البقرة · الآية 207

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

(ش ر ي): الشِّراءُ في العربيّةِ يَشمَلُ البَيعَ

ومادّةُ (ش ر ي) في العَرَبيّةِ الفُصحى تَدُلُّ على المُبادَلةِ في اتِّجاهَيها، يُقالُ: شَرى الشَّيءَ بِمَعنى اشتَراه، ويُقالُ: شَرى الشَّيءَ بِمَعنى باعَه، والسِّياقُ هو الذي يُحَدِّد، ومِنه قَولُه تَعالى في قِصّةِ يوسف: «وَشَرَوهُ بِثَمَنٍ بَخسٍ»، أي باعوه، لا اشتَروه.

وتَركيبُ «يَشري نَفسَه ابتِغاءَ مَرضاتِ الله» قَرينةٌ سِياقيّةٌ قاطِعةٌ على أنَّ المَعنى بَيعٌ لا شِراء، فالثَّمَنُ هو المَرضاةُ والسِّلعةُ هي النَّفس. والإنسانُ هُنا يَبيعُ ذاتَه كُلَّها لِلّهِ مُقابِلَ رِضاه، ويَتَخَلّى عن كُلِّ ما هو لَه مُقابِلَ أن يَقبَلَ اللهُ ذلك التَّخَلّي، ولا يَشتَري من اللهِ شَيئاً.

(ن ف س): النَّفسُ كَوِحدةٍ كُلّيّةٍ لا قِطعةٍ من الإنسان

والنَّفسُ من (ن ف س)، ومَعناها الذّاتُ كامِلةً لا جُزءٌ مِنها، يُقالُ: فَعَلَه بِنَفسِه، أي بِذاتِه كُلِّها، وهي في القرآنِ تَشمَلُ الكِيانَ الإنسانيَّ بِأبعادِه الثَّلاثة: الجَسَدِ والوَعيِ والإرادة.

و«يَشري نَفسَه» تَصويرٌ لِلبَيعِ الشّامِل، وهو تَخَلٍّ عن الذّاتِ كُلِّها، لا عن المالِ ولا عن الوَقت، وهذا مُستَوىً أعمَقُ من أيِّ تَضحيةٍ جُزئيّة. وهو بَيعٌ بِالخَسارةِ الظّاهِرة، لأنَّ الثَّمَنَ الذي يَقبِضُه البائِعُ «رِضاً» غَيرُ مَحسوسٍ في يَدِه، وليس سِلعةً أُخرى.

(ب غ ي): الابتِغاءُ طَلَبٌ مَقصودٌ لِلغاية

وأصلُ (ب غ ي) الطَّلَبُ الحَثيثُ لِلشَّيء، وابتَغى الشَّيءَ: سَعى إلَيه بِكُلِّ ما في وُسعِه، وقد يُستَعمَلُ الجِذرُ في طَلَبِ ما ليس بِحَقٍّ فيَكونُ «بَغيا»، غَيرَ أنَّ الصّيغةَ الافتِعاليّةَ «ابتِغاء» تَحمِلُ مَعنى الطَّلَبِ المَحمودِ في الغالِب.

و«ابتِغاءَ مَرضاتِ الله» تَكشِفُ الدّافِعَ الدّاخِليَّ لِبائِعِ النَّفس، وهو لا يَبيعُ لِيَصِلَ إلى مَنصِب، ولا لِيَهرُبَ من أذىً، ولا حتّى لِيَصِلَ إلى جَنّة، ويَبيعُ نَفسَه لِيَحصُلَ على شَيءٍ أعلى من ذلك كُلِّه: أن يَرضى اللهُ عَنه. وهذا التَّرتيبُ الأخلاقيُّ يَختَلِفُ كَيفيّاً عن تَرتيبِ الفاسِدِ الذي يَبيعُ دينَه لِكَسبِ دُنياه.

(ر ض ي): المَرضاةُ صيغةُ مَصدَرٍ يَحمِلُ الكَمال

و«مَرضاة» صيغةُ مَصدَرٍ ميميّ، والمَصادِرُ الميميّةُ تَحمِلُ دَلالةَ الكَمالِ والتَّمام، فقَولُه «مَرضاةِ الله» مَعناه كَمالُ الرِّضى، وأصلُ الرِّضى وَحدَه لا يَفي بِه.

وهذا الاختيارُ اللَّفظيُّ دَقيق: البائِعُ يَطلُبُ أن يَرضى اللهُ عَنه كَمالَ الرِّضى الذي يَستَوعِبُ كُلَّ جَوانِبِه، زيادةً على الرِّضى المَبدَئيّ، ومَن يَطلُبُ هذا المُستَوى لا يُمكِنُه أن يَستَرخِصَ من نَفسِه شَيئاً، فلا بُدَّ أن يَبيعَها كُلَّها.

(ر أ ف): الرَّأفةُ رَقَّةٌ تَفوقُ الرَّحمة

ومَدارُ (ر أ ف) على رِقّةٍ في القَلبِ تَمنَعُ صاحِبَها من الإضرارِ بِما يَرى، يُقالُ: رَؤُفَ بِه، أي رَقَّ لَه رِقّةً شَديدةً أعمَقَ من الرَّحمة. والرَّحمةُ قد تَكونُ فِعلاً يَصدُرُ بَعدَ وُقوعِ الضَّرَر، والرَّأفةُ تَمنَعُ وُقوعَ الضَّرَرِ أصلاً.

وخِتامُ الآيةِ «واللهُ رَؤوفٌ بِالعِباد» يُوَضِّحُ أنَّ بائِعَ النَّفسِ لن يُخذَل، ومَن باعَ نَفسَه لِلّهِ سيَجِدُ أمامَه رَأفةً تَحميه قَبلَ أن يَحتاجَ إلى رَحمة، وهذا ضَمانٌ إلهيٌّ لِلمُضَحّي يُطَمئِنُه بِأنَّ بَيعَه استِثمارٌ مُباشِرٌ في حَضرةٍ تَتَلَطَّفُ بِه، وليس خَسارة.

مَوقعُ الآيةِ بَينَ نَموذَجَين

وهذه الآيةُ غَيرُ مَقطوعةٍ عَمّا قَبلَها: الآياتُ 204-206 رَسَمَت صورةَ الإنسانِ الذي يُعجِبُ قَولُه ويُفسِدُ فِعلُه وتَأخُذُه العِزّةُ بِالإثم، ثُمَّ جاءَت هذه الآيةُ لِتَرسُمَ الطَّرَفَ المُقابِل، وهو الإنسانُ الذي يَبيعُ نَفسَه لِلّه.

والمُفارَقةُ البِنيَويّةُ واضِحة: ثَلاثُ آياتٍ لِوَصفِ المُفسِدِ المُتَكَبِّر، وآيةٌ واحِدةٌ لِوَصفِ البائِعِ المُضَحّي. والمُرادُ أنَّ الأوَّلَ يَحتاجُ إلى تَفصيلٍ لِيُكشَفَ سِتارُه، والثّاني يُعَرَّفُ بِجُملةٍ واحِدةٍ لأنَّ فِعلَه ظاهِرٌ لا يَحتاجُ إلى كَشف، ولا يَعني ذلك أنَّ الأوَّلَ أكثَرُ أهَمّيّة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: الشِّراءُ هُنا بَيعٌ لا تَمَلُّك، والنَّفسُ تُباعُ كامِلةً لا جُزئيّاً، والثَّمَنُ هو كَمالُ الرِّضى لا مَنصِبٌ ولا مَكانة، واستِجابةُ اللهِ رَأفةٌ تَسبِقُ الرَّحمةَ فتَحمي بائِعَ نَفسِه قَبلَ أن يَقَعَ عَلَيه ضَرَر.


حَصيلة

تَقِفُ هذه الآيةُ مُفرَدةً في مُواجَهةِ ثَلاثِ آياتٍ صَوَّرَتِ المُفسِدَ المُتَكَبِّر، ونَموذَجٌ واحِدٌ يُقابِلُ ثَلاثةً لأنَّه لا يَحتاجُ إلى كَشف: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. والجِذرُ -ش-ر-ي- يَحمِلُ البَيعَ والشِّراءَ مَعاً، والسِّياقُ يَقطَعُ بِالبَيع: الثَّمَنُ هو المَرضاةُ والسِّلعةُ هي النَّفس. ثُمَّ يُفصِحُ الجِذرُ -ن-ف-س- بِأنَّ النَّفسَ هي الذّاتُ كامِلةً بِأبعادِها الثَّلاثة، جَسَداً ووَعياً وإرادةً، لا جُزءٌ مِنها، وهذا يُمَيِّزُ هذا البَيعَ عن أيِّ تَضحيةٍ جُزئيّة. وأمّا الدّافِعُ فمَكشوفٌ في الجِذرِ -ب-غ-ي- من «ابتِغاء»، وهو طَلَبٌ حَثيثٌ لِغايةٍ عُليا. وصيغةُ -ر-ض-ي- في «مَرضاة» مَصدَرٌ ميميٌّ يَحمِلُ الكَمال، والمَطلوبُ بِها كَمالُ الرِّضى، ولا يُكتَفى فيه بِرِضاً مَبدَئيّ. ويَختِمُ الجِذرُ -ر-أ-ف- الآيةَ: «واللهُ رَؤوفٌ بِالعِباد»، والرَّأفةُ رِقّةٌ تَفوقُ الرَّحمةَ وتَسبِقُها وتَحمي قَبلَ وُقوعِ الضَّرَر، وبائِعُ النَّفسِ لِلّهِ لن يُخذَل، لأنَّه يَستَثمِرُ في حَضرةٍ تَتَلَطَّفُ بِه.