آل عمران · الآية 71

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

«يَا أَهْلَ الْكِتَابِ»: النِّداءُ يَستَبقي المِعيارَ في الصِّفة

يَستَمِرُّ النِّداءُ نَفسُه: «يا أهل الكتاب»، وهو يَربِطُ المُخاطَبينَ بالكِتابِ الذي يَحمِلونَه، ثمّ يَسألُهم عن حَرَكَتَينِ تَقَعانِ على الحقّ. وتَكرارُ النِّداءِ بعدَ سُؤالَي المُحاجّةِ والكُفرِ يُبقي الصِّلةَ بالكِتابِ مِعياراً داخليّاً، فمَن كانَ أهلَه يُواجَهُ بما يَصنَعُه في الدَّلالةِ التي يَحمِلُها. ولذلك يَبقى مِعيارُ السُّؤالِ داخِلاً في الصِّفةِ نَفسِها، والمُرادُ أنّ الكِتابَ الذي يَحمِلونَه هو الذي يَزِنُ ما يَصنَعونَ به.

«لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ»: اللِّباسُ يُدخِلُ غِطاءً على الثّابِت

و«لِمَ» تَطلبُ مسوّغَ الفعل. واللبسُ من ل-ب-س، وهو تعلّقٌ يتصلُ بالمحلِّ ويتمسّكُ به، ثمّ يجري في ممرٍّ دقيقٍ فيحيطُ بالشيءِ كغطاء. ومفعولُه «الحقّ» من ح-ق-ق، ومعناه معنىً يُحتوى ثمّ ينعقدُ في التئامٍ عميق، والقافُ المكرّرةُ تَقطعُ تفلّته. والباءُ تُدخلُ «الباطل» لباساً عليه، فيَبقى الحقُّ ثابتَ الذاتِ في حينِ يلتبسُ مظهرُه على الناظر.

«بِالْبَاطِلِ»: الغِطاءُ يَحمِلُ انبِساطاً بلا رَفع

والباطلُ من ب-ط-ل، وأوّلُه النواةُ المَجَمَّدةُ «ضَغطٌ يَنبَسِطُ بثِقَلٍ بلا رَفع»، ثمّ تَمتَدُّ اللامُ مُتَعَلِّقةً بالمَحلِّ فتُبقي هذا الانبِساطَ جارياً عليه. فالبُطلانُ لا يُنشِئُ بِنْيةً تَقومُ بنَفسِها، وهو يَنبَسِطُ بثِقَلِه من غيرِ أن يَرفَعَ ما يَحمِل. وإذا صارَ لباساً للحقّ ظَهَرَتِ المُفارَقةُ بينَ مَعنىً مَعقودٍ ثابتٍ وغِطاءٍ لا قِيامَ له. والذي يَنكَشِفُ في الجُملةِ وَظيفتُه، وهي أنّه أداةُ تَغطيةٍ وإلباس، لا مادّةٌ تَقومُ بذاتِها.

«وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ»: من تَغييرِ المَظهَرِ إلى حَبسِ الظُّهور

والواوُ تَصِلُ حَرَكةً ثانيةً بالأُولى. والكَتمُ من ك-ت-م: شَيءٌ يُحبَسُ بِضَغطٍ دَقيقٍ ويُمسَكُ في باطِنٍ يَحتَويه. والفِعلُ مُضارعٌ جَمعيٌّ كما كانَ «تلبسون»، فتَجري الحَرَكتانِ معاً: الأُولى تُلبِسُ الحقَّ غِطاءً، والثانيةُ تَحبِسُه عن الظُّهور. وتَكرَّرَ «الحقّ» مَفعولاً في الجُملتَين فلم يَضِعْ تحتَ الضَّمائر، وفي هذا التَّكرارِ إثباتُ أنّ المَوضوعَ واحِد، وإن اختَلَفَت أداةُ التَّعامُلِ معه.

«وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ»: العِلمُ الحاضِرُ يَصيرُ جُزءاً من وَزنِ الفِعلَينِ معاً

وتأتي الواوُ بحالٍ تُقارنُ اللبسَ والكتم: «وأنتم تعلمون». والعِلمُ من ع-ل-م: ما بَرَزَ من عُمقِه فلَزِمَ مَعلومَه، ثمّ اجتَمَعَ عليه فصارَ علامةً لا تُفلِتُ من صاحِبِها، وهو في هذه الآيةِ مُقابِلٌ للفِعلَينِ السّابِقَين: اللِّباسُ يُخفي الحافّةَ، والكَتمُ يَحبِسُ الظُّهور، والعِلمُ يُبقي العلامةَ مُمسَكةً في صاحِبِه رَغمَ الحَرَكتَين. والفعلُ مضارعٌ يُثبتُ العلمَ جارياً في زمنِ الحركتين، فالحقُّ يُغطّى ويُحبسُ مع حضورِ علمٍ يتعلّقُ بالمشهد، وتَغدو المعرفةُ جزءاً من وزنِ الفعلين.


حَصيلة

تَضعُ الآيةُ الحقَّ في مَركزِ حَرَكَتَين: يُلبَسُ بالباطلِ فيَختَلِطُ مَظهرُه، ويُكتَمُ فيُحبَسُ ظُهورُه. غيرَ أنّ الحقَّ يَبقى مَذكوراً باسمِه مرّتَين، ثابتاً في جِذرِه، فلا يَصيرُ الباطلُ حَقّاً بمُجرَّدِ أن يُغطّيه. ويُبقي النِّداءُ الحُكمَ مَوصولاً بالصِّفةِ التي تَحمِلُ الكِتاب، كما تَمنَعُ جُملةُ الحالِ تَحويلَ الفِعلِ إلى جَهلٍ مَحض، وحِدّةُ الآيةِ في اجتماعِ الغِطاءِ والكَتمِ والعِلمِ داخلَ مَشهدٍ واحد.