الإسلام / أَسلَمَ
التَّعريف الجَذريّ
تَسليمُ الذَّاتِ كامِلةً نَحوَ جِهَةٍ تُعطيها السَّلامة. ليسَ الانكِسارَ بَل السَّيَلانَ الطَّليقَ الذي يُحرِّرُ النَّفسَ من تَعَلُّقِها بِنَفسِها ويُسَلِّمُها إلى مَصدَرِ السَّلامة.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
الجَذرُ س-ل-م:
- س: هَمسٌ سائِل. شِحنَتُه: امتِدادٌ وسَيَلان، انطِلاقٌ ناعِمٌ دُونَ احتِكاك.
- ل: تَعَلُّقٌ يَمتَدُّ. شِحنَتُه: وَصلٌ يَصِلُ طَرَفاً بِطَرَف.
- م: إطباقُ الشَّفَتَين. شِحنَتُه: تَجَمُّعٌ وإغلاق، جَمعُ الشَّيءِ في نُقطَةٍ مُعيَّنة.
النَّواةُ سَل (س + ل) = سَيَلانٌ يَتَعَلَّق، انطِلاقٌ ناعِمٌ نَحوَ ما يَرتَبِطُ به. الإغلاقُ بـم يَختِمُ هذا السَّيَلانَ في تَجَمُّعٍ مُعيَّن: سَيَلانٌ مُنطَلِقٌ يَجتَمِعُ في نُقطَةٍ، تَحَرُّرُ الشَّيءِ من التَّشنُّجِ وانسِيابُه نَحوَ مُستَقَرِّه. السَّلامةُ هي حالةُ السَّائِلِ الذي وَصَلَ إلى مُستَقَرِّه.
ومِن هذا الجَذرِ في كَلامِ العَرَب:
- سَلِمَ = نَجا وأَمِنَ، وَصَلَ مُستَقَرَّه دُونَ خَسارَة.
- السَّلام = الحالةُ التي يَجتَمِعُ فيها الشَّيءُ في سَلامَتِه دُونَ اختِراق.
- أَسلَمَ = سَلَّمَ الذَّاتَ، أَعطاها لِمُستَقَرِّها.
- الإسلام = فِعلُ التَّسليمِ في صورَتِه الكامِلَة.
الصِّيَغ: كيفَ يَردُ هذا الجَذرُ في الآيات
- أَسلَمَ (ماضٍ / أَفعَل): أَوجَدَ التَّسليم، جَعَلَ الذَّاتَ سالِمةً نَحوَ المُتَسَلَّمِ إليه. الإيجادُ لا الوَصفُ.
- مُسلِمَين / مُسلِمون / مُسلِمة (اسمُ فاعِل / أَفعَل): من هو في حالَةِ التَّسليمِ واقِعاً.
- أَسلِمْ (أَمرٌ / أَفعَل): الطَّلَبُ الإلهيُّ بِالإيجاد.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: وَزنُ أَفعَل (أَسلَمَ) يُعَدِّي الفِعل: «أَوجَدَ السَّلامةَ بِتَسليمِ الذَّات». الجَوهَرُ في الجَذرِ: السَّيَلانُ نَحوَ المُستَقَرّ، لا الانكِسارُ والاستِسلام.
الفُروق المَعنويّة: الجَذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
muslim: اسمُ الفاعِل الثَّابِت من أَسلَمَ. الإسلامُ حَدَثٌ، والمُسلِمُ وَصفٌ مُستَقِرّ. لِلتَّفصيلِ انظُر المُسلِم.- salam: السَّلامُ الحالةُ الجامِعةُ. الجَذرُ ذاتُه لكنَّ الشَّعبةَ مُختَلِفة: السَّلامُ وَصفُ الحالَة؛ الإسلامُ فِعلُ الوُصولِ إليها.
المَواضع: مَواقِعُ «أَسلَمَ / الإسلامِ» في القُرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١١٢ ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الإسلامُ هنا مَربوطٌ بِـ«وَجهِه»: تَسليمُ الوَجهِ تَسليمُ الجِهةِ كُلِّها، الاتِّجاهُ كُلُّه لا جُزءٌ منه. «وَهوَ مُحسِن» قَيدٌ مُصاحِب: التَّسليمُ لا يُكتَفى به وَحدَه، بَل يَصحَبُه الإحسانُ، إسلامٌ مَقرونٌ بِجَمالٍ في الفِعل.
- ٢:١٢٨ ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾: دُعاءُ إبراهيمَ وإسماعيل أثناءَ بِناءِ البَيت. «اجعَلنا»: الإسلامُ يُطلَبُ من الله أن يَجعَلَه، لا يُنتَزَعُ بِمُجَرَّدِ الإرادَة، إشارةٌ إلى أنَّ التَّسليمَ الحَقيقيَّ هِبةٌ لا اكتِساب. «مُسلِمَين» مُثَنَّى: كِلاهُما مَعاً، فِعلُ البِناءِ مُشتَرَك والدُّعاءُ مُشتَرَك. «من ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسلِمة»: الإسلامُ يُراد أن يَسري في الخَلَف.
- ٢:١٣١ ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أَصفى الصِّيَغ وأَقصَرُها. الأَمرُ الإلهيُّ «أَسلِم» + الامتِثالُ الفَوريُّ «أَسلَمتُ»: لا تَساؤُل ولا تَأجيل. «لِرَبِّ العالَمين»، التَّسليمُ لَم يُوجَّه لِاسمٍ عَلَمٍ بَل لِوَصفِ الرُّبوبيَّةِ الشَّامِلة: سَلَّمَ الذَّاتَ لِمَن يَربُّ الوُجودَ كُلَّه.
- ٢:١٣٢ ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾: الإسلامُ يُوصى به وَصيَّةً: لا تُفارِق الإسلامَ مَعَك حتّى الموت. «مُسلِمون» اسمُ فاعِل: الإسلامُ حالةٌ مُستَمِرَّة لا لَحظةٌ عابِرة.
- ٢:١٣٣ ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: أَبناءُ يَعقوبَ يُجيبونَ عِندَ الموت: «مُسلِمون» الحالُ الجامِعُ لِعِبادَتِهم. الإسلامُ هنا حاضِنُ العِبادة لا مُوازيها.
- ٣:١٩ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: أوَّلُ مَوضِعٍ تَرِدُ فيه «الإسلام» اسماً مُعَرَّفاً مُخبَراً به عن «الدِّين»، بَعدَ أن كانَت في البَقَرةِ فِعلاً يُؤمَرُ به (٢:١٣١) أو وَصفاً يُطلَبُ جَعلُه (٢:١٢٨). الجَديدُ: الصِّيغةُ تَنتَقِلُ من الفِعلِ إلى الاسمِ المُعَرَّف، فيَصيرُ التَّسليمُ جِنساً قائماً لا حَدَثاً يَقَعُ في زَمَن. و«عِندَ الله» ظَرفٌ يَنقُلُ مَوضِعَ التَّعيينِ من الأرضِ إلى مَوضِعِ الحِساب: الدِّينُ يُعَيَّنُ حَيثُ يُحاسَبُ عليه لا حَيثُ يُدَّعى. وما يَلي في الآيةِ يَجعَلُ الاختِلافَ لاحِقاً لِلعِلمِ لا سابِقاً له، فالمُسَلَّمُ له لَيسَ ما لم يُعرَفْ بَل ما عُرِفَ ثمَّ بُغِيَ فيه. انظُر الدِّين.
- ٣:٢٠ ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾: الفِعلُ يَعودُ في صيغةِ المُتَكَلِّمِ جَواباً عن مُحاجَّة. الجَديدُ: الإسلامُ يُقالُ هُنا في مَوقِعِ الخِصام، فيَكونُ جَواباً لا حُجَّة: مَن حُوجَّ لم يَرُدَّ بِبُرهانٍ بَل بِبَيانِ جِهَتِه. و«وَجهِيَ» تُعيدُ ما ثَبَتَ في ٢:١١٢ من تَسليمِ الوَجه، لكِنَّها مُضافةٌ هُنا إلى المُتَكَلِّمِ نَفسِه ومَعطوفٌ عَلَيها «ومَنِ اتَّبَعَنِ»، فالتَّسليمُ يَتَعَدّى من واحِدٍ إلى مَن لَحِقَ بِه. ثُمَّ يُعرَضُ السُّؤالُ «أَأَسلَمتُم» عَرضاً لا إلزاماً، ويُجعَلُ الإسلامُ شَرطاً يُثمِرُ اهتِداءً «فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا»: الاهتِداءُ ثَمَرةُ التَّسليمِ لا شَرطُه. انظُر الهِداية.
- ٣:٨٣ ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾: الفِعلُ يَخرُجُ من دائرةِ الاختِيارِ البَشَريِّ إلى سَعةِ الخَلق. الجَديدُ: الإسلامُ يُنسَبُ إلى «مَن في السَّماواتِ والأرض» جَميعاً، فيَصيرُ وَصفاً واقِعاً لا مَطلوباً، ويُقسَمُ بِحالَين «طَوعاً وكَرهاً»: التَّسليمُ حاصِلٌ في الحالَين، والذي يَختَلِفُ مَوقِعُ صاحِبِه مِنه لا وُقوعُه. وتَقديمُ «لَه» على الفِعلِ يَحصُرُ الجِهةَ قَبلَ ذِكرِ الفاعِلين. انظُر الدِّين.
- ٣:٨٥ ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾: «الإسلام» ثانِيةً اسماً، لكِن في مَوضِعِ ما يُبتَغى بَدَلاً عَنه. الجَديدُ: «ديناً» تَقَعُ تَمييزاً بَعدَ «غَير»، فيَثبُتُ أنَّ البَديلَ إنَّما يُبتَغى بِوَصفِه ديناً لا بِوَصفِه شَيئاً آخَر، ثُمَّ يَنتَقِلُ الحُكمُ إلى القَبول: لا يُقالُ إنَّه باطِلٌ في نَفسِه بَل «فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ»، فالمِيزانُ عِندَ الآخِذِ لا عِندَ العارِض. انظُر القَبول.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
wajh: في ٢:١١٢ «أَسلَمَ وَجهَه»، الوَجهُ هو مَحَلُّ التَّسليمِ الأوَّل. انظُر الوَجه.ihsan: قَيدٌ مُصاحِبٌ في ٢:١١٢: التَّسليمُ مَقرونٌ بِالإحسان.wasiyya: في ٢:١٣٢ الوَصيَّةُ بِالإسلام آلِيَّةُ نَقلِه بَينَ الأَجيال.umma: في ٢:١٢٨ «أُمَّةً مُسلِمة»: الإسلامُ في بُعدِه الجَماعيّ.
الإشكالات المَفتوحة
- الفَرقُ بَينَ «أَسلَمَ» و«آمَنَ» في هذِهِ الآيات: ٢:١١٢ تَجمَعُ بَينَهما ضِمناً (أسلَمَ + مُحسِن). المَيلُ: الإيمانُ تَصديقٌ داخِليٌّ والإسلامُ تَسليمٌ مُوجَّه: لَكِنَّهما في الإنسانِ الكامِلِ يَتَلازَمان.