طه · الآية 102
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ»: فِعلٌ بِلا فاعِلٍ مَذكور
«يَوْمَ» بَدَلٌ من اليَومِ الذي سُمِّيَ مَرَّتَينِ قَبلَه. سُمِّيَ أوَّلاً بِاسمِه، ويُوصَفُ الآنَ بِما يَقَعُ فيه.
و«يُنفَخُ» مَبنيٌّ لِلمَجهول. لا نافِخَ في الجُملة. والآيةُ التي لم تُسَمِّ الفاعِلَ لا يُسَمّى فيها، فذلك اختِيارُ الصّيغةِ لا نَقصٌ يُسَدّ.
والنَّفخُ من ن-ف-خ: هَواءٌ يُدفَعُ من جَوفٍ في مَضيقٍ فيَخترِقُ ما أمامَه. فَعَلٌ لا يَقَعُ إلّا بِثَلاثة: جَوفٌ يُخرِج، ومَضيقٌ يَمُرُّ فيه، ومَحَلٌّ يُملَأُ بِه.
و«الصُّورِ» مَعرِفةٌ بِلا وَصف. لَم يُقَلْ كَيفَ هو ولا مِمَّ هو ولا كَم مَرّة. ويُقرَأُ جَذرُه ص-و-ر: جَوفٌ يُحيطُ بِه صَلابةٌ فيَجري فيه ما يَنفُذُ خِلالَه، ومن هذا الأصلِ «الصُّورة»: هَيئةٌ مَحدودةٌ تُحيطُ بِما فيها. وهذا مِقدارُ ما يُقال.
«وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ»: مَجهولٌ ثُمَّ نونُ عَظَمة
فِعلانِ في آيةٍ واحِدة. الأوَّلُ لا فاعِلَ لَه في اللَّفظ، والثّاني مُسنَدٌ بِأظهَرِ إسناد: «نَحْشُرُ». يُقرَأُ هذا الانتِقالُ ولا يُمَرُّ عَلَيه.
والحَشرُ سَوقٌ يَضُمُّ المُتَفَرِّقَ في مَضيقٍ حتّى يَزدَحِمَ فيَنفُذَ إلى جِهةٍ واحِدة. لَيسَ جَمعاً في سَعةٍ بل جَمعاً في ضيق.
و«الْمُجْرِمِينَ» اسمُ فاعِل. والجَذرُ ج-ر-م كُتلةٌ تُجمَعُ وتُمسَكُ فتُحاز. ومنه «الجِرم» الجَسَدُ ذو الحَجم، و«جَرَمَ النَّخلَ» صَرَمَ ثَمَرَه فجَمَعَه، و«الجُرامة» ما لُقِطَ من ذلك المَصروم.
فالمُجرِمُ في جَذرِه صاحِبُ كَسبٍ مَجموع. واقرَأْه مَعَ السَّطرَينِ قَبلَه: هُناكَ حِملٌ يُحمَل، وهُنا كُتلةٌ اجتُنِيَت. ما جُمِعَ يُحمَل، ومَن جَمَعَ يُساقُ مَعَ ما جَمَع.
«زُرْقًا»: كَلِمةٌ تُعلَنُ صُعوبَتُها
حالٌ من المَحشورين، جَمعُ «أزرَق». كَلِمةٌ واحِدةٌ في آخِرِ الآية، بِلا شَرحٍ بَعدَها ولا قَبلَها.
والجَذرُ ز-ر-ق اكتِنازٌ في مَضيقٍ يَجري ثُمَّ يُطلَقُ دَفعةً قاطِعة. ومنه «المِزراق» رُمحٌ قَصيرٌ يُرمى فيَنفُذ، و«زَرَقَ الطّائِرُ» إذا رَمى دَفعةً واحِدة، و«الزُّرقة» لَونٌ يُنسَبُ إلى هذا الأصل.
وقد قُرِئَتِ الكَلِمةُ في أكثَرَ من جِهة، فمِنها ما يَجعَلُها وَصفاً في العَينِ ومِنها ما يَجعَلُها وَصفاً في الحال. والاختِلافُ يُعلَنُ ولا يُحسَم.
وما يُقالُ بِيَقينٍ ثَلاثة: أنَّها حال، وأنَّها جاءَت في آخِرِ السَّطرِ بِلا تَفسير، وأنَّ ما بَعدَها لا يَعودُ إلَيها. فلا يُبنى عَلَيها مَشهَدٌ يُرى، ولا يُقاسُ بِها لَونٌ ولا هَيئة.
و«يَوْمَئِذٍ» تُعيدُ الظَّرفَ بَينَ الفِعلِ وحالِه، فاليَومُ ذُكِرَ ثُمَّ أُعيدَ في السَّطرِ نَفسِه. ما تَكَرَّرَ ذِكرُه هو الوَقت، وما تُرِكَ بِلا بَيانٍ هو الوَصف.
حَصيلة
اليَومُ الذي سُمِّيَ مَرَّتَينِ يُوصَفُ الآنَ بِما يَقَعُ فيه، ويُفتَتَحُ الوَصفُ بِفِعلٍ مَبنيٍّ لِلمَجهول: نَفخٌ بِلا نافِخٍ مَذكور، في مَعرِفةٍ بِلا وَصف. جَذرُ النَّفخِ يَطلُبُ جَوفاً ومَضيقاً ومَحَلّاً، وجَذرُ الصُّورِ جَوفٌ تُحيطُ بِه صَلابةٌ يَجري فيه ما يَنفُذ، وهذا مِقدارُ ما تُعطيه الآية. ثُمَّ يَنقَلِبُ الإسنادُ في النِّصفِ الثّاني إلى نونِ العَظَمة، فأحَدُ الفِعلَينِ بِلا فاعِلٍ ظاهِرٍ والآخَرُ بِأظهَرِ فاعِل. والحَشرُ ضَمٌّ في مَضيقٍ لا جَمعٌ في سَعة، والمُجرِمُ في جَذرِه صاحِبُ كُتلةٍ اجتُنِيَت وأُمسِكَت، فما حُمِلَ في السَّطرِ قَبلَه هو ما جُمِعَ في هذا السَّطر. ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِحالٍ واحِدةٍ لم تُشرَح: «زُرْقًا»، كَلِمةٌ اختُلِفَ في جِهَتِها، ويُقرَأُ جَذرُها اكتِنازاً في مَضيقٍ يُطلَقُ دَفعة، ويُعلَنُ الخِلافُ ولا يُقطَعُ بِوَجه. آخِرُ ما في السَّطرِ كَلِمةٌ تَقِفُ وَحدَها، والوُقوفُ عِندَها هو قِراءَتُها.