الدِّين

din جذر · د-ي-ن 5 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
**الإطارُ الزَّمَنيُّ الكُلِّيُّ** لِحَياةِ الإنسانِ المُلتَزِم: عَهدٌ يَنعَقِدُ، فَسُلوكٌ يَجري، فَحِسابٌ يَنبَعِث. ثَلاثَةُ مَحاوِرَ تَنطَوي في الكَلِمةِ الواحِدة. لَيست «الدِّيانة» المُؤَسَّساتيَّةَ الحَديثةَ بَل القَوسُ التي تَنحَنيَ عَلَيها الأَفعالُ كُلُّها. القَوانينُ البِنيَويَّةُ (شُكر، ذِكر، هِداية، تَقوى) تَجري **داخِلَ** الدِّينِ لا بِجِوارِه.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • د — حرفٌ نَقَرِيٌّ مَضبوطٌ من اللِّسانِ على أصولِ الثَّنايا. شِحنَتُه: ضَبطٌ وثَبات، نُقطةٌ مُحكَمةٌ تَستَقِرّ. (الشِّحنةُ ذاتُها في الحَمد §١.)
  • ي — امتِدادٌ مَعَ لِين. حركةٌ تَنزَلِقُ بِسُهولة.
  • ن — حرفٌ رَنّانٌ يَخرُجُ مُستَمِرّاً مُنَغَّماً من الخَيشوم. شِحنَتُه: رَنينٌ يَنبَعِث، صَوتٌ يَتَوالى ولا يَنقَطِع. هو حرفُ الانبِعاثِ المُستَمِرّ.

النَّواةُ دي (د + ي) = ضَبطٌ يَمتَدُّ بلِين، إحكامٌ يَتَواصَل. الإغلاقُ بـن يَجعَلُ هذا التَّواصُلَ مُنبَعِثاً مُتَكَرِّراً، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: ضَبطٌ يَمتَدُّ ويَنبَعِث، إلزامٌ يَتَواصَلُ فيَرُدُّ ما خَرَجَ إلى صاحِبِه.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • الدَّين (مُفرَد، فَتح) — ما يَثبُتُ في الذِّمّةِ ويَمتَدُّ حتّى يُستَرَدّ. مَن أقرَضَ مالاً، الدَّينُ ضَبَطَ علاقةً تَمتَدُّ في الزَّمَنِ حتّى تَنبَعِثَ ثانيةً عند السَّداد.
  • دانَ (فِعل) — حاسَبَ وألزَم. مَن دانَ، أحكَمَ ضَبطَ ما يَلزَمُ الآخَرَ من حَقّ.
  • الدِّين (مُفرَد، كَسر) — ما يَلتَزِمُ به المَرءُ في سُلوكِه. هذا المَعنى يَجمَعُ المَعنَيَين: ضَبطٌ التَزَمَه المَرءُ بنَفسِه، يَمتَدُّ في زَمَنِ سُلوكِه، ثُمّ يَنبَعِثُ في حِسابٍ يَردُّ ما كانَ.

الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ د-ي-ن: ضَبطٌ مُلازِمٌ يَمتَدُّ في الزَّمَن، ثُمّ يَنبَعِثُ يَرُدُّ ما خَرَجَ إلى صاحِبِه. هذه شِحنةٌ تَجمَعُ ثَلاثةَ أوجُه:

1. الإلزامُ السابِق — العَهدُ الذي يَنعَقِد، ما الذي تَلزَمُه الذِّمّة. 2. الطَّاعةُ الواصِلة — السُّلوكُ بَين العَهدِ والاستِرداد. 3. الجَزاءُ اللاحِق — اللَّحظةُ التي يُستَرَدُّ فيها ما كانَ.

والكَلِمةُ تَجمَعُها كلَّها لا واحِداً مِنها فَقط.

المِفتاحُ البِنيَويُّ — الدِّينُ كَإطارٍ زَمَنيٍّ تَجري داخِلَه القَوانين: لَيسَ الدِّينُ صورةً من صُوَرِ تَيبولوجيا §IX (انظُر [مَنهَجَ المَلَفّات](../../../../methodology/13-dossier-method.md)) بَل القَوسُ الزَّمَنيُّ الذي تَجري فيه كُلُّ القَوانينِ البِنيَويَّة. الشُّكرُ يُضاعِفُ، الذِّكرُ يُرَى، الهِدايَةُ تَنزِلُ، التَّقوى تُبنى — كُلُّ ذلك يَجري داخِلَ الدِّين. والمُحاسَبَةُ يَومَ الدِّينِ هي اللَّحظَةُ التي يُسحَبُ فيها الإطارُ من تَحتِ الأَفعالِ لِيُجزى صاحِبُها.

التَّمييزُ مَع الأَسماءِ الإلَهيَّة:

  • allah — الفاعِلُ المُطلَق (مَن يَفعَل).
  • rabb — مَوقِعُ الفِعل (كَيفَ يَتَجَلَّى الفاعِلُ في التَّربية).
  • malik — مَن يَملِكُ يَومَ الدِّين (مَن يَحكُم).
  • din — الإطارُ الذي يَتِمُّ فيه (مَتى وبأيِّ بُنيَةٍ زَمَنيَّة).

الفاتِحةُ تُسَمّي الأَربَعةَ في تَتابُعٍ مَقصود: «اللَّه» (١:١) — الفاعِل، «رَبّ» (١:٢) — مَوقِع الفِعل، «مالِك» (١:٤) — مَن يَحكُم، «الدِّين» (١:٤) — الإطارُ المَحكوم. الاسمُ يَنزِلُ، الرَّبُّ يُربّي، المَلِكُ يَحكُم، الدِّينُ يَحتَوي.

ولِذلكَ كانَت «الدِّين» في القُرآنِ زَمَنيَّةً جَوهَريّاً: لا تَدخُلُ في آيةٍ إلّا وَمَعها بُعدٌ زَمَنيّ. ﴿يَومِ الدِّين﴾ (١:٤) — مُستَقبَل. ﴿يَدخُلونَ في دينِ الله﴾ (١١٠:٢) — حاضِرٌ مُمتَدّ. ﴿يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ (١٠٧:١) — تَكذيبٌ بِالقَوسِ كُلِّها. الدِّينُ يَستَدعي زَمَناً يَعمَلُ فيه.

الصِّيَغ — كيف تَردُ في القرآن

  • الدِّين (مُعَرَّف بال) — جِنسُ الالتِزامِ كلُّه. تُستَعمَلُ هذه الصِّيغةُ في القرآنِ بمَعانٍ مُتَدَرِّجة: - مَسارٌ مَختار — «إنَّ اللهَ اصطَفى لَكُمُ الدِّينَ» (مُتَوَقَّعٌ في 2:132): طَريقٌ يُختارُ فَيُلتَزَم. - نِظامٌ شامِل — «وَيَكونَ الدِّينُ لله» (مُتَوَقَّعٌ في 2:193): قانونٌ يَسري في الظّاهِرِ والباطِن. - انتِماءٌ يُحاسَبُ علَيه — «وَمَن يَرتَدِد مِنكُم عَن دينِه» (مُتَوَقَّعٌ في 2:217): عَهدٌ يَلزَمُ الذِّمّة. - يَومُ الجَزاءِ — «يَوم الدِّين» في 1:4 وَأخواتِها. المَعاني الأربَعةُ من جَذرٍ واحد: الالتِزامُ يَختارُه المَرءُ، يَنتَظِمُ في حياتِه، يَنعَقِدُ عَهداً، يُحاسَبُ علَيه يَومَ تُستَرَدُّ العُهود.
  • دِين (نَكِرة) — أعَمُّ من المُعَرَّف.
  • دانَ، يَدين — الفِعلُ. «يَدينُ بكَذا» = يَلتَزِمُ به، يَتَّخِذُه دِيناً.
  • مَدين، مَدينون — اسمُ مَفعول. مَن لَزِمَه شَيءٌ في الذِّمّة. «أَإذا كُنّا مَدينين» (مَوضِعٌ في غَيرِ ما كَتَبنا).

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: في كلِّ صِيَغ د-ي-ن تَبقى الشِّحنةُ ذاتُها

(ضَبطٌ مُلازِمٌ يَمتَدُّ ثُمّ يَنبَعِث). الصِّيَغُ تُحَدِّدُ الدَّور

(الفاعِلُ، الحَدَث، المَفعول، الجِنس)، لا الشِّحنة.

الفُروق المَعنويّة — الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى

  • dayn (الدَّيْن) — د-ي-ن: شَعبةٌ ماليَّة. الشِّحنةُ الجَذريَّةُ ذاتُها (الضَّبطُ المُمتَدُّ الرَّاجِع) لَكِن في مَيدانِ الذِّمَّةِ الماليَّةِ المُؤقَّتة، لا مَيدانِ الرُّوحِ والتَّاريخِ الأَبَديّ. انظُر الدَّين. هذا هو النَّموذَجُ الأَمثَلُ لِقاعِدةِ «جَذرٌ واحِدٌ + شَعبتانِ مُتَمَيِّزتانِ → مَلَفَّتانِ مُستَقِلَّتانِ مُتَقاطِعتان».

المَواضع — مَواقعُ الدِّين في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ١:٤ ﴿مالِكِ يَومِ الدِّينِ﴾ — مَوضعُ الافتِتاح«الدِّين» تَدخُلُ القرآنَ هنا في وَجهِها الرّابع: يَومُ الجَزاء. لكنّها لا تَنفَصِلُ عن الوُجوهِ الأُخرى، إذ كلُّها مُنطَوِيةٌ في جَذرٍ واحد. القارئُ الذي يَقرَأُ «يَومَ الدِّين» يَستَحضِرُ ضِمنياً ما سَبَقَ هذا اليَوم: العَهدُ الذي اُلتُزِمَ، السُّلوكُ بَين العَهدِ والاستِرداد، اليَومُ الذي يَنبَعِثُ فيه الحِسابُ. الفاتِحةُ تَنطِقُ بـ«الدِّين» بَذرة، والبَقَرةُ سَتَفرِشُها أمامَ القارئِ في حُقولِها الأربَعة.
  • ٢:١٣٢ ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — «الدِّين» هنا مَوضوعُ الاصطِفاء: اللهُ اختارَه لهُم ووَصَّاهُم بِه. الجَديدُ: الدِّينُ يَظهَرُ هنا بِوَجهِه الاصطِفائيّ — ليسَ فَرضاً مُجَرَّداً بَل اختِيارٌ إلهيٌّ أَعطاهُ لِهَؤلاء. إبراهيمُ ويَعقوبُ يُوصيانِ بِالدِّينِ وَصيَّةً: مَن أَوصى بِشَيءٍ يَعتَقِدُ أنَّه الأَثمَن.
  • ١٠٧:١ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ — «الدِّين» في صيغةِ المُكَذَّبِ بِه: «يُكَذِّبُ بِالدِّين». الجَديدُ: الدِّينُ هُنا بِوَجهِ يَومِ الجَزاء — مَن يُكَذِّبُ بِالحِسابِ القادِم تَنكَشِفُ سُلوكيَّاتُه التي تَتَفصَّلُ في ١٠٧:٢-٣. التَّكذيبُ بِالدِّينِ مُعيارٌ كاشِفٌ يَفصِلُ أَنواعَ النَّاسِ بِنَتائِجِ الإيمانِ والاعتِقادِ بِالعاقِبَة. انظُر التَّكذيب.
  • ١٠٩:٦ ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ — «الدِّين» في خاتِمَةِ سورَةِ الكافِرونَ بِصورَةِ التَّخصيصِ المُتَقابِل: «دينُكُم» / «دين» (ياءُ المُتَكَلِّمِ). الجَديدُ: الدِّينُ هُنا في وَجهِ الالتِزامِ الفَردي — كُلُّ طَرَفٍ يَتَخَصَّصُ بِدينِه. الإضافَتانِ المُتَقابِلَتانِ تَنفيانِ السَّاحَةَ المُشتَرَكَة. الدِّينُ هُنا حَدَّدَ النِّسبَةَ النِّهائيَّةَ لِكُلِّ طَرَفٍ. انظُر الكُفر.
  • ١١٠:٢ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ — «الدِّين» مُضافاً إلى الاسمِ الجامِع: «دينِ الله». الجَديدُ: الدِّينُ هُنا بِوَجهِ الانتِظامِ الجَماعيِّ — النَّاسُ يَدخُلونَ فيه أَفواجاً، فَهو حَيِّزٌ يُدخَلُ فيه. الإضافَةُ إلى الله تَكشِفُ صاحِبَه: لَيسَ دينَ النَّبيِّ ولا دينَ القَومِ بَل دينَ الاسمِ. انظُر النّاس.

التَّقاطُعات — مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • yawm — التَّجاوُرُ المُلازِمُ في 1:4. الدِّينُ ذو زَمَن: لا يَتَوَقَّفُ على لحظةٍ، يَنفَرِجُ بَين عَهدٍ سابِقٍ وحِسابٍ لاحِق. الإضافةُ تَرسُمُ أحَدَ طَرَفَي الزَّمَن.
  • malik — التَّجاوُرُ في 1:4. السُّلطةُ هي التي تَستَردُّ ما لَزِمَ الذِّمَّة. لا دينَ بِلا مَن يَنفُذُ بأمرِه، وَلا مَلِكِيّةَ مُكتَمِلةً بِلا دينٍ يَنفُذُ بها.
  • hisab (الحِساب)، jaza (الجَزاء) — مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ تَلتَقي بـ«الدِّين» في القرآنِ مَرّاتٍ كَثيرة. سَتُسَجَّلُ تَفاصيلُها حين نَلتَقي بمَواضِعَ مُحَدَّدة.

الإشكالات المَفتوحة

  • «الدِّين» في الاستِعمالِ المُعاصِرِ = religion / دِيانة: هذا الاستِعمالُ مُتَأَخِّر. الكَلِمةُ في القرآنِ لا تُساوي «religion» بالمَعنى المُؤَسَّساتيِّ المُنفَصِلِ عن بَقِيّةِ الحَياة. مَوقِفُنا: نَستَخدِمُ «الدِّين» بمَعناه القُرآنيّ (الالتِزام + السُّلوك + الحِساب)، ولا نُترجِمُه «religion» بَدونِ تَنبيه.
  • هل القِراءَتانِ الهامِشيّتان (ل-د-د، أ-و-ل) تَعنيانِ شَيئاً مُختَلِفاً لـ«الدِّين»؟ أُشيرَ إلَيهِما في تحليلِ جذرِ الآيةِ في 1:4 (لِكَلِمةِ «الدِّين»). ل-د-د (التَّمَسُّكُ بالخِصامِ بدونِ إنصاف): قِراءةٌ هامِشيّةٌ لِلكَلِمةِ نَفسِها بمَعنى الالتِزامِ المُتَصَلِّبِ بَدلاً من المُتَواصِلِ المُتَوازِن. أ-و-ل (الانتِسابُ إلى أصل): قِراءةٌ تَرى «الدِّين» مِن جَذرِ مَن يَؤولُ إلى أصل. مَوقِفُنا: لا نَأخُذُ بِهِما هُنا لأنَّ الجَذرَ المَشهودَ والمُؤَيَّدَ بالمَعاجِمِ هو د-ي-ن. لكنَّ هاتَين الإشارَتَين تُشيرانِ إلى أنَّ الدِّينَ (في صيغَتِه الفاسِدة) قَد يَتَحَوَّلُ إلى تَمَسُّكٍ خِصاميٍّ مُتَصَلِّبٍ (لَدَد) أو إلى انتِسابٍ تَوارُثيٍّ بِلا اختِيار (آل). هاتانِ صورَتانِ مَنبوذَتانِ في القرآن.
  • هل «الدِّين» يَأخُذُ صِيغةَ المَفعولِ المُطلَقِ في «دانوا»؟ مَفتوح. سَنَرى المَواضِعَ.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن