الدِّين
**الإطارُ الزَّمَنيُّ الكُلِّيُّ** لِحَياةِ الإنسانِ المُلتَزِم: عَهدٌ يَنعَقِدُ، فَسُلوكٌ يَجري، فَحِسابٌ يَنبَعِث. ثَلاثَةُ مَحاوِرَ تَنطَوي في الكَلِمةِ الواحِدة. لَيست «الدِّيانة» المُؤَسَّساتيَّةَ الحَديثةَ بَل القَوسُ التي تَنحَني عَلَيها الأَفعالُ كُلُّها. القَوانينُ البِنيَويَّةُ (شُكر، ذِكر، هِداية، تَقوى) تَجري **داخِلَ** الدِّينِ لا بِجِوارِه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- د: حرفٌ نَقَرِيٌّ مَضبوطٌ من اللِّسانِ على أصولِ الثَّنايا.
شِحنَتُه: ضَبطٌ وثَبات، نُقطةٌ تَحتَبِسُ ثُمَّ تَستَقِرّ. (وانظُر الحَمد القِسم ١.)
- ي: امتِدادٌ مَعَ لِين. حركةٌ تَنزَلِقُ بِسُهولة.
- ن: حرفٌ رَنّانٌ يَخرُجُ مُستَمِرّاً مُنَغَّماً من الخَيشوم.
شِحنَتُه: رَنينٌ يَنبَعِثُ من الجَوفِ ويَنفُذُ إلى الخارِج. هو حرفُ الانبِعاثِ المُتَوالي الذي لا يَنقَطِع.
النَّواةُ دي (د + ي) = ضَبطٌ يَمتَدُّ بلِين، ثَباتٌ يَتَواصَل. الإغلاقُ بـن يَجعَلُ هذا التَّواصُلَ مُنبَعِثاً مُتَكَرِّراً، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: ضَبطٌ يَمتَدُّ ويَنبَعِث، إلزامٌ يَتَواصَلُ فيَرُدُّ ما خَرَجَ إلى صاحِبِه.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- الدَّين (مُفرَد، فَتح): ما يَثبُتُ في الذِّمّةِ ويَمتَدُّ حتّى
يُستَرَدّ. مَن أقرَضَ مالاً، الدَّينُ ضَبَطَ علاقةً تَمتَدُّ في الزَّمَنِ حتّى تَنبَعِثَ ثانيةً عند السَّداد.
- دانَ (فِعل): حاسَبَ وألزَم. مَن دانَ، ثَبَّتَ ضَبطَ ما يَلزَمُ
الآخَرَ من حَقّ.
- الدِّين (مُفرَد، كَسر): ما يَلتَزِمُ به المَرءُ في سُلوكِه. هذا
المَعنى يَجمَعُ المَعنَيَين: ضَبطٌ التَزَمَه المَرءُ بنَفسِه، يَمتَدُّ في زَمَنِ سُلوكِه، ثُمّ يَنبَعِثُ في حِسابٍ يَردُّ ما كانَ.
الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ د-ي-ن: ضَبطٌ مُلازِمٌ يَمتَدُّ في الزَّمَن، ثُمّ يَنبَعِثُ يَرُدُّ ما خَرَجَ إلى صاحِبِه. هذه شِحنةٌ تَجمَعُ ثَلاثةَ أوجُه:
1. الإلزامُ السابِق، العَهدُ الذي يَنعَقِد، ما الذي تَلزَمُه الذِّمّة. 2. الطَّاعةُ الواصِلة، السُّلوكُ بَين العَهدِ والاستِرداد. 3. الجَزاءُ اللاحِق، اللَّحظةُ التي يُستَرَدُّ فيها ما كانَ.
والكَلِمةُ تَجمَعُها كلَّها لا واحِداً مِنها فَقط.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، الدِّينُ كَإطارٍ زَمَنيٍّ تَجري داخِلَه القَوانين: لَيسَ الدِّينُ صورةً بَل القَوسُ الزَّمَنيُّ الذي تَجري فيه كُلُّ القَوانينِ البِنيَويَّة. الشُّكرُ يُضاعِفُ، الذِّكرُ يُرَى، الهِدايَةُ تَنزِلُ، التَّقوى تُبنى، كُلُّ ذلك يَجري داخِلَ الدِّين. والمُحاسَبَةُ يَومَ الدِّينِ هي اللَّحظَةُ التي يُسحَبُ فيها الإطارُ من تَحتِ الأَفعالِ لِيُجزى صاحِبُها.
التَّمييزُ مَع الأَسماءِ الإلَهيَّة:
allah: الفاعِلُ المُطلَق (مَن يَفعَل).rabb: مَوقِعُ الفِعل (كَيفَ يَتَجَلَّى الفاعِلُ في التَّربية).malik: مَن يَملِكُ يَومَ الدِّين (مَن يَحكُم).din: الإطارُ الذي يَتِمُّ فيه (مَتى وبأيِّ بُنيَةٍ زَمَنيَّة).
الفاتِحةُ تُسَمّي الأَربَعةَ في تَتابُعٍ مَقصود: «اللَّه» (١:١)، الفاعِل، «رَبّ» (١:٢)، مَوقِع الفِعل، «مالِك» (١:٤)، مَن يَحكُم، «الدِّين» (١:٤) ، الإطارُ المَحكوم. الاسمُ يَنزِلُ، الرَّبُّ يُربّي، المَلِكُ يَحكُم، الدِّينُ يَحتَوي.
ولِذلكَ كانَت «الدِّين» في القُرآنِ زَمَنيَّةً جَوهَريّاً: القَوسُ مَقروءةٌ فيها حَيثُما وَرَدَت. ﴿يَومِ الدِّين﴾ (١:٤)، مُستَقبَل. ﴿يَدخُلونَ في دينِ الله﴾ (١١٠:٢)، حاضِرٌ مُمتَدّ. ﴿يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ (١٠٧:١)، تَكذيبٌ بِالقَوسِ كُلِّها. والزَّمَنُ لازِمُ الجَذرِ لا شَرطُ الآية: في المُصحَفِ المَنشورِ مَواضِعُ لا عَلامةَ زَمَنيَّةَ على وَجهِها، ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٢:٢٥٦) و﴿تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ (٣:٧٣) و﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٩٨:٥) و﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ (١٠٩:٦)، تُسَمّي الالتِزامَ القائِمَ ويَبقى العَهدُ والحِسابُ مَطوِيَّينِ في الكَلِمةِ لا مَنطوقَينِ في السِّياق. الدِّينُ يَستَدعي زَمَناً يَعمَلُ فيه.
الصِّيَغ: كيف تَردُ في القرآن
- الدِّين (مُعَرَّف بال): جِنسُ الالتِزامِ كلُّه. تُستَعمَلُ هذه
الصِّيغةُ في القرآنِ بمَعانٍ مُتَدَرِّجة:
- مَسارٌ مَختار: «إنَّ اللهَ اصطَفى لَكُمُ الدِّينَ» (2:132): طَريقٌ يُختارُ فَيُلتَزَم.
- نِظامٌ شامِل: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (2:193):
قانونٌ يَسري في الظّاهِرِ والباطِن.
- انتِماءٌ يُحاسَبُ علَيه: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾
(2:217): عَهدٌ يَلزَمُ الذِّمّة.
- يَومُ الجَزاءِ: «يَوم الدِّين» في 1:4 وَأخواتِها.
المَعاني الأربَعةُ من جَذرٍ واحد: الالتِزامُ يَختارُه المَرءُ، يَنتَظِمُ في حياتِه، يَنعَقِدُ عَهداً، يُحاسَبُ علَيه يَومَ تُستَرَدُّ العُهود.
- دِين (نَكِرة): أعَمُّ من المُعَرَّف.
- دانَ، يَدين: الفِعلُ. «يَدينُ بكَذا» = يَلتَزِمُ به، يَتَّخِذُه
دِيناً.
- مَدين، مَدينون: اسمُ مَفعول. مَن لَزِمَه شَيءٌ في الذِّمّة.
«أَإذا كُنّا مَدينين» (مَوضِعٌ في غَيرِ ما كَتَبنا).
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: في كلِّ صِيَغ د-ي-ن تَبقى الشِّحنةُ ذاتُها
(ضَبطٌ مُلازِمٌ يَمتَدُّ ثُمّ يَنبَعِث). الصِّيَغُ تُحَدِّدُ الدَّور
(الفاعِلُ، الحَدَث، المَفعول، الجِنس)، لا الشِّحنة.
الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
dayn(الدَّيْن): د-ي-ن: شَعبةٌ ماليَّة. الشِّحنةُ الجَذريَّةُ ذاتُها (الضَّبطُ المُمتَدُّ الرَّاجِع) لَكِن في مَيدانِ الذِّمَّةِ الماليَّةِ المُؤقَّتة، لا مَيدانِ الرُّوحِ والتَّاريخِ الأَبَديّ. انظُر الدَّين. هذا هو النَّموذَجُ الأَمثَلُ لِقاعِدةِ «جَذرٌ واحِدٌ + شَعبتانِ مُتَمَيِّزتانِ → مَفهومان مُستَقِلَّتانِ مُتَقاطِعتان».
المَواضع: مَواقعُ الدِّين في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ١:٤ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: مَوضعُ الافتِتاح.
«الدِّين» تَدخُلُ القرآنَ هنا في وَجهِها الرّابع: يَومُ الجَزاء. لكنّها لا تَنفَصِلُ عن الوُجوهِ الأُخرى، إذ كلُّها مُنطَوِيةٌ في جَذرٍ واحد. القارئُ الذي يَقرَأُ «يَومَ الدِّين» يَستَحضِرُ ضِمنياً ما سَبَقَ هذا اليَوم: العَهدُ الذي اُلتُزِمَ، السُّلوكُ بَين العَهدِ والاستِرداد، اليَومُ الذي يَنبَعِثُ فيه الحِسابُ. الفاتِحةُ تَنطِقُ بـ«الدِّين» بَذرة، والبَقَرةُ سَتَفرِشُها أمامَ القارئِ في حُقولِها الأربَعة.
- ٢:١٣٢ ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾: «الدِّين» هنا مَوضوعُ الاصطِفاء: اللهُ اختارَه لهُم ووَصَّاهُم بِه. الجَديدُ: الدِّينُ يَظهَرُ هنا بِوَجهِه الاصطِفائيّ، ليسَ فَرضاً مُجَرَّداً بَل اختِيارٌ إلهيٌّ أَعطاهُ لِهَؤلاء. إبراهيمُ ويَعقوبُ يُوصيانِ بِالدِّينِ وَصيَّةً: مَن أَوصى بِشَيءٍ يَعتَقِدُ أنَّه الأَثمَن.
- ٢:١٩٣ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾: الجَديدُ: الدِّينُ يَقَعُ هُنا خَبَراً لِـ«يَكون»، أي غايةً يُصارُ إلَيها لا حالاً قائِمة. واللّامُ في «لله» لامُ المِلك، فالمَطلوبُ أن يَعودَ الإطارُ كُلُّه إلى صاحِبِه لا أن يَنتَقِلَ من جِهةٍ إلى جِهة. وقَرينَتُه في الآيةِ «حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ»: الفِتنةُ ما يَحولُ بَينَ المَرءِ وقَوسِه، ورَفعُها شَرطُ أن يَجريَ الدِّينُ مَجراه. وخِتامُها «فَإِنِ انتَهَوْا» يَقِفُ بِالفِعلِ عِندَ زَوالِ المانِعِ لا عِندَ إدخالِ أَحَدٍ في الإطار.
- ٢:٢١٧ ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾: الجَديدُ: الدِّينُ مُضافاً إلى ضَميرِ المُفرَدِ في مَقامِ الخُروجِ مِنه، فتَظهَرُ القَوسُ شَيئاً يُتَّخَذُ ويُخرَجُ عَنه. والحُكمُ لا يَقَعُ على الارتِدادِ وَحدَه بَل على مَوتٍ يَلحَقُه («فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ»)، فلا تُقفَلُ القَوسُ إلّا عِندَ آخِرِها. وقَبلَه في الآيةِ نَفسِها «حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ»: يُرادُ رَدُّ صاحِبِه عَنه بِفِعلِ غَيرِه، ولا يُحاسَبُ إلّا مَن ارتَدَّ بِنَفسِه.
- ٢:٢٥٦ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾: الجَديدُ: يُنفى الإكراهُ بِنَفيِ الجِنس، والظَّرفُ «في» يَجعَلُ المَنفيَّ واقِعاً داخِلَ الإطارِ لا عِندَ بابِه: لا قَسرَ في شَيءٍ مِمّا يَجري في القَوس. وعِلَّتُه مَذكورةٌ بَعدَه «قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ»: ما بانَ لا يَحتاجُ إلى قَسر. وهو مَوضِعٌ لا يُذكَرُ فيه لِلدِّينِ طَرَفٌ زَمَنيٌّ على وَجهِ الآية، فيُقرَأُ الالتِزامُ فيه قائِماً وَحدَه ويَبقى العَهدُ والحِسابُ مَطوِيَّينِ في الجَذر. انظُر الغَيّ.
- ٣:١٩ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: أوَّلُ مَوضِعٍ يُخبَرُ فيه عن «الدِّين» بِخَبَرٍ مُعَيَّن. الجَديدُ: الجُملةُ اسميّةٌ مُؤَكَّدةٌ بِـ«إنّ»، فالدِّينُ يُعَرَّفُ لا يُؤمَرُ بِه، و«عِندَ الله» ظَرفٌ يَنقُلُ مَوضِعَ التَّعيينِ إلى صاحِبِ الحِساب. فالوَجهُ الذي دَخَلَت بِه الكَلِمةُ في ١:٤ (يَومُ الجَزاء) يَظهَرُ هُنا في أوَّلِ القَوسِ لا في آخِرِها: الجِهةُ التي تُحاسِبُ هي الجِهةُ التي تُعَيِّنُ الالتِزام. وما بَعدَه يَربِطُ الاختِلافَ بِـ«بَغياً بَينَهُم» لا بِنَقصِ العِلم، فالخِلافُ في الدِّينِ لاحِقٌ لِلعِلمِ لا سابِقٌ له. انظُر الإسلام / أَسلَمَ.
- ٣:٢٤ ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: «الدِّين» مُضافاً إلى ضَميرِ الجَماعة. الجَديدُ: الدِّينُ يَظهَرُ مَوضِعاً يُغَرُّ فيه صاحِبُه، والغُرورُ واقِعٌ «في دينِهِم» لا خارِجَه: القَوسُ الزَّمَنيُّ نَفسُها يُمكِنُ أن تُملأَ بِمُفتَرىً يُطَمئِن. والمُفتَرى في سِياقِ الآيةِ تَحديدُ مُدّةٍ لِلنّارِ بِـ«أيّاماً مَعدوداتٍ»، فالغُرورُ هُنا غُرورٌ في طَرَفِ الحِساب: يُقَصَّرُ أمَدُ الجَزاءِ فيَختَلُّ المِيزانُ الذي عليه يَقومُ الدِّينُ كُلُّه.
- ٣:٨٣ ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾: «الدِّين» مُضافاً إلى الاسمِ الجامِع، مُقَدَّماً في استِفهامِ إنكار. الجَديدُ: التَّقديمُ يَجعَلُ المُنكَرَ هو المَطلوبَ لا الطَّلَب، ثُمَّ تُذكَرُ سَعةُ مَن أَسلَمَ لَه «مَن في السَّماواتِ والأرض»، فيَنكَشِفُ أنَّ ابتِغاءَ دينٍ آخَرَ ابتِغاءٌ لِجِهةٍ لا يَشغَلُها غَيرُ هذه. وخِتامُها «وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ» يُعيدُ الوَجهَ الثّالِثَ من وُجوهِ الجَذر: الرَّدُّ الذي يَنبَعِثُ في آخِرِ القَوس. انظُر الإسلام / أَسلَمَ.
- ٣:٨٥ ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾: «ديناً» نَكِرةً تَمييزاً. الجَديدُ: الكَلِمةُ تَقَعُ مَوقِعَ الجِنسِ الذي يُملأُ بِمَضمون: يُبتَغى «غَيرُ الإسلام» بِوَصفِه ديناً، فالدِّينُ إطارٌ يُمكِنُ أن يوضَعَ فيه غَيرُ ما وُضِعَ لَه. والحُكمُ يَقَعُ على القَبولِ لا على الوَصف: «فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ»، والقَبولُ مَوقِعُه آخِرُ القَوسِ حَيثُ تُستَرَدُّ العُهود.
- ١٠٧:١ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾: «الدِّين» في صيغةِ المُكَذَّبِ بِه: «يُكَذِّبُ بِالدِّين». الجَديدُ: الدِّينُ هُنا بِوَجهِ يَومِ الجَزاء، مَن يُكَذِّبُ بِالحِسابِ القادِم تَنكَشِفُ سُلوكيَّاتُه التي تَتَفصَّلُ في ١٠٧:٢-٣. التَّكذيبُ بِالدِّينِ مُعيارٌ كاشِفٌ يَفصِلُ أَنواعَ النَّاسِ بِنَتائِجِ الإيمانِ والاعتِقادِ بِالعاقِبَة. انظُر التَّكذيب.
- ١٠٩:٦ ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾: «الدِّين» في خاتِمَةِ سورَةِ الكافِرونَ بِصورَةِ التَّخصيصِ المُتَقابِل: «دينُكُم» / «دين» (ياءُ المُتَكَلِّمِ). الجَديدُ: الدِّينُ هُنا في وَجهِ الالتِزامِ الفَردي، كُلُّ طَرَفٍ يَتَخَصَّصُ بِدينِه. الإضافَتانِ المُتَقابِلَتانِ تَنفيانِ السَّاحَةَ المُشتَرَكَة. الدِّينُ هُنا حَدَّدَ النِّسبَةَ النِّهائيَّةَ لِكُلِّ طَرَفٍ. انظُر الكُفر.
- ١١٠:٢ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾: «الدِّين» مُضافاً إلى الاسمِ الجامِع: «دينِ الله». الجَديدُ: الدِّينُ هُنا بِوَجهِ الانتِظامِ الجَماعيِّ، النَّاسُ يَدخُلونَ فيه أَفواجاً، فَهو حَيِّزٌ يُدخَلُ فيه. الإضافَةُ إلى الله تَكشِفُ صاحِبَه: لَيسَ دينَ النَّبيِّ ولا دينَ القَومِ بَل دينَ الاسمِ. انظُر النّاس.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
yawm: التَّجاوُرُ المُلازِمُ في 1:4. الدِّينُ ذو زَمَن: لا
يَتَوَقَّفُ على لحظةٍ، يَنفَرِجُ بَين عَهدٍ سابِقٍ وحِسابٍ لاحِق. الإضافةُ تَرسُمُ أحَدَ طَرَفَي الزَّمَن.
malik: التَّجاوُرُ في 1:4. السُّلطةُ هي التي تَستَردُّ ما
لَزِمَ الذِّمَّة. لا دينَ بِلا مَن يَنفُذُ بأمرِه، وَلا مَلِكِيّةَ مُكتَمِلةً بِلا دينٍ يَنفُذُ بها.
- hisab (الحِساب)،
jaza(الجَزاء): مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ تَلتَقي
بـ«الدِّين» في القرآنِ مَرّاتٍ كَثيرة. سَتُسَجَّلُ تَفاصيلُها حين نَلتَقي بمَواضِعَ مُحَدَّدة.
الإشكالات المَفتوحة
- «الدِّين» في الاستِعمالِ المُعاصِرِ = religion / دِيانة: هذا
الاستِعمالُ مُتَأَخِّر. الكَلِمةُ في القرآنِ لا تُساوي «religion» بالمَعنى المُؤَسَّساتيِّ المُنفَصِلِ عن بَقِيّةِ الحَياة. مَوقِفُنا: نَستَخدِمُ «الدِّين» بمَعناه القُرآنيّ (الالتِزام + السُّلوك + الحِساب)، ولا نُترجِمُه «religion» بَدونِ تَنبيه.
- **هل القِراءَتانِ الهامِشيّتان (ل-د-د، أ-و-ل) تَعنيانِ شَيئاً مُختَلِفاً
لـ«الدِّين»؟** أُشيرَ إلَيهِما في تحليلِ جذرِ الآيةِ في 1:4 (لِكَلِمةِ «الدِّين»). ل-د-د (التَّمَسُّكُ بالخِصامِ بدونِ إنصاف): قِراءةٌ هامِشيّةٌ لِلكَلِمةِ نَفسِها بمَعنى الالتِزامِ المُتَصَلِّبِ بَدلاً من المُتَواصِلِ المُتَوازِن. أ-و-ل (الانتِسابُ إلى أصل): قِراءةٌ تَرى «الدِّين» مِن جَذرِ مَن يَؤولُ إلى أصل. مَوقِفُنا: لا نَأخُذُ بِهِما هُنا لأنَّ الجَذرَ المَشهودَ والمُؤَيَّدَ بالمَعاجِمِ هو د-ي-ن. لكنَّ هاتَين الإشارَتَين تُشيرانِ إلى أنَّ الدِّينَ (في صيغَتِه الفاسِدة) قَد يَتَحَوَّلُ إلى تَمَسُّكٍ خِصاميٍّ مُتَصَلِّبٍ (لَدَد) أو إلى انتِسابٍ تَوارُثيٍّ بِلا اختِيار (آل). هاتانِ صورَتانِ مَنبوذَتانِ في القرآن.
- هل «الدِّين» يَأخُذُ صِيغةَ المَفعولِ المُطلَقِ في «دانوا»؟ مَفتوح.
سَنَرى المَواضِعَ.