الصِّراط

sirat جذر · ص-ر-ط 5 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
المَسلَكُ الواضِحُ المُعَبَّدُ الواسِعُ الذي لا يَلتَبِسُ على سالِكِه ولا يَتَشَعَّبُ فيَحتارَ فيه. ليس «السَّبيل»، ليس «الطَّريق». **الإطارُ المَكانيُّ** الذي تَجري فيه الأَفعالُ كَما يَجري الزَّمَنُ في الدِّين، سَواءٌ بِسَواء.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • ص: حرفٌ صَفيريٌّ مُطبَق. فَمُ المُتَكَلِّمِ يَنطَبِقُ على نُقطةٍ

ثُمّ يُطلِقُ صَفيراً مُحكَماً. شِحنَتُه: انطِباقٌ مَضبوطٌ يَنفُذُ إخراجاً، ضَبطٌ يَخرُجُ مُمَيَّزاً.

  • ر: تَكرارٌ وجَريان. (الشِّحنةُ ذاتُها في الرَّحمن القِسم ١.) حَركةٌ

تَجري ولا تَستَقِرّ في نُقطة.

  • ط: حرفٌ مُطبَقٌ كَالصاد، يَنبَسِطُ ثَقيلاً على مَوضِعِه. شِحنَتُه: انبِساطٌ

ثَقيلٌ مُمتَدّ، انتِشارٌ مَبسوطٌ يَستَقِرّ.

النَّواةُ صر (ص + ر) = ضَبطٌ يَجري، انطِباقٌ يَخرُجُ مَع تَدَفُّق. الإغلاقُ بـط يَبسُطُ هذا الجَريانَ ثَقيلاً مُمتَدّاً، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: مَجرىً صُلبٌ مُحكَمٌ يَنبَسِطُ بطُولٍ مَبسوطٍ دونَ تَشَعُّب.

ومنه «الصِّراط» في كلامِ العَرَب: المَسلَكُ الذي وُضِعَ بإحكامٍ، وَيَجري بطُولِه دونَ تَشَعُّب، ويَنتَهي إلى مَوضِعٍ مَضبوط. هو الطَّريقُ المُعَبَّدُ الواضِحُ الذي لا يَفقِدُ سالِكُه اتِّجاهَه فيه.

الكَلِمَةُ في القُرآنِ ثابِتَةٌ بِشِحنَتِها الجَذريَّة: مَن قَرَأَ الحُروفَ بِشِحنَتِها قَرَأَ المَعنى من غَيرِ حاجَةٍ إلى رَدٍّ خارِجَ العَرَبيَّة.

الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ ص-ر-ط: مَسلَكٌ مُحكَمٌ مُعَبَّدٌ يَجري بطُولٍ دونَ تَشَعُّب.

المِفتاحُ البِنيَويُّ، الصِّراطُ كَإطارٍ مَكانيٍّ: لَيسَ الصِّراطُ صورةً بَل الإطارُ المَكانيُّ الذي تَجري فيه القَوانينُ البِنيَويَّةُ كُلُّها. الهِدايَةُ تَنزِلُ على الصِّراط؛ التَّقوى تُبنى عَلَيه؛ الذِّكرُ يَجري وَالسَّالِكُ ماشٍ فيه. الصِّراطُ هو المُمتَدُّ المَكانيُّ الذي يَستَوعِبُ كُلَّ الأَفعالِ في عَرضٍ ثابِت.

التَّوازي مَع din: الدِّينُ هو الإطارُ الزَّمَنيُّ، والصِّراطُ هو الإطارُ المَكانيُّ. مَعاً يُحَدِّدانِ الحَيِّزَ الوُجوديَّ الذي يَتَحَرَّكُ فيه السَّالِكُ:

  • الدِّين يُجيبُ «مَتى وبأيِّ بُنيَةٍ زَمَنيَّة؟» (عَهد → سُلوك →

حِساب).

  • الصِّراط يُجيبُ «أَينَ وبأيِّ امتِدادٍ مَكانيّ؟» (مَسلَكٌ مُحكَمٌ

لا يَتَشَعَّبُ ولا يَلتَوي).

الفاتِحةُ بَنَت الإطارَين مَعاً: في ١:٤ ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الإطارُ الزَّمَنيّ)، في ١:٦ ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الإطارُ المَكانيّ). الفاتِحةُ في سَطرَين تُحَدِّدُ القَوسَ الكُلِّيَّ الذي يَتَحَرَّكُ فيه المُؤمِن.

الصِّيَغ: كيف تَردُ في القرآن

  • صِراط (مُفرَد): تَردُ في القرآنِ مُفرَداً دائماً. لا جَمعَ لها

(«صُرُط» لا تَردُ). هذا في حَدِّ ذاتِه دَلالة: الصِّراطُ مُفرَدٌ بَنيَويّاً، لا تَتَعَدَّدُ صِراطاتُه.

  • الصِّراط (مُعَرَّف بال): حين يَكونُ مَعروفاً (في 1:6 «الصِّراطَ

المُستَقيم» مَعروفاً بال + صِفة).

  • صِراطاً، صِراطَ... (مُضاف، مَنصوب أو مَجرور): تَتَكَرَّرُ في

القرآنِ مُضافةً («صِراطَ الذينَ أنعَمتَ علَيهِم»، «صِراطَ ربِّك»، «صِراطَ العَزيزِ الحَميد»). الإضافةُ هي التي تُحَدِّدُ هَوِيّةَ الصِّراط.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: «صِراط» اسمٌ على وَزنِ فِعال، وَهو وَزنٌ يُستَعمَلُ

لكَثيرٍ من أسماءِ الأماكِنِ والأَدَوات (كِتاب، حِجاب، زِلزال). الوَزنُ

هنا يَخدُمُ الجَذرَ في إقامةِ اسمِ مَكان. لا يُغَيِّرُ الشِّحنة.

الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى

(ص-ر-ط جَذرٌ شَحيحُ الإنتاج. لا تَكادُ تُولِّدُ في القرآنِ غَيرَ هذا الاسم. فلا فُروعَ ذاتُ شِحنةٍ مُتَمَيِّزةٍ تَستَحِقُّ مَفهوماً مُستَقِلّاً.)

المَواضع: مَواقعُ الصِّراطِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ١:٦ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: مَوضعُ الافتِتاح.

الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ هنا مَعَ صِفَتِها الأَكبَر: المُستَقيم. الإضافةُ صِفةً (لا إضافةً اسميّة) تُعَرِّفُ الصِّراطَ بقِيامِه بنَفسِه. القارئُ يَطلُبُ الدَّلالةَ على هذا الصِّراطِ بالذّاتِ، لا على غَيرِه.

  • ١:٧ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: استِكمالُ التَّعريف.

الصِّراطُ ذاتُه يُعَرَّفُ ثانيةً بإضافةٍ اسميّة: مَن سَلَكوه قَبلَ القارئ. الفاتِحةُ تُعَرِّفُ الصِّراطَ بطَريقَتَين مُتَتالِيَتَين: بصِفَتِه (المُستَقيم في 1:6) ثُمَّ بسالِكيه (الذينَ أنعَمتَ علَيهِم في 1:7). الكِتابُ يُعَرِّفُ الطَّريقَ بسالِكيه لا بعَلاماتِه الجُغرافيّة.

  • ٣:٥١ ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾: الجَديدُ: يُشارُ إلى الصِّراطِ بِاسمِ إشارةٍ قَريبٍ عائدٍ إلى جُملةٍ قِيلَت قَبلَه، فيَصيرُ الطَّريقُ هو المَقولُ نَفسُه: إقرارُ الرُّبوبيّةِ ثُمَّ الأمرُ بِالعِبادة. فبَعدَ أن كانَ في ١:٦ مَطلوباً بِالهِداية، يُعَيَّنُ هُنا بِمَضمونِه. انظُر العِبادة.
  • ٢٠:١٣٥ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَىٰ﴾: الجَديدُ: يوصَفُ الصِّراطُ بِغَيرِ «مُستَقيم»: ﴿الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾. والسَّوِيُّ من س-و-ي، وهو المُستَوي الذي لا يَتَفاوَتُ سَطحُه، فيُضافُ إلى الانبِساطِ المُمتَدِّ الذي تَقولُه الطّاءُ نَفيُ التَّفاوُتِ في المَبسوطِ نَفسِه. ويُنسَبُ إليه أصحابٌ، فبَعدَ أن كانَ مَطلوباً يُهدى إليه (١:٦) ومُشاراً إليه بِاسمِ الإشارةِ (٣:٥١ و٣٦:٦١) يَصيرُ نِسبةً تُعرَفُ بِها جَماعةٌ حينَ يُعلَم. ويُعطَفُ عَلَيه ﴿وَمَنِ اهْتَدَىٰ﴾، فيُذكَرُ الإطارُ المَكانيُّ ومَن سَلَكَه في جُملةٍ واحِدة. انظُر التَّرَبُّص.
  • ٣٦:٦١ ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾: الجَديدُ: يُعَيَّنُ الصِّراطُ بِأمرٍ واحِدٍ مُوجَزٍ بَعدَ نَهيٍ قَبلَه، فيَصيرُ الطَّريقُ هو الجَمعَ بَينَ تَركِ عِبادةِ العَدُوِّ وإفرادِ المَعبود. وهو نَظيرُ ٣:٥١ في الصِّياغةِ ومُخالِفٌ لَه في القائل. انظُر العِبادة.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • hidaya: التَّجاوُرُ المُلازِمُ في 1:6. الهِدايةُ تَستَدعي

الصِّراط: الدَّلالةُ تَنزَلِقُ نَحوَ مَوضِعِها، والصِّراطُ هو المَوضِع. بَنيَويّاً: الهِدايَةُ قانونُ تَبادُلِ هَدِيَّة (من مَنهَجِ المَفاهيم)، والصِّراطُ هو حَيِّزُ هذا التَّبادُل، العَطاءُ يَنزِلُ على هذا المَسلَكِ، والمُتَلَقّي يَسيرُ فيه. لا يَكونُ تَبادُلٌ بِلا مَكانٍ يَجري فيه.

  • din: التَّوازي البِنيَويُّ الكُبرى. الدِّينُ الإطارُ الزَّمَنيّ،

الصِّراطُ الإطارُ المَكانيّ. الفاتِحةُ تَبني الإطارَين في سَطرَين مُتَجاوِرَين (١:٤ يَومُ الدِّين، ١:٦ الصِّراط). انظُر الدِّين.

  • mustaqim: التَّجاوُرُ في 1:6. الصِّراطُ المَطلوبُ مُستَقيم،

أَي قائمٌ بِنَفسِه.

  • sabil (السَّبيل) وtariq (الطَّريق): كَلِمَتانِ مُجاوِرَتانِ

لـ«الصِّراط» في الدَّلالةِ على المَسلَك، تَختَلِفانِ عنه في الظِّلال:

  • سَبيل = مَسلَكٌ يُسلَكُ من جِهةٍ إلى جِهة، قَد يَضيقُ

وَيَتَّسِع.

  • طَريق = أعَمُّ ما في البَاب، أَشمَل.
  • صِراط = الواضِحُ الواسِعُ المُعَبَّدُ المُستَقيمُ الذي لا

يُخطِئُه السالِك. الفاتِحةُ اختارَت «الصِّراط» لا «السَّبيل» ولا «الطَّريق»، إذ القارئُ يَطلُبُ الواسِعَ الواضِحَ لا أيَّ مَسلَكٍ يَصِل. وقَد صارَ لِـالسَّبيل والطّارِق مَفهومانِ في المُعجَم، فيُحال عَلَيهِما في تَفصيلِ الفَرقِ ويُترَكُ هُنا مُجمَلاً.

الإشكالات المَفتوحة

  • **هل «الصِّراط» في 1:6 مَكانٌ في الدُّنيا وَحدَها، أم يَمتَدُّ إلى

الآخِرةِ أيضاً؟** الجَذرُ يَحمِلُ مَسلَكاً مُحكَماً مُعَبَّداً يَجري بطُولٍ دونَ تَشَعُّب، وَهذِه الشِّحنةُ لا تُقَيِّدُ المَسلَكَ بزَمَنٍ دونَ زَمَن. وَالنَّصُّ في 1:6 يَطلُبُ الدَّلالةَ على هذا المَسلَكِ بالذّاتِ، وَفي 1:7 يُعَرِّفُه بسالِكيه ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لا بعَلامَةٍ جُغرافيّةٍ في الدُّنيا. فالصِّراطُ صورةٌ بِنيَويّةٌ تَنطَبِقُ على المَسلَكِ في الدُّنيا والآخِرةِ معاً: طَريقٌ يَهدي اللهُ إلَيه، لا حَيِّزٌ مَكانيٌّ في الدُّنيا وَحسب.

  • هل الصِّراطُ واحدٌ مُتَعَدِّدٌ بحَسَبِ السالِكين؟ الجَمعُ غَيرُ

مُستَعمَلٍ في القرآن. مَوقِفُنا: الصِّراطُ في الجَوهَرِ واحِد (المُستَقيم)، لكنَّ الإضافاتِ تُعَيِّنُ مَن سَلَكوه. الإضافةُ لا تُعَدِّدُ، تُحَدِّد.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن