المَرضاة
المَرضاةُ من ر-ض-ي / ر-ض-و، والجَذرُ لُطفٌ يَضُمُّ ما يَلقاه ويَمتَدُّ عَلَيه. والمَرضاةُ ما يُبتَغى لِيَقَعَ عَلَيه هذا الضَّمُّ مِمَّن تُضافُ إلَيه، وهي في القُرآنِ كُلِّه مَفعولٌ لِلابتِغاء: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (٢:٢٠٧).
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف، والجَذرُ ناقِصٌ آخِرُه ياءٌ أو واو:
- ر: استِرسالٌ مع تَماسُكٍ ما. ويَظهَرُ مِنه هُنا خِفّةُ تَماسُكِه: لَمسةٌ تُمسِكُ إمساكاً خَفيفاً، وهو لُطف. وهذا وَجهُ «خِفّةِ اللَّمسة (الرِّقّةِ والرَّخاوةِ واللُّطف)».
- ض: ضَغطٌ بِكَثافةٍ وثِقَل. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: ما يَلقاه الشَّيءُ يُضَمُّ إلَيه، وهو ضَمّ. وهذا وَجهُ «الضَّمِّ واللِّقاءِ الثَّقيل».
- ي: امتِدادٌ مُتَّصِلٌ يَسري. ويَظهَرُ مِنه هُنا امتِدادُه: يَمُدُّ ما قَبلَه، وهو امتِداد. وهذا وَجهُ «الامتِدادِ والسَّرَيان».
النَّواةُ رض (ر + ض) = لُطفٌ يَضُمُّ ما يَلقاه. ولامُ الجَذرِ حَرفُ عِلّةٍ في آخِرِه يَمُدُّ هذا الضَّمَّ إلى مُنتَهاه، ولا تَقومُ عَلَيه النَّواة. وهي ياءٌ في رَضِيَ ويَرضى وارتَضى وتَراضَوا وراضِية ومَرضِيّ، وواوٌ في رِضوان. والواوُ اشتِمالٌ يَصِل، يَظهَرُ مِنه هُناكَ وَسَطُه: وَصلٌ مَمدودٌ يَمُدُّ ما قَبلَه، وهو وَجهُ «الوَصلِ المَمدودِ والرَّبط»، فالمَدُّ في الحالَينِ واحِد. ومُنتَهى المَدِّ ما لَقِيَه الضَّمُّ نَفسُه، فيَمتَدُّ عَلَيه. فالجَذرُ ر-ض-ي / ر-ض-و حرفيّاً: لُطفٌ يَضُمُّ ما يَلقاه ويَمتَدُّ عَلَيه.
فالرّاضي يَأخُذُ إلَيه بِلُطفٍ ما يَأتيه أو مَن يَلقاه، ويَمتَدُّ أخذُه عَلَيه. وتُقابِلُه الآياتُ بِمَن يَرُدُّ ما يَلقاه: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (٩:٥٨). وقد يَقِفُ الضَّمُّ عِندَ اللِّسان: ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ﴾ (٩:٨)، فالأفواهُ تُعطيه والقُلوبُ تَأباه.
اختِبارُ المَعنى على مَواضِعِ الجَذرِ كُلِّها. يَرِدُ الجَذرُ في القُرآنِ في ثَلاثةٍ وسَبعينَ مَوضِعاً (٧٣) في أربَعٍ وسِتّينَ آية، على إحدى عَشرةَ صيغة. وهذه الصِّيَغُ كُلُّها، لِكُلِّ صيغةٍ عَدَدُ مَواضِعِها وشاهِد:
- رَضِيَ ماضِياً (١٨، ومنه رَضوا ورَضيتُ ورَضيتُم): ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٩٨:٨): اللهُ يَضُمُّهُم بِلُطف، وهُم يَضُمّونَ ما يَأتيهِم مِنه، و«عن» تُسَمّي في الجُملَتَينِ مَن يَقَعُ عَلَيه الرِّضا. ويَتَعَدّى بِنَفسِه إلى ما أُعطِيَ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (٩:٥٩). وبِالباءِ يُسَمّي ما أُخِذَ إلى النَّفس: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ (١٠:٧)، ومِثلُه ﴿رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ (٩:٨٧). وبِاللّامِ يُسَمّي مَن يُضَمُّ الشَّيءُ لَه: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٥:٣).
- يَرضى مُضارِعاً (٢٠، ومنه تَرضى وتَرضَون ويَرضَين ويَرضَه): ﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٢:١٢٠): الضَّمُّ يُنفى ويُعَلَّقُ بِشَرط. ويَأتي بِلا مَفعولٍ بَعدَ عَطاء: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ (٩٣:٥)، فما يُعطى هو ما يُضَمّ. ويَتَعَدّى بِنَفسِه: ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ (٩:٢٤)، و﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢:٢٨٢). وبِاللّام: ﴿وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (٣٩:٧).
- أَرضى، يُرضي (٣): ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ (٩:٦٢): يَطلُبونَ أن يَضُمَّهُمُ المُخاطَبونَ بِلُطف، والآيةُ تُسَمّي مَن هو أحَقُّ أن يُطلَبَ ضَمُّه. ومنه ٩:٨ المَذكورةُ آنِفاً.
- ارتَضى (٣): ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ﴾ (٢١:٢٨): افتَعَلَ يَجعَلُ الضَّمَّ لِصاحِبِه نَفسِه، فالشَّفاعةُ لِمَن وَقَعَ عَلَيه. ومِثلُه ﴿دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ﴾ (٢٤:٥٥)، و﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾ (٧٢:٢٧).
- تَراضى (٢): ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢:٢٣٢): كُلُّ جِهةٍ تَضُمُّ ما عِندَ الأُخرى، و«بَينَهُم» تُسَمّي الجِهَتَين. ومِثلُه ﴿فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ (٤:٢٤).
- تَراضٍ مَصدَراً (٢): ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ (٤:٢٩): التِّجارةُ تَصدُرُ عن ضَمٍّ من الجِهَتَين، وفي الآيةِ نَفسِها ما يُقابِلُها: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾. ومِثلُه ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ (٢:٢٣٣).
- رِضوان (١٣): ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٩:٧٢): اسمُ هذا الضَّمِّ من الله، والآيةُ تَجعَلُه أكبَرَ من الجَنّاتِ والمَساكِنِ المَذكورةِ قَبلَه. ويُقابَلُ بِالسَّخَط: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ (٣:١٦٢)، وبِالكُره: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ (٤٧:٢٨).
- مَرضاة (٥): ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (٢:٢٠٧): ما يُبتَغى لِيَقَعَ عَلَيه هذا الضَّمّ، وهي في المَواضِعِ الخَمسةِ كُلِّها مَفعولٌ لِلابتِغاء. وتُضافُ إلى النّاسِ أيضاً: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ (٦٦:١).
- راضِية (٤): ﴿ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ (٨٩:٢٨): النَّفسُ يَقومُ بِها الضَّمّ. وتوصَفُ بِه العيشةُ نَفسُها: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ (٦٩:٢١، ١٠١:٧)، والوَجهُ لِسَعيِه (٨٨:٩).
- مَرضِيّ (٢): ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (١٩:٥٥): مَن وَقَعَ عَلَيه الضَّمّ، والآيةُ تُسَمّي قَبلَه ما كانَ يَفعَل: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾. ومنه «مَرضِيّةً» في ٨٩:٢٨.
- رَضِيّ (١): ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (١٩:٦): الدُّعاءُ يَطلُبُ هذا الوَصفَ لِمَن يَرِث، وفَعيلٌ يَجمَعُ مَن يَقومُ بِه الضَّمُّ ومَن يَقَعُ عَلَيه.
من خارِجِ التَّركيب:
- من المُعجَم: الرِّضا خِلافُ السُّخط. رَضِيَه ورَضِيَ بِه ورَضِيَ عَنه، وارتَضاه: رَآه لَه أهلاً، والتَّراضي أن يَرضى كُلُّ واحِدٍ بِما عِندَ صاحِبِه.
- عِندَ جَبَل في النَّواةِ رض: «تضخم الجرم مع رخاوة باطنه». وقِراءَتُه لِلحَرفَين: الرّاءُ «استرسال مع تماسك ما»، والضّادُ «ضغط بكثافة وغلظ». والتَّركيبُ يَأخُذُ مِنه الرَّخاوة، وهي خِفّةُ اللَّمسةِ في الرّاء، والسِّجِلُّ يَعُدُّ رض من شُهودِ هذا الوَجه. ويَأخُذُ من الضّادِ ضَمَّها وَحدَه، وتَبقى صورةُ الجِرمِ المُتَضَخِّمِ في قِراءَتِه هو. والمادّةُ التي بَينَ أيدينا تَخلو من قِراءَتِه لِلجَذرِ ر-ض-ي.
وما تَزيدُه المَرضاة: وَزنُ مَفعَلةٍ يُسَمّي ما يَقَعُ عَلَيه الرِّضا، وتُضافُ إلى صاحِبِ الرِّضا: إلى الله (٢:٢٠٧، ٢:٢٦٥، ٤:١١٤)، وإلى ضَميرِ المُتَكَلِّمِ في ﴿وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ (٦٠:١)، وإلى الأزواجِ في ٦٦:١. وفي المَواضِعِ الخَمسةِ كُلِّها يَسبِقُها الابتِغاء، فهي ما يُطلَبُ وُقوعُه.
الصِّيَغ
- مَرضاة، مَرضات (مَفعَلة): ما يُبتَغى لِيَقَعَ عَلَيه الضَّمّ، مُضافاً إلى مَن يَضُمّ.
- ابتِغاءَ مَرضاةِ اللهِ (مَفعولٌ لِأجلِه): طَلَبُ ما يَقَعُ عَلَيه رِضا الله، عِلّةً لِبَذلِ نَفسٍ (٢:٢٠٧) أو مالٍ (٢:٢٦٥) أو كَلِمةٍ (٤:١١٤).
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: لُطفٌ يَضُمُّ ما يَلقاه ويَمتَدُّ عَلَيه. الوَزنُ يُحَدِّدُ: ما يُطلَبُ لِيَقَعَ عَلَيه هذا الضَّمّ.
الفُروق المَعنويّة
rida(الرِّضا): الجَذرُ نَفسُه. الرِّضا الحَدَثُ يَقومُ بِصاحِبِه، والمَرضاةُ ما يُبتَغى لِيَقَعَ عَلَيه. انظُر الرِّضا.- رِضوان (الجَذرُ نَفسُه): يُبتَغى هو أيضاً: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ (٥٧:٢٧). وهو في مَواضِعِه الثَّلاثةَ عَشَرَ كُلِّها من اللهِ أو مُضافٌ إلَيه، والمَرضاةُ تُضافُ إلى الله وإلى غَيرِه (٦٦:١).
ibtigha(الابتِغاء، ب-غ-ي): المَرضاةُ مَفعولُه في كُلِّ مَواضِعِها، فهي فيها كُلِّها مَطلوبة. انظُر الابتِغاء.
المَواضع: مَواقِعُ المَرضاةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٠٧ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. تَدخُلُ المَرضاةُ القُرآنَ مُضافةً إلى الله، وهي ما يُبتَغى: صاحِبُها يَبذُلُ نَفسَه لِيَقَعَ عَلَيه هذا الضَّمّ. و«يَشري» في الآيةِ يَجعَلُ النَّفسَ هي ما يَخرُجُ من يَدِه (انظُر الشِّراء)، والآيةُ تُختَمُ بِرَأفةِ اللهِ بِالعِباد. انظُر الابتِغاء والرَّأفة.
- ٢:٢٦٥ ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾: الجَديدُ: العِبارةُ نَفسُها، والمَبذولُ أموالٌ تُنفَق. وتُعطَفُ عَلَيها عِلّةٌ من داخِلِ الباذِل: ﴿وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾. ثُمَّ يُضرَبُ لَهُم مَثَلُ جَنّةٍ تُؤتي أُكُلَها بِالوابِلِ أو بِالطَّلّ: ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾. انظُر الإنفاق والمال / الأَموال.
- ٤:١١٤ ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾: الجَديدُ: المَبذولُ أمرٌ بِصَدَقةٍ أو مَعروفٍ أو إصلاحٍ بَينَ النّاس، يَخرُجُ من نَجوى. ويُوعَدُ الفاعِلُ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. والجَذرُ نَفسُه في ٤:١٠٨ يُنفى فيه الرِّضا عن قَولٍ يُبَيَّت، وهُنا يُبتَغى بِكَلامٍ في النَّجوى. انظُر الإصلاح والرِّضا.
التَّقاطُعات
nafs: في ٢:٢٠٧ النَّفسُ هي ما يُبذَلُ ابتِغاءَ المَرضاة.shira: ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ في ٢:٢٠٧.infaq: الإنفاقُ ابتِغاءَ المَرضاةِ في ٢:٢٦٥.ra2fa: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ تَختِمُ ٢:٢٠٧.
الإشكالات المَفتوحة
- اسمُ الجَذر. هذه الوَرَقةُ تَكتُبُ في رَأسِها ر-ض-و، و
ridaتَكتُبُ ر-ض-ي، والتَّركيبُ في الوَرَقَتَينِ واحِد. أيُوَحَّدُ الاسمُ في الرَّأسَين؟ مَفتوح. - دَينُ التَّسجيل. المَوضِعانِ الباقِيانِ لِلكَلِمة (٦٠:١، ٦٦:١) في سورتَينِ لم تُنشَرا بَعد.