البقرة · الآية 265

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

(م ث ل) استِكمالُ الزَّوجِ المُتَقابِل

تَفتَحُ الآيةُ بـ«ومَثَلُ» بالعَطف، وهو عَطفٌ بِنيَويّ: الآيةُ 264 قَدَّمَت مَثَلَ الصَّدَقةِ المُبطَلة، والآيةُ 265 تُقَدِّمُ مَثَلَ الصَّدَقةِ القائِمة، وهُما وَحدةٌ خِطابيَّةٌ واحِدة لا يُفهَمُ أحَدُهُما إلا بالآخَر. والقُرآنُ يَستَعمِلُ هنا تِقنيَةَ المُقابَلةِ البَصَريَّة: صَخرةٌ مَلساءُ مُقابِلَ جَنَّةٍ عَلى رَبوة، وقِشرةُ تُرابٍ مُقابِلَ تُربةٍ عَميقة، والمَطَرُ يَكشِفُ مُقابِلَ المَطَرِ يُضاعِفُ الثَّمر.

(ب غ ي)+(ر ض و) الابتِغاءُ كَحَرَكةٍ هادِفة

و(ب غ ي) الطَّلَبُ الجادُّ، و(ر ض و) الاستِجابةُ النَّفسيَّةُ الرّاضية، و«ابتِغاءَ مَرضاتِ الله» مَصدرٌ يَصِفُ وِجهةَ الإنفاق: إلى رِضا الله، دونَ عُيونِ النّاس. وهذا يَقلِبُ بُنيةَ الرِّياءِ في 264: هناك نَظَرٌ إلى أسفَلَ (إلى عُيونِ البَشَر)، وهنا نَظَرٌ إلى أعلى (إلى رِضا الله)، والمُنفِقُ المُخلِصُ يَعمَلُ في أُفُقٍ قائِمٍ عَموديًّا.

(ث ب ت)+(ن ف س) التَّثبيتُ الداخِليّ

و«وتَثبيتًا من أنفُسِهم» أخطَرُ ما في الآية، فقد أضافَت الآيةُ إلى التَّوجيهِ العَموديِّ نَحوَ الله حَرَكةً أُفُقيَّةً داخِلَ الذّات، ولم تَكتَفِ بِه: الإنفاقُ يُثَبِّتُ النَّفسَ في قَناعَتِها. والصَّدَقةُ أداةٌ لِبِناءِ الإيمان، ولا تَقتَصِرُ على التَّعبيرِ عن إيمانٍ قائِم، والمُنفِقُ يَكتَشِفُ نَفسَه مُؤمِنًا أثناءَ إنفاقِه. وهذه الوَظيفةُ الإنشائيَّةُ للصَّدَقةِ تَغيبُ عن المُرائي: المُرائي لا يَتَثَبَّتُ من نَفسِه، ويَستَدعي نَظَرَ الغَيرِ ليُثَبِّتَ له صورتَه.

«من أنفُسِهم» المَصدَرُ الداخِليّ

و«من» هنا لابتِداءِ الغاية، والتَّثبيتُ يَصدُرُ من أنفُسِهم دونَ خارِجِها. وهذا نَقدٌ دَقيقٌ للبِنيةِ النَّفسيَّةِ للرِّياء: المُرائي يَحتاجُ مَصدَرًا خارِجيًّا لتَثبيتِ صورَتِه (مَديحًا، اعتِرافًا، سُمعةً)، والمُخلِصُ يَحمِلُ المَصدَرَ في داخِلِه، فإنفاقُه يُولِّدُ طاقةَ يَقينٍ ذاتيَّةً لا تَعتَمِدُ عَلى الاستِحسانِ الاجتِماعيّ.

(ج ن ن)+(ر ب و) الجَنَّةُ والرَّبوة

ومَدارُ (ج ن ن) على السَّترِ والإحاطة، والجَنَّةُ في الأصلِ البُستانُ الكَثيفُ الذي يَستُرُ ما تَحتَه. و(ر ب و) العُلوُّ والنَّماء (ومنه الرِّبا بمعنى الزِّيادة، سَيَأتي في آياتٍ لاحِقة)، والرَّبوةُ الأرضُ العاليةُ الصّالِحة. والمَوقِعُ الزِّراعيُّ هنا مُركَّب: جَنَّةٌ (كَثافةٌ سِترٍ) + رَبوةٌ (عُلوٌّ طَبيعيّ)، وهو المَوقِعُ الأمثَلُ في الفَلاحة، إذ التُّربةُ عَميقة، والتَّصريفُ جَيِّد، والشَّمسُ تَصِلُ، والرِّيحُ تَتَحَرَّك.

(و ب ل)+(ط ل ل) طَرَفا الاختِبار

والمؤكَّدُ أنَّ الآيةَ تَضَعُ طَرَفَينِ اختِباريَّين: الوابِلُ (المَطَرُ الغَزير) والطَّلُّ (الرَّذاذُ الخَفيف)، وكِلاهُما يَأتي، غَيرَ أنَّ الرَّبوةَ الصّالِحةَ تَستَفيدُ من كِلَيهِما. ففي حالةِ الوابِل: «فآتَت أُكُلَها ضِعفَين»، وفي حالةِ الطَّلِّ تَترُكُ الجُملةُ النَّتيجةَ مَفهومةً ضِمنًا، وهي أنَّ الأُكُلَ يَأتي بِقَدرٍ مُناسِب. وهذا يَعكِسُ صَفوانَ 264: هناك يَكشِفُ الوابِلُ عُريَ الصَّخرة، وهنا يُضاعِفُ الإثمار، والظّاهِرةُ الجَوِّيَّةُ نَفسُها تُنتِجُ نَتيجَتَينِ مُتَناقِضَتَين، والفارِقُ كُلُّه في بِنيةِ الأرضِ، أي في بِنيةِ النِّيَّة.

(ض ع ف) المُضاعَفةُ الشَّرطيَّة

و«ضِعفَين» مَعناها مَرَّتَين، وهو أقَلُّ مِمّا وَرَدَ في 261 (سَبعُمائةٍ)، لأنَّ 265 تَتَكَلَّمُ عن الإثمارِ الفَلاحيِّ الطَّبيعيِّ للتَّربة، لا عَنِ المُضاعَفةِ الإلهيَّةِ المَفتوحة، أي أنَّ الآيةَ تَصِفُ النَّتيجةَ الحَتميَّةَ لبِنيةِ الأرض، و261 تَصِفُ المُضاعَفةَ المَشيئيَّةَ الإلهيَّة. والاثنَتانِ يَتَكامَلان: الأرضُ الصّالِحةُ تُنتِجُ ضِعفَين بطَبعِها، واللهُ يُضاعِفُ فَوقَ ذلكَ لمَن يَشاء.

(ب ص ر) الخِتامُ المُقابِل لِـ(ر أ ي) في 264

وقد كانَ خِتامُ 264 «لا يَهدي القَومَ الكافِرين»، بِنَفيِ الهِداية، وبَدأَت الآيةُ هُناك بِذِكرِ «رِئاءَ النّاس»، وخِتامُ 265 «واللهُ بما تَعمَلونَ بَصير». و(ب ص ر) هو الإبصارُ الدَّقيقُ المُمَيِّز، نَظيرُ (ر أ ي)، غَيرَ أنَّهُ نَظَرٌ يُدرِكُ التَّفاصيلَ والحَقيقةَ الخَفيَّة. فالقُرآنُ يَقولُ للمُنفِقِ المُخلِص: إنْ كانَ المُرائي يَبتَغي نَظَرَ النّاس، فاللهُ يَبصُرُك بإبصارٍ أعمَقَ مما يَراه أيُّ إنسان، والبَصيرةُ الإلهيَّةُ هي الأُفُقُ الحَقيقيّ.

البِنيةُ الزَّوجيَّةُ الكامِلةُ للمَثَلَين

وإذا نُظِرَ إلى 264 و265 وَحدةً واحِدة ظَهَرَ تَقابُلٌ تامّ: المُنفِقُ المُرائي / المُنفِقُ المُخلِص، صَفوانٌ / جَنَّةُ رَبوة، تُرابُ قِشرة / تُربةٌ عَميقة، وابِلٌ يَكشِف / وابِلٌ يُضاعِف، لا يَقدِرونَ عَلى شَيء / آتَت أُكُلَها ضِعفَين، لا يَهدي القَومَ الكافِرين / واللهُ بما تَعمَلونَ بَصير. وهذه التَّقابُلاتُ السِّتَّةُ بِنيةٌ قُرآنيَّةٌ مَحسوبة، وليست صُدفةً، فالقُرآنُ يُعَلِّمُنا التَّفكيرَ الزَّوجيَّ المُتَقابِل، حيثُ كُلُّ بِنيةٍ نَقيضُها يُعَرِّفُها.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «النِّيَّةِ التي تُثَبِّتُ صاحِبَها من داخِلِه» يَسبِقُ دَورَ «العَمَلِ الذي يَنتَظِرُ تَثبيتَ الغَيرِ من خارِجِه»، ودَورُ «الأرضِ العاليةِ التي تَنتَفِعُ بكُلِّ مَطَر» يَسبِقُ دَورَ «الصَّخرةِ المَلساءِ التي تَنكَشِفُ عِندَ أوَّلِ اختِبار».


حَصيلة

المَثَلُ الزَّوجُ المُقابِلُ لِصَخرةِ 264، والنِّيَّةُ فيه مُرَكَّبةٌ مِن حَرَكَتَين: ابتِغاءُ (ب-غ-ي) مَرضاةِ اللهِ نَظَرٌ عَموديٌّ إلى أعلى، وتَثبيتٌ (ث-ب-ت) مِن أنفُسِهم حَرَكةٌ أُفُقيَّةٌ داخِلَ الذّات. و«مِن أنفُسِهم» تَكشِفُ أنَّ المُخلِصَ يَحمِلُ مَصدَرَ ثَباتِه في داخِلِه، ولا يَستَجدي الاستِحسانَ الاجتِماعيَّ. والجَنَّةُ قائِمةٌ عَلى رَبوةٍ (ر-ب-و): تُربةٌ عَميقةٌ في مَوضِعٍ عالٍ، مَصرَفُها جَيِّد. فَيَأتي الوابِلُ فيُضاعِفُ ثَمَرَها، ولا يَكشِفُها كَالصَّخرةِ: فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾. وإن لَم يَأتِ الوابِلُ فَطَلٌّ، والرَّذاذُ الخَفيفُ يَكفي لِأنَّ التُّربةَ صالِحة. والظّاهِرةُ الجَوِّيَّةُ نَفسُها تُنتِجُ نَتيجَتَين مُتَعاكِسَتَين في 264 و265، والفارِقُ كُلُّه في عُمقِ التُّربةِ، أي في صَلاحِ النِّيَّة. وتَختِمُ الآيةُ بِـوَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: إن كانَ المُرائي يَبتَغي نَظَرَ النّاسِ فاللهُ يَبصُرُ (ب-ص-ر) بِإبصارٍ أعمَقَ وأكمَلَ مِمّا تَراه أيُّ عَين.