ مَؤتَمَناً عليه وظاهِرُه قائِم، الخِيانةُ ثَقبٌ في الأَمانةِ يُتيحُ الوُصولَ إلى ما كانَ مَصوناً. ليسَت عُدواناً مَكشوفاً بَل نَفاذاً خَفِيّاً في ثِقةٍ مَنحوحة.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- خ: تَخَلخُلٌ واختِراق، شِحنتُه: التخلخلُ والنقصُ والفراغ.
- و: حَرفُ مَدٍّ بَينَ الحَرفَين. شِحنَتُه: الوَصلُ المَمدود.
- ن: رَنينٌ وانبِعاث، شِحنتُه: الاحتواءُ والاحتباسُ الجوفيّ.
النَّواةُ خن (خ + ن) = تَخَلخُلٌ يُنقِصُ ما يَحتَويه الجَوفُ من داخِلِه. وو (الوصل الممدود والربط) بَينَهُما مَدٌّ يَحمِلُ هذا النَّقصَ ويَمُدُّه خَفِيّاً، ولا تَقومُ عَلَيه النَّواة. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: نَقصٌ يَسري في باطِنِ ما اؤتُمِنَ عَلَيه المَرءُ وظاهِرُه قائم.
ومنه في كَلامِ العَرَب:
- خانَ الأَمانةَ: ثَقَبَ ما كانَ مَصوناً فِيها وتَصَرَّفَ فيه.
- الخَوَن: أَصلُه التَّخَلخُلُ والنَّقص.
- خانَ الزَّوجَ: اخترَقَ حُرمةَ العَلاقةِ مِن الداخِل.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: نَقصٌ خَفيٌّ يَسري في باطِنِ ما كانَ مَؤتَمَناً عليه. الخِيانةُ ليسَت هُجوماً صَريحاً بَل تَسَلُّلاً في ثِقةٍ مَمنوحة.
الصِّيَغ
- تَختانون (مُضارِعٌ: افتِعال): صيغةُ الافتِعالِ تُفيدُ التَّكَلُّفَ والتَّعمُّد: اختِيارٌ قَصديٌّ للاختِراق. «كُنتُم تَختانونَ أَنفُسَكُم»، الخِيانةُ وَقَعَت على الأَنفُسِ ذاتِها: مَن اختانَ حُدودَ الصَّومِ اختانَ نَفسَه.
الفُروق المَعنويّة
- amanah (الأَمانة): أ-م-ن: ما يَخترِقُه الخائِن. الأَمانةُ والخِيانةُ قُطبانِ.
3isyan(العِصيان): ع-ص-ي: خُروجٌ عن الطَّاعةِ. أَعَمُّ من الخِيانة. الخِيانةُ أَخَصُّ: نَقضٌ في مَحَلِّ الثِّقة.
المَواضع: مَواقِعُ الخِيانةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٨٧ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الخِيانةُ هُنا خِيانةُ النَّفسِ لا الآخَر. الجَديدُ: «تَختانونَ أَنفُسَكُم»، الذَّاتُ هي المَخونَةُ لا طَرَفٌ خارِجيٌّ. والآيةُ تَفتَتِحُ بِالإحلالِ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾، والإحلالُ يَستَلزِمُ حَظراً سابِقاً، ولِذلك جاءَ الفِعلُ بِـ«كُنتُم» على الاستِمرارِ المُنقَطِع. وما وَراءَ هذا القَدرِ من تَعيينِ الوَقتِ وحِكايةِ ما جَرى لَيسَ في اللَّفظ. الإنسانُ حينَ يَنقُضُ ما التَزَمَه يَختَرِقُ الأَمانةَ التي حَمَلَها لِنَفسِه، وصيغةُ الافتِعالِ تَجعَلُ النَّقضَ مَقصوداً لا واقِعاً بِغَفلة. ثُمَّ التَّوبةُ والعَفوُ يُلتَئِمُ بِهِما الثَّقبُ: «فَتابَ عَلَيكُم وَعَفا عَنكُم»، والرَّدُّ إلى التَّوبةِ هو الرَّدُّ إلى الأَمانةِ الأَصلِيَّة.
- ٤:١٠٥ ﴿وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾: الجَذرُ يَرِدُ اسمَ فاعِلٍ مَجموعاً، «الخائنين»، يُسَمّي قَوماً بِصِفةٍ ثَبَتَت فيهِم، في نَهيٍ يَلي إنزالَ الكِتابِ بِالحَقِّ «لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ». الجَديدُ: الخِيانةُ التي وَقَعَت في ٢:١٨٧ على أنفُسِ أصحابِها تَظهَرُ هُنا صِفةً لِقَومٍ قد يَقومُ لَهُم غَيرُهُم في الخُصومة، فالنَّهيُ يَقَعُ على مَن يَحمِلُ جانِبَهُم: «خَصيماً» على فَعيل، مَن تَلزَمُه الخُصومة، واللّامُ تَجعَلُها لِأجلِهِم. والخِيانةُ نَقيضُ الأمانةِ التي قَرَنَتها ٤:٥٨ بِالحُكمِ بَينَ النّاس، فالحُكمُ الذي يُؤمَرُ فيه بِأداءِ الأماناتِ يُحفَظُ هُنا من أن يَصيرَ صاحِبُه خَصماً عن ناقِضيها. انظُر الخُصومة / الخَصيم.
- ٤:١٠٧ ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾: الفِعلُ «يَختانونَ أنفُسَهُم» يَعودُ على الافتِعالِ ومَعَ المَفعولِ نَفسِه الذي جاءَ في ٢:١٨٧، مُضارِعاً جارِياً لم يَنقَطِع، في صِلةِ قَومٍ نُهِيَ المُخاطَبُ أن يُجادِلَ عَنهُم. الجَديدُ: الجَذرُ يَبلُغُ «فَعّال» في «خَوّاناً»، بِناءً يُكَرِّرُ الفِعلَ حتّى يَصيرَ عادةً لِصاحِبِه، مَقروناً بِـ«أثيماً»، والوَصفانِ مُثبَتانِ بِـ«كانَ» ومَنفِيّةٌ عن صاحِبِهِما المَحَبّة: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا». فالخِيانةُ التي قوبِلَت في ٢:١٨٧ بِالتَّوبةِ والعَفوِ تُقرَأُ هُنا عادةً مُستَقِرّة، والنَّهيُ عن الجِدالِ عن أصحابِها يَتلو النَّهيَ عن أن يَكونَ المُخاطَبُ لِلخائنينَ خَصيماً في ٤:١٠٥. انظُر الجَدَل.
التَّقاطُعات
nafs: «تَختانونَ أَنفُسَكُم»، الخِيانةُ مُوَجَّهةٌ نَحوَ الذَّات.tawba: التَّوبةُ تُعيدُ سَدَّ ما فَتَحَتِ الخِيانة.afw: العَفوُ يَلي التَّوبةَ في ٢:١٨٧.siyam: الخِيانةُ في سِياقِ حُدودِ الصِّيام.
الإشكالات المَفتوحة
- لِماذا «تَختانونَ أَنفُسَكُم» لا «تَعصونَ»؟ المَوقِف: الاختِيارُ اللَّفظيُّ دَقيق: الصِّيامُ عَهدٌ حَمَلَه المُؤمِنُ ومَن يَنقُضُه يَختَرِقُ نَفسَه لا مُجَرَّدَ حُكمٍ خارِجيٍّ.