البقرة · الآية 187

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۚ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۚ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

«أُحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم»: (ح ل ل) فكّ العقدة + «ليلة» ظرف لا يوم + (ر ف ث) لذّة شاملة + «إلى» للغاية

ونُواةُ (ح ل) فَكُّ ما كانَ مَشدوداً، واللّامُ توصِلُ الفَكَّ إلى مَحَلِّه؛ فالحِلُّ في أصلِ الجَذرِ إزالةُ عَقدٍ كانَ قائِماً، لا إطلاقٌ من عَدَم. وصيغةُ المَجهولِ «أُحِلَّ» تَجعَلُ الفِعلَ في يَدِ المُحِلِّ دونَ المُحَلَّلِ لَه؛ فالإباحةُ تَشريعٌ إلَهيٌّ، وليسَت حَقّاً بَشَريّاً. وعُبِّرَ بِـ«لَيلةَ الصِّيامِ» دونَ «يَومَه» فخُصَّ الإحلالُ بِظَرفِ اللَّيلِ تَحديداً، مِمّا يَكشِفُ أنَّ الصِّيامَ مَحصورٌ في النَّهار. ونُواةُ (ر ف) لِينٌ مَعَ دِفء، والثّاءُ تَضُمُّ إلَيها ظُهوراً مُبَعثَراً؛ فالرَّفَثُ في أصلِ الجَذرِ لَذّةٌ تَنتَشِرُ من الكَلامِ الجِنسيِّ إلى الفِعل، لا الجِماعُ وَحدَه. وحَرفُ «إلى» في «إلى نِسائِكُم» يُفيدُ الغايةَ والمَسار، فالرَّفَثُ حَرَكةٌ تَتَّجِهُ نَحوَ الزَّوجة، غَيرُ فِعلٍ واقِعٍ عَلَيها، مِمّا يَكشِفُ التَّبادُلَ في الوُصولِ قَبلَ الفِعل.

«هُنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ»: استعارة اللباس + التبادل + وزن فِعال للإحاطة

واللِّباسُ على وَزنِ فِعالٍ من (ل ب س)، ونُواتُه «ل ب» إحاطةٌ مُلتَصِقة، والسّينُ تَضُمُّ إلَيها انسِياباً على السَّطح؛ فاللِّباسُ ما أحاطَ بِالجِسمِ مُلامِساً إيّاه. والاستِعارةُ هُنا مَقلوبةٌ تَعَمُّداً: الزَّوجةُ لِباسٌ لِلزَّوجِ والزَّوجُ لِباسٌ لِلزَّوجة، وليسَ أحَدُهُما أصلاً والآخَرُ تابِعاً. وهذا التَّبادُلُ يَكسِرُ الهَرَميّةَ التي جَعَلَتِ المَرأةَ مَسكَناً لِلرَّجُلِ أو غِشاءً يَحميه وَحدَه، فكُلٌّ مِنهُما يَستُرُ صاحِبَه ويَحفَظُه ويُدفِئُه. واللّامُ في «لَكُم» و«لَهُنَّ» لامُ الاختِصاصِ المُتَبادَلة، تَجعَلُ كُلَّ طَرَفٍ في اختِصاصِ الآخَرِ لا في مِلكيّتِه.

«علم اللَّه أنّكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم»: افتعال (خ و ن) + النفس محلّ الخيانة + (ت و ب) + (ع ف و)

ونُواةُ (خ و) فَراغٌ يَتَخَلَّل، والنّونُ تَضُمُّ إلَيها ظُهوراً مَكشوفاً لِهذا الفَراغ؛ فالخِيانةُ في أصلِ الجَذرِ إظهارُ ما كانَ يَنبَغي سَترُه، أو إبداءُ فَراغٍ في الأمانة. ووَزنُ الافتِعالِ في «تَختانون» يُفيدُ التَّكَلُّف، مِمّا يَكشِفُ أنَّ الفِعلَ وَقَعَ من المُخاطَبينَ تَعَمُّداً لا جَهلاً. والمَفعولُ «أنفُسَكُم» مُدهِش: الخِيانةُ واقِعةٌ مِنهُم على ذَواتِهِم، لا على الآخَرينَ ولا على الله. فالتَّشديدُ في التَّحريمِ بِلا نَصٍّ خِيانةٌ لِلذّاتِ تَمنَعُها ما أباحَه اللهُ لَها. و«كُنتُم» من الفِعلِ النّاقِصِ تُفيدُ استِمرارَ الحالةِ قَبلَ الآية. ثُمَّ إنَّ نُواةَ (ت و) رُجوعٌ مُتَواصِل، والباءُ تُلصِقُ الرُّجوعَ بِمَحَلِّه؛ فالتَّوبةُ رُجوعٌ يَنالُ مَحَلَّه بِثَبات. وحَرفُ «على» في «تابَ عَلَيكُم» يُفيدُ رُجوعَ المَولى نَحوَ المُخاطَبينَ بِالعَفو، لا قَبولَ رُجوعِهِم فحَسب. ثُمَّ «عَفا عَنكُم»، ونُواةُ (ع ف) مَحوٌ لِلأثَر، والواوُ تُفيدُ الامتِداد؛ فالعَفوُ مَحوٌ مُتَواصِلٌ يُزيلُ الأثَرَ من الصَّحيفة، لا تَرَفُّعٌ عن العُقوبةِ فحَسب. واجتِماعُ التَّوبةِ والعَفوِ يَجعَلُ الماضيَ كأنَّه لم يَكُن.

«عَلِمَ اللَّهُ أنّكُم كُنتُم تَختانونَ أنفُسَكُم»: المَعرِفةُ تَسبِقُ التَّخفيف

وقَبلَ أن يَنزِلَ الحُكمُ الجَديدُ تَنزِلُ جُملةٌ واحِدة: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾، وقد عُدِلَ فيها عن «أخطَأتُم» و«عَصَيتُم» إلى ما مَعناه: رَأيتُكُم في اللَّيلِ وأنتُم تَسرِقونَ من أنفُسِكُم ما لم أُحَرِّمْه عَلَيكُم.

وهذا عِلمٌ يَنظُرُ إلى الدّاخِلِ لا إلى الفِعل، فاللهُ لا يُسَجِّلُ الواقِعةَ على الصَّحيفة، وإنَّما يَقرَأُ الإنسانَ في باطِنِه، فيَرى الرَّجُلَ يَعودُ إلى أهلِه فيَتَلَكَّأ، ويَرى المَرأةَ تَتَوارى، ويَرى التَّكَلُّفَ في كِلَيهِما. ثُمَّ يَأتي حَرفُ الفاءِ بَعدَه: فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُم﴾، والحُكمُ تَغَيَّرَ لأنَّ اللهَ نَظَرَ فيهِم فعَرَفَ ما هُم، ولم يَتَغَيَّرْ لأنَّ النّاسَ تَغَيَّروا.

وهذا غَيرُ العِلمِ في قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾، فهُناكَ عَلاماتٌ تَنزِلُ على الفُروعِ في الأرض، وغَيرُ التَّعليمِ في وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾، فهُناكَ مَعنىً يَأتي من خارِجِ الإنسان. أمّا هُنا فالاتِّجاهُ مَعكوس: المَعنى في داخِلِ الإنسان، واللهُ يَنزِلُ إلَيه لِيَقرَأَه، والشَّريعةُ تَستَديرُ على ما قَرَأ.

وتَخفيفُ القانونِ على الإنسانِ سَبَبُه أنَّ اللهَ رَأى الضَّعفَ قَبلَ أن يَعتَرِفَ بِه الإنسان، وليسَ سَبَبُه ضَعفَ الإنسانِ نَفسَه.

«فالآن باشروهنّ وابتغوا ما كتب اللَّه لكم»: (ب ش ر) تلامس البشرة + (ب غ ي) طلب مع قصد + (ك ت ب) المقدَّر

والفاءُ في «فَالآن» لِلتَّفريع، تَنقُلُ من رَفعِ الحَظرِ إلى الأمرِ الجَديد. و«الآنَ» ظَرفُ زَمَنٍ يَنصَبُّ على اللَّحظةِ الحاضِرة، فيَقطَعُ الأمرَ عن الماضي المُحَرَّمِ ذاتيّاً. ونُواةُ (ب ش) ظُهورٌ مُنبَسِط، والرّاءُ تُجَدِّدُه؛ فالبَشَرُ سَطحٌ مُنبَسِطٌ مُتَجَدِّد، ومِنه البَشَرةُ لِسَطحِ الجِلدِ الخارِجيّ. ومُفاعَلةُ «باشِروهُنَّ» تُفيدُ التَّلاقِيَ بَشَرةً لِبَشَرة، وهي كِنايةٌ قُرآنيّةٌ قِياسيّةٌ عن الجِماع، وليسَت لَفظاً اصطِلاحيّاً طارِئاً. ثُمَّ «وابتَغوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُم»، ونُواةُ (ب غ) طَلَبٌ مَعَ قَصدٍ تامّ، والياءُ تُفيدُ الامتِداد، والافتِعالُ في «ابتَغى» يُضيفُ التَّكَلُّفَ الذّاتيّ. فالمَطلوبُ هُنا ما كَتَبَه اللهُ، ذُرِّيّةً كانَ أو لَذّةً مَكتوبةً قَبلَ الفِعل، لا اللَّذّةُ وَحدَها. و(ك ت ب) بِمَعناها الرّاسِخِ يَكشِفُ أنَّ ما يَنتُجُ عن المُباشَرةِ مُقَدَّرٌ مَكتوب، غَيرُ مَضمونٍ بِالفِعل.

«وابتَغوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُم»: حَرفُ جَرٍّ يَقلِبُ الشَّريعة

وإذا قُرِئَتِ العِبارَتانِ مَرَّتَينِ ظَهَرَ الفَرقُ بَينَهُما: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ووَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. والجَذرُ واحِد، والمُتَكَلِّمُ واحِد، والآيَتانِ في السّورةِ نَفسِها، غَيرَ أنَّ حَرفاً صَغيراً يَنقَلِبُ بَينَهُما فيَنقَلِبُ مَعَه كُلُّ شَيء.

و«كُتِبَ عَلَيكُم» فِعلٌ مَجهولٌ يَنزِلُ على الظُّهور، مَكتومُ الفاعِل، والحَرفُ «على» يَجعَلُ الحُكمَ ثِقلاً يَستَقِرُّ فَوقَ الكاهِل. وعلى هذا جاءَ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ وكُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾، فهو حُكمٌ يُلصَقُ بِالمُخاطَبِ أحَبَّه أم كَرِهَه، وما يُطلَبُ مِنه بَعدَ ذلك واحِدٌ دائِماً: الأداءُ، أي أن يَفعَلَ ما عَلَيه.

وأمّا «كَتَبَ اللَّهُ لَكُم» فالفاعِلُ فيه ظاهِر، والحَرفُ «لـ» لامُ العَطاء، وما كُتِبَ هُنا نَزَلَ من أجلِ المُخاطَبِ ولم يَنزِلْ عَلَيه، فهو هَدِيّةٌ مَوضوعةٌ في صَحيفَتِه بِانتِظارِ يَدِه. ولِذلك كانَ المَطلوبُ مِنه بَعدَه «وابتَغوا» دونَ «أدّوا»، أي أن يَطلُبَ ما هو لَه.

والقانونُ الذي يَنزِلُ على الظَّهرِ يُطلَبُ من صاحِبِه أن يُؤَدِّيَه، والقانونُ الذي يَنزِلُ في الحِضنِ يُطلَبُ مِنه أن يَطلُبَه، وحَرفُ جَرٍّ واحِدٌ هو الفَرقُ كُلُّه.

«وكلوا واشربوا حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الأسود من الفجر ثمّ أتمّوا الصيام إلى الليل»: (ب ي ن) فصل بصريّ + استعارة الخيط + (ف ج ر) انشقاق + (ت م م) غَلقُ الدائرة

والاستِعارةُ في «الخَيط الأبيض مِن الخَيط الأسود مِن الفَجر» نَموذَجٌ حِسِّيٌّ لِلفَصلِ الزَّمَنيّ، ولا تَقِفُ عِندَ التَّصويرِ الشِّعريّ: الفَجرُ مَشهَدٌ ضَوئيٌّ يَظهَرُ فيه شَريطٌ أبيَضُ أُفُقيٌّ يَتَمَيَّزُ عن ظَلامِ ما فَوقَه، فالاستِعارةُ تَصِفُ الواقِعَ لا تُجَمِّلُه. ونُواةُ (ب ي) فَصلٌ مَعَ وُضوح، والنّونُ تُوَطِّنُ الوُضوح؛ وصيغةُ التَّفَعُّلِ في «يَتَبَيَّنَ» تُفيدُ تَدَرُّجَ الظُّهور، لا ظُهوراً فُجائيّاً. ونُواةُ (ف ج) انشِقاقٌ يَسمَحُ بِالانبِثاق، والرّاءُ تُجَدِّدُه؛ فالفَجرُ شَقُّ الظُّلمةِ بِضَوءٍ مُتَجَدِّد. ثُمَّ «ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيل»، و«ثُمَّ» لِلتَّراخي في الزَّمَن، و(ت م م) نُواتُه «ت م» اكتِنازٌ يَنغَلِق، وحَرفُ الميمِ الثّاني يَختِمُ الانغِلاق؛ فالإتمامُ غَلقُ الدّائِرةِ حتّى لا يَبقى مَنفَذ. وحَرفُ «إلى» يَقطَعُ الغايةَ عِندَ «اللَّيل»، وهو ظَرفٌ يُقابِلُ «ليلة الصّيام» في بِدايةِ الآية، فتَكتَمِلُ الدّائِرةُ اليَوميّة.

«ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد ۗ تلك حدود اللَّه فلا تقربوها»: (ع ك ف) انقطاع مُركَّز + (ح د د) فصل حَدّيّ + (ق ر ب) نهي عن المقاربة

ونُواةُ (ع ك) انحِباسٌ في مَحَلّ، والفاءُ تَفتَحُها على تَركيزِ الهَمّ؛ فالاعتِكافُ انحِباسٌ مُرَكَّزٌ في بُقعةٍ ومُهِمّة، لا جُلوسٌ فحَسب. والجُملةُ الحاليّةُ «وأنتُم عاكِفونَ في المَساجِد» تَربِطُ الحَظرَ بِظَرفِ الاعتِكافِ دونَ الصَّومِ عامّة؛ فالحَظرُ مَحَلِّيٌّ مُؤَقَّت، غَيرُ دائِم. ثُمَّ «تِلكَ حُدودُ اللَّه»، واسمُ الإشارةِ «تِلكَ» لِلبُعدِ المُحتَرَم، يُشيرُ إلى ما سَبَقَ من الأحكام. ونُواةُ (ح د) فَصلٌ قاطِع، والتَّضعيفُ يَزيدُ قُوّةَ الفَصل؛ فالحَدُّ ما يَفصِلُ بَينَ بُقعَتَينِ فَصلاً لا يَقبَلُ التَّداخُل. ومِنه «فَلا تَقرَبوها» بِصيغةِ النَّهيِ عن المُقارَبةِ دونَ العُبور، ونُواةُ (ق ر) مَسكٌ مُتَقارِب، والباءُ تُلصِقُ ما تَقارَب. فالنَّهيُ هُنا واقِعٌ على الاقتِرابِ من الحَدِّ أصلاً، زيادةً على تَجاوُزِه، لِئَلّا تَنزَلِقَ القَدَم. وهذا التَّشديدُ الذي أوجَبَه اللهُ هُنا مُختَلِفٌ عن التَّشديدِ الذي نَهى عَنه في «كنتم تختانون أنفسكم»: الأوَّلُ نَصٌّ مُحَدَّد، والثّاني اختِلاقٌ ذاتيّ.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، والصّائِمُ دَورٌ يَعرِفُ أينَ تَنفَتِحُ الحُدودُ وأينَ تَنغَلِق، فيَحفَظُ الفاصِلَ بَينَ الفَجرِ واللَّيل، وبَينَ المَسجِدِ والبَيت، وبَينَ الرَّفَثِ واللِّباسِ الذي يَستُرُه الزَّوجانِ كِلاهُما، وليسَ لَقَباً يُطلَقُ على مَن يَمتَنِعُ عن لَيلِه كذلكَ عن نَهارِه.


حَصيلة

تَرفَعُ الآيةُ حَظراً كانَ المُؤمِنونَ قد وَضَعوه على أنفُسِهِم بِلا نَصّ، وتُؤَسِّسُ لِفَهمٍ مُتَكامِلٍ لِلصَّومِ في أبعادِه الزَّمَنيّةِ والعَلائِقيّة. وصيغةُ المَبنيِّ لِلمَجهولِ «أُحِلَّ» تَجعَلُ الفِعلَ في يَدِ المُحِلِّ دونَ المُحَلَّلِ لَه، وجَذرُ (ر-ف-ث) يَشمَلُ طَيفاً من اللَّذّةِ الكَلاميّةِ والجَسَديّةِ كِلَيهِما. ثُمَّ تَنبَثِقُ استِعارةُ اللِّباسِ المُتَبادَلة، و«هُنَّ لِباسٌ لَكُم وأنتُم لِباسٌ لَهُنَّ» تَكسِرُ كُلَّ هَرَميّة، فكُلٌّ مِنهُما يَستُرُ صاحِبَه ويُحيطُ بِه ويُدفِئُه. وجُملةُ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ تَكشِفُ أنَّ التَّشديدَ على غَيرِ مُوجِبٍ خِيانةٌ بِجَذرِ (خ-و-ن) لِلذّاتِ لا لِغَيرِها، فجاءَ «فَتابَ عَليكُم وعَفا عَنكُم» رُجوعاً من الرَّبِّ بِسَترٍ مَعَ مَحوٍ تامّ. وفارِقُ حَرفِ الجَرِّ بَينَ «كُتِبَ عَلَيكُم الصِّيام» و«ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُم» مُعَبِّر: الأوَّلُ فَريضةٌ تَنزِلُ على الكاهِل، والثّاني عَطاءٌ مَوضوعٌ في الصَّحيفةِ بِانتِظارِ اليَد. ثُمَّ تَضَعُ الآيةُ الفاصِلَ الزَّمَنيَّ بِدِقّة: الأكلُ حتّى «يَتَبَيَّنَ» بِجَذرِ (ب-ي-ن) تَدَرُّجُ الفَجر، لا التَّخمين. والاعتِكافُ حالةٌ مَوضِعيّةٌ بِجَذرِ (ع-ك-ف) تُعَلِّقُ حُكمَها بِظَرفٍ لا بِشَخص. وتُختَتَمُ الآيةُ بِـ«تِلكَ حُدودُ اللَّهِ فَلا تَقرَبوها»، والنَّهيُ فيها عن المُقارَبة، لا عن المُجاوَزةِ وَحدَها، لِئَلّا تَنزَلِقَ القَدَم.