آل عمران · الآية 49

﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

«وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ»: التعليمُ يَصيرُ رسالةً ذاتَ جِهة

والواوُ تَصِلُ الرسالةَ بما سَبَقَ من التعليم، ثمّ تُسمّي لها وِجهةً: إلى بني إسرائيل، ويَنفَتِحُ القولُ بصيغةِ المُتَكَلِّم: جاءَهم بآيةٍ من ربِّهم. ويَثبُتُ مَصدَرُ العلامةِ في الإضافةِ إلى «ربّكم» قبلَ تَفصيلِ أفعالِها، فلا تَنفَصِلُ الآيةُ عن الرِّعايةِ التي أرسَلَتها.

«مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ»: مادّةٌ وهيئةٌ قبلَ النَّفخ

والخَلقُ من خ-ل-ق، وهو مَجالٌ يَنفُذُ فيه تَقديرٌ مُمتَدٌّ ثمّ يُحكِمُ الصُّورةَ عندَ حَدِّها. وذَكَرَتِ الآيةُ مادّةً «من الطين» وقَيداً «كهيئة الطير»، فلم تُساوِ بينَ الهيئةِ والحياة. ثمّ جاءَ النَّفخُ، ومادّتُه ن-ف-خ، وهو انبِعاثٌ يَنفُذُ فيَفتَحُ مَجرىً داخِلَ ما بَلَغَه، والفاءُ تَصِلُ النَّفخَ بصَيرورةِ الهيئةِ طَيراً.

«بِإِذْنِ اللَّهِ»: الحَدُّ الذي يَصحَبُ صَيرورةَ الطَّير

وقُيِّدَ الفِعلُ في الجُملةِ بقَولِه «بإذن الله»، فلم يُترَكْ من غيرِ قَيد. والإذنُ من أ-ذ-ن قَطعٌ مُؤَكَّدٌ يَنفُذُ ثمّ يَنبَعِثُ أَثَرُه، فيَفتَحُ للفِعلِ مَجالَه من مَصدَرٍ يَسبِقُه، وبهذا القَيدِ تُنسَبُ الصَّيرورةُ إلى الإذنِ في اللَّحظةِ التي تُذكَرُ فيها القُدرةُ على التَّشكيلِ والنَّفخ.

«وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ»: مِن البَراءةِ إلى الحياة

والبَراءةُ من ب-ر-أ اتِّصالٌ يَجري ثمّ يَقطَعُ صاحِبَه عن حالٍ كانت مُلتَصِقةً به، ومنه تَخليصُ الأكمهِ والأبرص. والحياةُ من ح-ي-ي نَفَسٌ حَيٌّ يَمتَدُّ ويَسري، وتَكرارُ الياءِ يُديمُ الامتِداد. ثمّ عادَ قَيدُ «بإذن الله» بعدَ إحياءِ المَوتى، فحَفِظَ مَرجِعَ الفِعلِ مَرّةً أُخرى.

«وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ»: العلامةُ تَبلُغُ الخَفيَّ القَريب

ومادّةُ النَّبأِ ن-ب-أ، وهي خَبَرٌ يَنبَعِثُ ويَتَّصِلُ ثمّ يَقطَعُ على مَعنىً مُعَيَّن، وصيغةُ التفعيلِ في «أنبّئكم» تَحمِلُ شُحنةً مُستَدامةً مُتَكَرِّرة. ومَوضوعُ الخَبَرِ ما يَأكُلونَ وما يَدَّخِرونَ في بُيوتِهم، أي فِعلٌ ظاهِرٌ ومَخزونٌ داخِلَ الحَيِّزِ الخاصّ، وليس بَعيداً مُجرَّداً.

«إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ»: العلامةُ تَنتَظِرُ تَلَقِّياً

و«ذلك» يَجمعُ الأفعالَ المَذكورةَ ويُسمّي فيها آيةً للمُخاطَبين، ثمّ يَضَعُ شرطَ التَّلقّي: إن كانوا مؤمنين. والمُرادُ بالإيمانِ هنا حالُ ثِقةٍ تَجعَلُ العلامةَ قابِلةً لأن تُقرأَ علامة، وليس اسماً مَوروثاً. فالأفعالُ واقِعةٌ في القول، ودَلالتُها للمُخاطَبِ مع ذلك مَربوطةٌ بوِجهةِ استِقبالِه.


حَصيلة

تَنتَظِمُ الرسالةُ حولَ مَصدَرٍ وحَدّ: آيةٌ من ربِّهم، وفِعلانِ عظيمانِ يَصحَبُهما «بإذن الله»، وبينَهما تَظهَرُ مادّةُ الطينِ وهيئةُ الطيرِ والنَّفخُ والصَّيرورة، ثمّ البَراءةُ والحياة، ثمّ نَبأُ المَأكولِ والمُدَّخَر. ولا يُسمّى ذلك كلُّه آيةً نافِعةً للمُخاطَبِ إلّا مع الثِّقةِ التي تَفتَحُها للقِراءة.