السَّبيل
الطَّريقُ الذي يَجري فيه المَرءُ بِانسِيابٍ نَحوَ غايَتِه، يَختَلِفُ عن الصِّراطِ بِأَنَّهُ أَرفَقُ وأَكثَرُ انبِساطاً، وعن القَصدِ بِأَنَّه يُتَّخَذُ واسِطةً لا غايَة.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
الجَذرُ س-ب-ل:
- س: امتِدادٌ وسَيَلان. شِحنَتُه: نُفوذٌ ناعِمٌ دَقيق.
- ب: اتِّصالٌ يَتَمَسَّك. شِحنَتُه: بوّابةٌ تَصِلُ وتُمسِك.
- ل: تَعَلُّقٌ وامتِداد. شِحنَتُه: جِسرٌ يَمتَدُّ إلى المَقصِد.
النَّواةُ سَب (س + ب) = سَريانٌ يَتَمَسَّكُ بِبوّابَتِه: تَدَفُّقٌ مُتَّصِلٌ لا ينقَطِع. الإغلاقُ بـل يُعَلِّقُ هذا السَّريانَ بِمَقصِدٍ: سَريانٌ ناعِمٌ (سب) يَمتَدُّ نَحوَ غايةٍ (ل)، الطَّريقُ الذي يَجري فيه السَّالِكُ بِانسِيابٍ ناعِم.
ومن هذا الجَذر:
- السَّبيل = الطَّريقُ السَّهلُ المُنسابُ.
- السَّابِلَة = عامَّةُ النَّاسِ الذين يَسلُكونَ السُّبُل.
- سَبَّلَ الماء = أَجراهُ للنّاس.
الصِّيَغ
- في سَبيلِ الله (ظَرفيَّةٌ + مُضافٌ + مُضافٌ إليه): المَوقِعُ الذي كانَ فيه المَقتول: ليسَ «إلى الله» (غاية) بَل «في سَبيلِه» (ظَرفٌ مَكانيّ داخِلَ طَريقِه).
- ابنَ السَّبيل (مُضافٌ + مُضافٌ إليه): المُسافِرُ المُنقَطِعُ عن بَيتِه: ابنُ الطَّريقِ: من صارَ السَّبيلُ مَسكَنَه.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، السَّبيلُ كَالقَناةِ المَكانيَّةِ الفَرعيَّةِ لِجَريانِ القَوانين: السَّبيلُ لَيسَ قانوناً بَل القَناةُ المَكانِيَّةُ الفَرعِيَّةُ التي تَتَدَفَّقُ فيها قَوانينُ . هو نَظيرُ الصِّراطِ لَكِنَّه أَكثَرُ تَوزيعاً: الصِّراطُ طَريقٌ واحِدٌ مَتينٌ شامِل، والسُّبُلُ فُروعُه التي تَجري في المَيدانِ الفِعليّ:
- في الجِهاد (٢:١٥٤): «في سَبيلِ الله»: السَّبيلُ ظَرفٌ يَجري فيه
فِعلُ المُؤمِنِ نَحوَ الله.
- في الإنفاق (٢:١٧٧، ٢:٢٦١): «أَنفَقوا في سَبيلِ الله»: السَّبيلُ
ظَرفُ المُضاعَفَة.
- في الضَّلال (٢:١٠٨): «ضَلَّ سَواءَ السَّبيل»: الانحِرافُ عَن
الوَسَط.
- في الإحسان (٢:١٧٧): «وَابنَ السَّبيل»: السَّبيلُ مَوطِنُ مَن
تَطالُه شَبَكَةُ الإحسانِ المالي.
السَّبيلُ إذَن المَيدانُ الفِعليُّ الذي تَتَجَلَّى فيه القَوانين: الصِّراطُ بِنيَةٌ كُلِّيَّة، والسَّبيلُ تَطبيقُها في حَيِّزٍ مُعَيَّن. كُلُّ قانونٍ تَبادُليٍّ يَلزَمُه سَبيلٌ يَجري فيه؛ كُلُّ سَبيلٍ يَنتَمي إلى الصِّراطِ الواحِدِ المُستَقيم.
والجَذرُ يَكشِفُ هذا: امتِدادٌ ناعِم (س)، اتِّصالٌ يُمسِك (ب)، تَعَلُّقٌ بِمَقصِد (ل). السَّبيلُ هو التَّدَفُّقُ المُتَّصِلُ المُتَعَلِّقُ بِغايَة: لا مَكانٌ مُجَرَّدٌ بَل قَناةٌ سائِلَةٌ تَجري فيها المادَّةُ نَحوَ هَدَفِها. ولِذلكَ يَأتي في القُرآنِ مُضافاً غالِباً: «سَبيلُ الله»، «سَبيلُ المُؤمِنين»، «سَبيلُ الرَّشاد». الإضافَةُ تَكشِفُ الغايَة.
ولِأَنَّ كُلَّ سَبيلٍ مَوصولٌ بِجِهَة، تَنقَسِمُ السُّبُلُ إلى سُبُلِ الله وَسُبُلِ الطَّاغوت (٢:٢١٧، ٤:٧٦). والقَوانينُ تَجري في الاتِّجاهَين: في سَبيلِ اللهِ تُؤَدّي إلى المُضاعَفَة، وفي سَبيلِ الطَّاغوتِ تُؤَدّي إلى الخُسران.
الفُروق المَعنويّة
sirat(الصِّراط): ص-ر-ط: مَسارٌ مَتينٌ يَشتَمِلُ على سالِكِه. الصِّراطُ أَوسَعُ وأَشمَلُ والسَّبيلُ أَرفَقُ وأَكثَرُ انبِساطاً. انظُر الصِّراط.
المَواضع: مَواقِعُ السَّبيلِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٠٨ ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: «سَواءَ السَّبيل»، السَّبيلُ المُستَوي الوَسَط. مَن يَستَبدِلُ الكُفرَ بِالإيمانِ يَضِلُّ هذا السَّبيلَ: يَغيبُ عَن الخَطِّ المُستَوي المُتَّصِل. الجَديدُ: «سَواءُ السَّبيل» هُنا المُصطَلَحُ الأَوَّلُ في المَفهوم، السَّبيلُ المُستَوي لَيسَ «في سَبيلِ الله» الظَّرفيَّ بَل الوَسَطُ الذي يَنشِطُ فيه. انظُر الضَّلال.
- ٢:١٥٤ ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. «في سَبيلِ الله» ظَرفٌ مَكانيٌّ يَصِفُ مَوقِعَ المَقتولِ لَحظةَ سُقوطِه: داخِلَ طَريقِ الله. لَيسَ «إلى الله» ولا «لِلَّه»، الظَّرفيَّةُ تُقَرِّرُ مَوضِعَ الحال، والحُكمُ يَترَتَّبُ على هذا الموضِع.
- ٢:١٧٧ ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: في قائِمةِ مَصارِفِ المال. «ابنُ السَّبيل» تَركيبٌ شِعريٌّ: من صارَ الطَّريقُ وَطَنَه، المُسافِرُ المُنقَطِعُ الذي يَحتاجُ من يَفتَحُ له بابَ المَنزِل.
التَّقاطُعات
birr: السَّبيلُ في ٢:١٧٧ من جُملةِ مَصارِفِ البِرّ الكُبرى.mawt: «في سَبيلِ الله» في ٢:١٥٤ يُمَهِّدُ لِنَفيِ وَصفِ الأَمواتِ، المَوقِعُ يُقَرِّرُ الحَياة.ibn: «ابنُ السَّبيل» تَركيبٌ مُستَعمَلٌ لِوَصفِ المُسافِر بِالنِّسبةِ إلى طَريقِه.
الإشكالات المَفتوحة
- هل «ابنُ السَّبيل» يَشمَلُ المُسافِرَ الغَنيَّ إذا انقَطَعَت به؟ مَوقِفُنا الآيِيّ: السِّياقُ يَصِفُ الحالةَ المَكانيَّةَ لا الحالةَ المَاليَّةَ المُستَدامَة: من كانَ في الطَّريقِ مُنقَطِعاً فهو ابنُه.