اللَّبس
التَّعريف الجَذريّ
إلباسُ شَيءٍ ثَوباً يُخفي هَيئَتَه فيَعجِزُ النّاظِرُ عَن التَّمييز. كِساءٌ يَتَعَلَّقُ بِالسَّطحِ ويَمتَدُّ بِدِقَّةٍ عَلَيه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثَلاثةُ حُروف:
- ل: تَعَلُّقٌ وامتِداد، ارتِباطٌ يَصِلُ شَيئاً بِشَيء.
- ب: اتِّصالٌ يَتَمَسَّك، خُروجٌ من احتِباس.
- س: امتِدادٌ سَيَلاني، سَريانٌ دَقيق.
النَّواةُ لب = تَعَلُّقٌ يُلصَقُ بِالسَّطح: ما يَلتَصِقُ مِن خارِجٍ بِشَيءٍ آخَر. الإغلاقُ بـس يَجعَلُ هذا الإلصاقَ يَسري بِدِقَّةٍ على الجَسَد أو السَّطح، فيَصيرُ الجَذرُ: غِشاءٌ يَتَعَلَّقُ بِالسَّطحِ ويَسري عَلَيه بِدِقَّة.
ومنه في كَلامِ العَرَب:
- اللِّباس: ما يُلبَسُ: غِشاءٌ يَلتَصِقُ بِالجَسَدِ ويُوَجِّه ما يُرى منه.
- لَبَسَ عَلَيه الأَمر: خَلَطَ عَلَيه حتّى أَشكَلَ: ألقى عَلَيه غِشاءً أَشكَلَ مَعالِمَه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- تَلبِسوا الحَقَّ بِالباطِل (مُضارِعٌ مَنهيٌّ عَنه): في ٢:٤٢. الأَمرُ بِالنَّهيِ يُشيرُ إلى فِعلٍ مُستَمِرٍّ (مُضارِع) لا حادِثةٍ واحِدة. الباءُ في «بِالباطِل» باءُ الإلصاق: ما يُلصَقُ بِه. الحَقُّ ما يُلبَسُه، والباطِلُ هو الكِساء.
- تَلْبِسُونَ (مُضارِعٌ مَرفوعٌ بَعدَ «لِمَ»): في ٣:٧١. الفِعلُ الذي نُهِيَ عَنه في ٢:٤٢ يُذكَرُ هُنا جارِياً بِمَفعولَيه نَفسَيهِما «الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ»، ويُسأَلُ أصحابُه عن مُسَوِّغِه، فيَظهَرُ مُخبَراً عَنه الفِعلُ المُستَمِرُّ الذي أشارَ إلَيه النَّهي.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الغِشاءُ المُتَعَلِّقُ السّارِيُ من الجَذر. و«تَلبِسوا» مُضارِعُ الثُّلاثيِّ المُجَرَّدِ لا التَّفعيل، فالفِعلُ يَتَعَدّى بِنَفسِه إلى المَكسُوِّ («الحَقَّ») وبِالباءِ إلى الكِساء («بِالباطِل»)، ومَجيئُه مُجَرَّداً يَجعَلُ الفِعلَ واحِداً لا مُكَثَّفاً، والتَّكرارُ مَحمولٌ على صيغةِ المُضارِعِ لا على الوَزن.
الفُروق المَعنويّة
الفَرقُ بَين اللَّبسِ والكِتمانِ:
- اللَّبسُ: فِعلٌ ظاهِرٌ يَعمَلُ على البَيئةِ الخارِجيّة: يُعَدِّلُ صورةَ الحَقِّ في ذِهنِ المُتَلَقِّي. (انظُر الكِتمان لِلمُقابَلة.)
- الكِتمانُ: فِعلٌ باطِنٌ يَعمَلُ في الخَزينةِ الدّاخِليّة: يَحبِسُ الحَقَّ عَن أن يَخرُجَ أَصلاً.
المَواضع: مَواقعُ اللَّبسِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٤٢ ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. اللَّبسُ يَدخُلُ القُرآنَ هُنا بِصِيغتِه الأَخطَر: إلباسُ الحَقِّ بِكِساءِ الباطِل. والآيةُ تَقرِنُ النَّهيَ بِنَهيٍ ثانٍ في نَسَقِه: «وتَكتُموا الحَقَّ»، فالمَنهِيُّ عنه فِعلانِ على مادَّةٍ واحِدةٍ هي الحَقُّ المَعلوم، أحَدُهُما يَحجُبُه بِالإخفاءِ والآخَرُ يَحجُبُه بِالكِساء. والمُخاطَبُ لا يُسَمّى بِاسمِه هُنا، وإنَّما يُعَيَّنُ بِالقَيدِ الذي في ذَيلِ الآية: «وأَنتُم تَعلَمون»، فالخِطابُ لِمَن عِندَه الحَقُّ ثابِتاً. والمُضارِعُ يَفتَحُه لِكُلِّ عالِمٍ يَفعَلُ ذلك في كُلِّ زَمَن. القَيدُ «وأَنتُم تَعلَمون» يَرفَعُ اللَّبسَ من رُتبةِ الخَطَأِ إلى رُتبةِ الخِيانة.
- ٣:٧١ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾: «تَلبِسونَ» مُضارِعٌ مَرفوعٌ بَعدَ «لِمَ» التي تَطلُبُ مُسَوِّغَ الفِعل، في نِداءٍ لِأهلِ الكِتاب، يَتَعَدّى بِنَفسِه إلى «الحَقَّ» وبِالباءِ إلى «الباطِل»، ويُعطَفُ عَلَيه كِتمانُ الحَقّ، وتُختَمُ الآيةُ بِـ«وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ». الجَديدُ: تَعودُ عِبارةُ ٢:٤٢ بِأجزائِها ويَتَبَدَّلُ مَوقِعُها: كانَ اللَّبسُ هُناكَ مَنهِيّاً عَنه بِالمَجزوم، وهو هُنا فِعلٌ جارٍ بِصيغةِ الرَّفعِ يُسأَلُ أصحابُه عن مُسَوِّغِه. ويُسَمّى اللّابِسونَ بِنِسبَتِهِم إلى الكِتاب، وكانوا في ٢:٤٢ يُعَيَّنونَ بِالقَيدِ وَحدَه، فيَقَعُ إلباسُ الحَقِّ مِمَّن يَحمِلونَ الكِتابَ الذي يُوزَنُ بِه ما يَصنَعون. انظُر الكِتمان والأَهل.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
haqq: الحَقُّ هو مَوضوعُ اللَّبسِ في ٢:٤٢.batil: الباطِلُ هو ما يُلبَسُ فَوقَ الحَقّ.kitman: الكِتمانُ شَقيقُ اللَّبسِ في ٢:٤٢: طَبَقَتانِ مُتَكامِلتانِ للحَجب.
الإشكالات المَفتوحة
- هَل اللَّبسُ يَكونُ قَصداً أم يَقَعُ بِغَيرِ قَصد؟ القَيدُ «وأَنتُم تَعلَمون» يُشيرُ إلى القَصد. اللَّبسُ غَيرُ القَصديِّ ضَلالٌ لا خِيانة.