النَّفخ
إخراجُ ما في الجَوفِ من مَنفَذٍ ضَيِّقٍ إلى جَوفٍ آخَر، فيَختَرِقُه ويُخَلخِلُ باطِنَهُ حَتّى يَتَحَرَّكَ ما كانَ ساكِناً.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ن: احتِواءٌ واحتِباسٌ جَوفِيّ، ورَنينٌ باطِنِيٌّ لَطيف، ثُمَّ
نَفاذٌ وانبِعاثٌ من الباطِنِ إلى الخارِج. شِحنَتُه: انبِعاثٌ من الجَوفِ يَنفُذُ إلى الخارِج.
- ف: شَقٌّ وانفِتاحٌ ضَيِّق، ونَفاذٌ وجَرَيانٌ مُتَّصِل، وتَفريقٌ
وإبعاد. شِحنَتُه: نَفاذٌ في شَقٍّ ضَيِّقٍ يُفَرِّق.
- خ: اختِراقٌ ونُفوذٌ جارٍ، وتَخَلخُلٌ ونَقصٌ وفَراغ. شِحنَتُه:
اختِراقٌ يُخَلخِلُ ما نَفَذَ فيه.
النَّواةُ نف (ن + ف) = انبِعاثٌ من الجَوفِ يَخرُجُ في شَقٍّ ضَيِّق: ما كانَ مَحبوساً في الباطِنِ يُطلَقُ من مَنفَذٍ دَقيقٍ لا من انفِراجٍ واسِع، فيَخرُجُ مَشدوداً مَجموعاً. والإغلاقُ بِـخ يَجعَلُ هذا الخارِجَ مُختَرِقاً لِما يُصادِفُه، يُخَلخِلُ باطِنَهُ ويُوَسِّعُ فيهِ فَراغاً، فيَصيرُ الجَذرُ: إرسالُ ما في الجَوفِ من مَنفَذٍ ضَيِّقٍ حَتّى يَختَرِقَ جَوفاً آخَرَ فيُخَلخِلَه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: نَفَخَ في النّارِ فأذكاها، والنُّفّاخةُ التي تَنتَفِخُ بِما دَخَلَها، وانتَفَخَ الشَّيءُ إذا تَخَلخَلَ جَوفُهُ فارتَفَع.
الشِّحنةُ الجامِعة: إمدادٌ من جَوفٍ إلى جَوفٍ في مَنفَذٍ ضَيِّق، يُخَلخِلُ المُتَلَقِّيَ فيَنهَضُ بِما لَم يَكُن فيه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- أَنفُخُ (مُضارِعٌ لِلمُتَكَلِّمِ على يَفعُل، مَقروناً بِفاءِ
التَّعقيب)، ٣:٤٩: الوَزنُ المُجَرَّدُ يُبقي الحَدَثَ على أصلِه، وفاءُ التَّعقيبِ تَجعَلُهُ خُطوةً بَينَ تَصويرٍ قَبلَهُ وحَياةٍ بَعدَه.
- يُنفَخُ (مُضارِعٌ مَبنِيٌّ لِلمَجهول)، ٢٠:١٠٢: البِناءُ
لِلمَجهولِ يُسقِطُ الفاعِلَ من اللَّفظِ ويُبقي الحَدَثَ وحدَهُ مَوقوتاً بِـ«يَوم».
- نُفِخَ (ماضٍ مَبنِيٌّ لِلمَجهول)، ٣٦:٥١: المُضِيُّ يَنقُلُ
الحَدَثَ من المُنتَظَرِ إلى الواقِعِ المَفروغِ مِنه.
لا يَرِدُ في المَنشورِ مَصدَرُ «النَّفخة» ولا ماضٍ مَبنِيٌّ لِلمَعلوم، والجَذرُ مَحصورٌ في هذهِ الثَّلاث.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: الإمدادُ المُخَلخِلُ في مَنفَذٍ ضَيِّق، من
الحُروف؛ والأوزانُ إنَّما تُسَمّي الفاعِلَ أو تَطويه.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً في المَنشور. الجَذرُ يَكتُبُ حَدَثاً واحِداً في ثَلاثِ صِيَغ، ولا يَنقَسِمُ إلى ظِلالٍ تَستَحِقُّ مَفهوماً ثانِياً.
المَواضع: مَواقعُ النَّفخِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣:٤٩ ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ
فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَذرُ يَدخُلُ المُصحَفَ بَينَ هَيئةٍ وحَياة: الطّينُ صارَ «كَهَيئةِ الطَّير»، أي شَبَهاً بِلا حَياة، فجاءَ النَّفخُ فَصَيَّرَهُ «طَيراً». والحَرفُ «في» يَضَعُ المَمدودَ داخِلَ المَنفوخِ فيهِ لا على ظاهِرِه، وهذا مُقتَضى الفاءِ في الجَذر: مَنفَذٌ ضَيِّقٌ يَنفُذُ إلى جَوف. والفاعِلُ مُسَمًّى هُنا، والحَدَثُ مُقَيَّدٌ بِـ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ مَرَّتَينِ في الآية: النَّفخُ فِعلٌ مَأذونٌ فيه، لا قُدرةٌ قائِمةٌ بِصاحِبِها. انظُر khalq وtayr وidhn.
- ٢٠:١٠٢ ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾: الجَديدُ: النَّفخُ
يَنتَقِلُ من فِعلٍ مُسَمًّى فاعِلُهُ إلى مَبنِيٍّ لِلمَجهول، ويَنتَقِلُ المَنفوخُ فيهِ من جِسمٍ مُصَوَّرٍ إلى الصُّور، فلا يَبقى الأثَرُ في المَنفوخِ فيهِ بَل يَعُمُّ مَن سَمِعَه. والحَرفُ «في» يَثبُتُ على حالِه، فالجَوفُ الذي يُملَأُ لا يَتَغَيَّر وإن تَغَيَّرَ صاحِبُه. والآيةُ تَجعَلُ النَّفخَ ظَرفاً لِيَومٍ بِأكمَلِه: به يُفتَتَحُ الحَشرُ لا بِغَيرِه. انظُر hashr.
- ٣٦:٥١ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ
إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾: الجَديدُ: المُضِيُّ بَعدَ المُضارِعِ في ٢٠:١٠٢، فالحَدَثُ يُحكى واقِعاً لا مُنتَظَراً. والأهَمُّ أنَّ الأثَرَ يُذكَرُ هُنا مُلتَصِقاً بِالحَدَثِ بِـ«فإذا» الفُجائِيّة: خُروجٌ من الأجداثِ وانسِلالٌ سَريع. فالتَّخَلخُلُ الذي تُعطيهِ الخاءُ يَظهَرُ في مَوضِعِه: ما كانَ مُنطَبِقاً على أهلِهِ انفَتَحَ عَنهُم فخَرَجوا. انظُر ba3th.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
khalq: ٣:٤٩ تُرَتِّبُ الخَلقَ ثُمَّ النَّفخ: التَّصويرُ
يَسبِقُ الإمداد، والهَيئةُ وَحدَها لا تُحيي.
tayr: ٣:٤٩ تَجعَلُ الطَّيرَ غايةَ النَّفخِ لا مادَّتَه:
«كَهَيئةِ الطَّير» قَبلَهُ و«طَيراً» بَعدَه.
idhn: ٣:٤٩ تُقَيِّدُ النَّفخَ بِالإذن: مَنفَذٌ ضَيِّقٌ
يُفتَحُ بِإذنٍ لا بِقُدرةٍ ذاتِيّة.
hashr: ٢٠:١٠٢ تَصِلُ النَّفخَ بِالحَشرِ مُباشَرةً: صَوتٌ
واحِدٌ يَجمَعُ ما تَفَرَّق.
ba3th: ٣٦:٥١ تَضَعُ الخُروجَ من الأجداثِ أثَراً فُجائِيّاً
لِلنَّفخ: الإمدادُ يَنتَهي إلى نُهوضٍ لا إلى صَوتٍ فَقَط.
الإشكالات المَفتوحة
- لِماذا يُعَدّى النَّفخُ بِـ«في» في المَواضِعِ كُلِّها؟ الفاءُ
في الجَذرِ تُعطي شَقّاً ضَيِّقاً يَنفُذُ مِنه، والنّونُ تُعطي جَوفاً يَنبَعِثُ مِنه. ومَوقِفُنا أنَّ الجَذرَ لا يَقَعُ على ظاهِرٍ أصلاً: مادَّتُهُ تَنتَقِلُ من جَوفٍ إلى جَوف، فلَزِمَهُ حَرفُ الظَّرفِيّة، ولَو تَعَدّى بِنَفسِهِ لَصارَ إصابةَ سَطح.
- أيُّهُما المُتَلَقّي: الصُّورُ أم مَن يَخرُجُ من الأجداث؟
الحُروفُ تُعطي مُتَلَقِّياً يُخَلخَلُ باطِنُه، والآيَتانِ تَضَعانِ التَّخَلخُلَ في الخارِجينَ لا في الصُّورِ نَفسِه. والمَنشورُ لا يَكتُبُ لِلصُّورِ وَصفاً يَفصِلُ بَينَ كَونِهِ الجَوفَ المَقصودَ وكَونِهِ المَنفَذَ الذي يَبلُغُ مِنهُ الأثَرُ غَيرَه، فالمَسألةُ قائِمةٌ حَتّى يُنشَرَ ما يَفصِلُ فيها.