البقرة · الآية 42
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ» من (ل ب س) و(ب ط ل): الإكساءُ الذي يُوهِمُ بِالمُطابَقَة
«لَبَسَ» من جذر (ل ب س) أصلُه إلباسُ الشَّيءِ ثَوباً يُغَطّيه، ومنه «اللِّباس» لِما يُلاصِقُ الجَسَدَ ويُخفي هَيئَتَه. فالتَّلبيسُ في الآيةِ ليس خَلطاً عَشوائياً بينَ شَيئَين، بل إكساءُ الباطِلِ ثَوبَ الحَقِّ حتّى يَعجِزَ النّاظِرُ عَن الفَصلِ بَينَهما. والباءُ في «بِالباطِل» باءُ الإلصاقِ لا باءُ الآلة: الحَقُّ يَبقى في مَوضِعِه، ويُلقى فَوقَه غِشاءٌ دَقيقٌ يُحاكي لَونَه حتّى يَخفى ما تَحتَه. و«الباطِل» من جذر (ب ط ل) = الذي يَذهَبُ هَباءً لا أَصلَ له يَقومُ عَلَيه. فَأَخطَرُ الضَّلالاتِ ليست الباطِلَ الظاهِرَ، إنّما الباطِلُ المُلَبَّسُ بِكِساءِ الحَقّ: كَلِمةٌ صادِقةُ اللَّفظِ يُحمَّلُها مُرادٌ فاسِد، أو نَصٌّ ثابِتٌ يُنتَزَعُ من سِياقِه لِيُخدَمَ به نَقيضُه.
«وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ» من (ك ت م): خَتمُ المَنفَذِ داخِلَ الصَّدر
«كَتَمَ» من جذر (ك ت م) الذي يَجمَعُ بَينَ الاحتِباسِ الدَّقيقِ (ك ت) والالتِصاقِ الذي لا يَنفَكّ (م)، وهو الجَذرُ ذاتُه الذي مِنه «خَتَمَ»: إغلاقُ الشَّيءِ داخِلَ وِعاءٍ وخَتمُ المَنفَذِ عَلَيه. فالكِتمانُ ليس مُجَرَّدَ السُّكوت، بل حَبسُ الحَقيقةِ المَعلومةِ داخِلَ الصَّدرِ ومَنعُها من الوُصولِ إلى مَن يَحتاجُها. والفَرقُ بَينَ الفِعلَين دَقيق: التَّلبيسُ فِعلٌ ظاهِرٌ يَستَهدِفُ عَينَ المُتَلَقّي فَيُشَوِّشُ رُؤيَتَه، والكِتمانُ فِعلٌ باطِنٌ يَستَبقي الحَقَّ في الصَّدرِ ويَمنَعُه من أن يُبَلَّغ. ولِذا جاءَ النَّهيُ مَعطوفاً: لا تُلبِسوا، ولا تَكتُموا، فَهُما طَبَقَتانِ من الحَجبِ لا طَبَقةٌ واحِدةٌ مُكَرَّرة.
«وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ» من (ع ل م): العِلمُ يَرفَعُ عُذرَ الجَهل
«العِلم» من جذر (ع ل م) = إدراكُ الشَّيءِ على ما هو عَلَيه، والعَلامةُ الثابِتةُ التي يُعرَفُ بِها. والجُملةُ الحاليّةُ «وَأَنتُم تَعلَمونَ» تَقطَعُ على المُخاطَبِ كُلَّ مَسلَكٍ من مَسالِكِ الاعتِذار: لم يَقَع التَّلبيسُ عَن غَفلةٍ، ولم يَقَع الكِتمانُ عَن جَهلٍ بالحَقّ. فالمَعرِفةُ قائِمةٌ، والفِعلُ مَع ذلك مُضادٌّ لِمُقتَضاها. ومِن هُنا يَشتَدُّ الحِسابُ كُلَّما اكتَمَلَ العِلم: مَن عَلِمَ فَكَتَم أَعظَمُ جُرماً مِمَّن جَهِلَ فَصَمَت، ومَن عَلِمَ فَلَبَّس أَعظَمُ ضَرَراً مِمَّن ضَلَّ عَن غَيرِ قَصد. «وَأَنتُم تَعلَمونَ» إذن ليست لازِمةً بَلاغيّةً في ذَيلِ الآية، بَل هي مَناطُ التَّكليفِ الذي يُحَوِّلُ الفِعلَ من خَطَأٍ إلى خِيانةٍ لِلأَمانةِ المَعرِفيّة.
طَبَقَتا الحَجب: ظاهِرٌ يُشَوِّش، وباطِنٌ يَحتَكِر
اجتِماعُ النَّهيَين في سِياقٍ واحِدٍ يَكشِفُ بِنيةَ الحَجبِ كامِلةً. فالتَّلبيسُ يَعمَلُ في الفَضاءِ العامِّ: يُعَدِّلُ صورةَ الحَقِّ في ذِهنِ المُتَلَقّي، ويُبقي الأَصلَ ظاهِراً في اللَّفظِ، ومُحَرَّفاً في المُراد. والكِتمانُ يَعمَلُ في الفَضاءِ الخاصِّ: يَحبِسُ الحَقَّ عَن أَن يَصِلَ أَصلاً، فَيَستَأثِرُ به العالِمُ دونَ المُحتاج. وكِلاهُما تَحويلٌ لِلعِلمِ من أَمانةٍ تُبَلَّغ إلى مِلكيّةٍ تُحتَكَر. ولِأَنَّ الإنسانَ هو حامِلُ الأَمانةِ، كانَ نَقضُ الأَمانةِ في بابِ المَعرِفةِ أَشَدَّ من نَقضِها في غَيرِها: مَن خانَ ما في يَدِه من مالٍ أَضاعَ مالاً، ومَن خانَ ما في صَدرِه من عِلمٍ أَضاعَ على أَجيالٍ هُداها.
سِعةُ الخِطاب: مِن أَحبارِ بَني إسرائيلَ إلى كُلِّ عالِمٍ بِالحَقّ
سِياقُ الآيةِ في نِداءِ بَني إسرائيلَ يَجعَلُ المُخاطَبَ الأَوَّلَ هُم أَحبارُهم الذين عَلِموا وَصفَ النَّبيِّ في كُتُبِهم ثمَّ ألبَسوا الحَقَّ بِالباطِلِ وكَتَموا ما عَرَفوا. غَيرَ أنَّ لَفظَ الآيةِ عامٌّ، وفِعلَها يَنطَبِقُ على كُلِّ مَن وُضِعَ في مَوضِعِ العِلم: مَن حَمَلَ نَصّاً فَعَرَضَه على النّاسِ في غَيرِ وَجهِه، أو مَن اختَزَنَ في صَدرِه بَياناً ومَنَعَه عَن مُحتاجِه. وسِرُّ هذه السِّعَةِ أنَّ التَّلبيسَ لا يَقَعُ على الغَير فَحَسب، بل يَقَعُ على النَّفسِ قَبلَ غَيرِها: يَعرِفُ المَرءُ الحَقَّ في مَوقِفٍ فَيُلبِسُه ثَوبَ الباطِلِ عِندَ نَفسِه لِيَهونَ عَلَيها، ثمَّ يَعرِضُه على الآخَرينَ بِالهَيئةِ التي قَبِلَها لِنَفسِه. ولِذا جاءَ بَعدَ النَّهيِ عَن التَّلبيسِ والكِتمانِ الأَمرُ بِإقامةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ: لِأَنَّ إقامةَ الصِّلةِ بِالأَصلِ وتَطهيرَ ما في اليَدِ هُما العاصِمانِ من أن يَتَحَوَّلَ العِلمُ إلى كِساءٍ أو إلى احتِكار.
فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «التَّلبيس» ليس وَصفاً لِطائفةٍ بِعَينِها، بل دَورُ كُلِّ عالِمٍ أَلقى على الحَقِّ كِساءً يُخفي هَيئَتَه، و«الكِتمان» ليس حالَ أُمّةٍ مَضَت، بل دَورُ كُلِّ مَن خَتَمَ على صَدرِه ما يَنتَظِرُه سامِعٌ مُحتاج، و«العِلم» ليس شَرَفاً يُحمَلُ، بل أَمانةٌ تُسأَلُ عَنها عِندَ كُلِّ مَنفَذٍ فُتِحَ وعِندَ كُلِّ مَنفَذٍ أُغلِق.
حَصيلة
آيَةٌ قَصيرَةٌ لَكِنَّها تَكشِفُ بِنيَتَين مُتَكامِلَتَين للحَجبِ: (ل-ب-س) تَعليقُ كِساءٍ دَقيقٍ على سَطحِ الحَقِّ حتّى يَعجِزَ النّاظِرُ عَن التَّمييز، و(ك-ت-م) إغلاقُ الحَقيقَةِ في الصَّدرِ كَما يُختَمُ على وِعاء. الأَوَّلُ فِعلٌ ظاهِرٌ يَعمَلُ على البَيئَةِ الخارِجِيَّة، والثاني فِعلٌ باطِنٌ يَعمَلُ على الخَزينَةِ الدّاخِليَّة. والجَمعُ بَينَهُما في نَهيٍ واحِدٍ يَكشِفُ هَيكَلَ الحَجبِ كامِلاً: ما يَخرُجُ من فَمِ العالِمِ يَخرُجُ مُلَبَّساً، وما يَبقى في صَدرِه يَبقى مَختوماً. وخُطورَةُ الجَمعِ تَتَضاعَفُ بِالقَيدِ الحاسِمِ في ذَيلِ الآيَة: وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فالمَعرِفَةُ قائِمَة، والفِعلُ مُضادٌّ لِمُقتَضاها، وهذا ما يُحَوِّلُ الخَطَأَ إلى خِيانَةٍ للأمانَةِ المَعرِفيَّة. والخِطابُ وإن كانَ أَوَّلُ مُستَهدَفيهِ الأَحبارَ الذين عَلِموا وَصفَ النَّبيِّ ثمَّ لَبَّسوا وكَتَموا، فَإنَّ لَفظَ الفِعلَين بِالمُضارِعِ المُستَمِرِّ يَفتَحُه لِكُلِّ مَن وُضِعَ في مَوضِعِ العِلمِ في أيِّ زَمَن. الخِيانَةُ المَعرِفِيَّةُ الكُبرى ليست في الجَهلِ بل في إعادَةِ تَوجيهِ المَعرِفَةِ الصَّحيحَةِ لِخِدمَةِ نَتيجَةٍ مُخالِفَةٍ، وهذا ما يَجعَلُ الآيَةَ ضامِنَةً لِكُلِّ عَصرٍ لا لِعَصرٍ واحِد.